"مدخل لغوي للنصوص الدراميه دراسه تحليليه لبعض القواعد والمفردات اللغويه في مسرحيات مختاره للكاتب الامريكي يوجين اونيل"
سامي حنفي محمود عين شمس الآداب اللغة الإنجليزية الدكتوراه 2002
"تلقى التركيبات اللغوية لنصوص المحادثة إهتماما متزايدا من قبل اللغويين والدارسين ، لاسيما هؤلاء المهتمين بدراسة النصوص الآدبية من منظور لغوى. ودراسة تلك التركيبات أصبحت ذات أهمية كبيرة لأرتباطها الوثيق بالعلاقة بين المعنى والقواعد اللغوية. وقد جذبت التركيبات اللغوية للمحادثة إهتمام ليس فقط علماء الاجتماع المهتمين بدراسة اللغة ولكن كذلك الأنثروبولوجيون والفلاسفة ، وهذا يؤكد أنه ليس هناك حدود أمام الدراسة اللغوية للنصوص. وقد كان هناك دائما من يستحث علماء اللغة على دراسة المحادثة لفهم اللغة وكيفية عملها كوسيلة تواصل عبر الحياة اليومية. لذا فقد برعوا بتحليل التركيبات اللغوية لمستوى أعلى من مستوى الجملة. فلم يعد ينظر إلى الجملة على أنها أكبر وحدة للدراسة اللغوية ، فقد قام علماء اللغة بمعالجتها على أنها أصغر وحدة فى التحليل اللغوى للنصوص.
وتهدف هذه الرسالة إلى دراسة التركيبات اللغوية لنصوص المحادثة فى الأعمال الأدبية. وهى تسعى بذلك إلى اعطاء دراسة لغوية للغة الدراما فى أثنين من مسرحيات الكاتب الأمريكى (يوجين أونيل) وهما (القرد المشعر ، 1923م) ، (رحلة يوم طويل إلى الليل ، 1956م) ويهتم هذا البحث بتحليل سمات التفاعل اللغوى المكونة للمحادثات المتبادلة فى حوار كل من المسرحيتين.
ويشتمل التحليل على دراسة السمات اللفظية وغير اللفظية التى تميز المحادثات المتبادلة بين الشخصيات. والغرض من ذلك هو معرفة كيفية استخدام (أونيل) لسمات التفاعل اللغوى بنجاح لتدعيم ترابط الحوار وتيسير التواصل بين المتحادثين.
وتحاول الرسالة ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أن تبين كيف استطاع (أونيل) بتمكنه من اللغة الدرامية أن يعبر الهوة العميقة بين أسلوبين متعارضين من أساليب النثر وهما العامية والفصحى فى اللغة الإنجليزية ويقدم الفصل الأول وصفا مختصرا لتطور النظريات الأدبية واللغوية وأثرها على دراسة وفهم الأدب.
وهو يبين أن النظريات الأدبية مثل الشكلية الروسية
(Russian Formalism) والبنائية (Structuralim) قامت بتطوير أساليب مختلفة من أساليب دراسة الأدب. فانصب اهتمام أنصار الشكلية على اللغة ولكنهم أغفلوا بنية المعنى للنصوص.
أما أنصار البنائية فقد أكدوا على أهمية المعنى ، خاصة بعد أن قام (سوسر) بتطوير علم الإشارات كأحد العلوم الجديدة للإشارة. وبقدوم مرحلة ما بعد البنائية قام (جاك دريدا) بإبراز اللغة مرة أخرى على الساحة لكنه أطلق يد القارئ فى فهمها. ولقد شجع أهتمام دريدا ـ بلغة النصوص واعطاء اللغة المكتوبة أولوية على المضمون ـ علماء اللغة على دراسة الأدب من منظور لغوى. ونتيجة لذلك تنافس عدد من علماء اللغة مثل (تشومسكى) و (بابك) و (لاكوف) و (جليسن) و (هاليداى) على دراسة النصوص من منظور لغوى.
وقام (تشومسكى) بتطوير نظريته عن التحول من قواعد اللغة (Transformational G.G.) والتى ركزت على العلاقة بين البنية السطحية (المعنى اللفظى) والبنية التحتية (المعنى المقصود) للجملة الإنجليزية ولأنه لم يعر وظائف اللغة اهتمامه ؛ افسحت نظريته الطريق لنظريات (هاليداى) عن وظائف اللغة فنشأت الوظيفية وهى نظرية هاليداى لدراسة وظائف اللغة نتيجة لمحاولات دائبة لتصنيف الوظائف الرئيسية للغه.
وما قدمه (هاليداى) لدعم نظريته جاء على هيئة تقسيمه لوظائفها إلى ثلاث أنواع وهى (Idational) والتى تنظم خبرة مستخدم اللغة فى الواقع أو الخيال من خلال لغة تشير إلى أشخاص أو أشياء أو أفعال من صنع الواقع أو الخيال. والنوع الثانى (Interpersonal) وهى التى تشير أو تدل على العلاقة الاجتماعية بين الأشخاص ، وهى تشتمل على أساليب المخاطبة ووظائف الكلام. والنوع الثالث (Textual) وهى التى تقوم بخلق نص شفوى أو مكتوب مترابط من داخله ويصلح للأستخدام فى مناسبات ومواقف محددة. وأهمية نظرية (هاليداى) عن وظائف اللغة تكمن فى شرحها للبنية اللغوية كوسيلة للتواصل مع الأخرين فى الحياة اليومية. وكما أن دراسة اللغة تتطلب دراسة النصوص بكل ما تحتويه من سمات لفظية وغير لفظية ، والسياق المستخدم فيه ، ظهرت نظرية للعالم الأنثربولوجى (برونيسلو مالينوسكى) عن البيئة اللغوية أو المحتوى العام للنص وأصبح علماء اللغة ودارسى النصوص أكثر أهتماما بسياق الحديث للإستعانة به فى فهم النصوص. وقد زاد اهتمام دارسى النصوص بالمعنى وبالترابط اللغوى بإزدياد اهتمامهم بدراسة الأدب. وتكمن أهمية دراسة النصوص فى حقيقة ارتباطها بدراسة اللغة ومدلولها الاجتماعى ، أى البيئة التفاعلية الاجتماعية للمتحاورين.
ويقدم الفصل الثانى للرسالة خطة عمل لتحليل بنية نصوص المحادثة يسبقها عرض لعدة طرق للدراسة اللغوية لتلك النصوص. ويقوم الفصل الثانى أيضا بإلقاء الضوء على اسهامات (أوستن) و (سيرل) من خلال نظريات عن (Speech acts) أفعال الكلام ودراساتهم اللغوية لخصائص بنية نصوص المحادثة والتى كان لها أثر كبير فى المساعدة على دراسة النصوص وفهمها.
كما يشير هذا الفصل إلى نموذج (برمنجهام لسينكلير) و (كاولتهارد) كإحدى الطرق المتميزة فى دراسة بنية نصوص المحادثة فى الفصول الدراسية. ويقوم الفصل الثانى بالإضافة إلى ذلك شرحا مفصلا لطرق دراسة المحادثة بالتعريف الخصائص التفاعلية التى تميز نصوص المحادثة والتى توجد فى شكل سمات لفظية وغير لفظية. والهدف من ذلك هو اختبار إمكانية تطبيق تلك الخصائص والتى تميز محادثات الحياة اليومية على الحوار الدرامى كنوع من المحادثة أكثر نظاما ومعدة مسبقا.
ويركز الفصل الثالث على لغة الدراما فى العصر الحديث وتطورها من الأسلوب الشعرى إلى الأسلوب النثرى عند الكاتب المسرحى الأوروبى (هنريك ابسن). وقد تأثرت الدراما الأمريكية وكتابها خاصة (أونيل) بمثل هذا التحول فى الكتابة الدرامية من الأسلوب الشعرى إلى أسلوب العامية. فلقد جعل (أونيل) شخصياته على المسرح يتحدثون لغة الحياة اليومية للمتعلمين وغير المتعلمين ، وحرصه على كتابة بعض أعماله باللغة العامية أثار غضب النقاد ضد ابتذال لغته الدرامية والتى لم تكن وسيلة صالحة للتعبير عن أفكاره. كما أن إصرار (أونيل) على وصف حياة الطبقة قليلة الحظ من التعليم بأبعادها الاجتماعية جعله يستخدم اللغة العامية لإضفاء الصدق على مسرحه. ورغم ذلك ساد الأعتقاد عند نقاد (أونيل) أن لغته الدرامية تمثل إحدى نقاط الضعف فى مسرحياته لدرجة أنه حاول أن يجد لنفسه مخرجا لمأزقه بأن يستعمل تقنيات درامية جديدة. ومع ذلك فتجاربه فى استعمال تقنيات جديدة لمسرحياته لم تعوض عن إغراقه فى العامية فى كتاباته الدرامية برغم كونها إسهامات حقيقية للمسرح الأمريكى لحداثتها.
وإدراك (أونيل) للأختلاف بين اللغة المستخدمة فى الحياة اليومية وبين لغة الحوار الدرامى ، مكنه من كتابة روائع كتاباته المسرحية (قدوم رجل الثلج) ومسرحية (رحلة يوم طويل إلى الليل).
ويقوم الفصل الرابع من الرسالة بدراسة خصائص الحوار التفاعلية التى تميز المحادثات المتبادلة فى حوار كلا المسرحيتين السابق ذكرهما ، كما يقدم هذا الفصل تحليل لبعض القواعد اللغوية الداخلة فى بناء المحادثات المتبادلة بين الشخصيات ، والتى توجد فى صورة سمات لفظية تدعمها سمات أخرى غير لفظية لتقوية الطبيعة التفاعلية للحوار الدرامى ، ويقوم الفصل بدراسة السمات اللفظية من خلال تحليل الأزواج المتقاربة والحذف والتصحيح. أما السمات غير اللفظية فيتم دراستها من خلال تحليل لغة الأجسام (الإيماءات) مثل التعبير بالوجه أو اليد وتبادل النظريات والمؤثرات الصوتية الضوئية بالإضافة إلى بعض الظواهر الجوية مثل الضباب. ويتم تتبع خصائص التفاعل اللغوى فى كل من مسحريتى أونيل ودراستها للكشف عن تكرارها فى نصوص المسرحيتين لتحديد أثرها على الترابط اللغوى فى الحوار. كما يقوم هذا الفصل برصد تكرار خصائص التفاعل اللغوى ومقارنتها بمثيلتها فى كلا المسرحيتين.
ويبين التحليل الكمى المقارن الناتج لخصائص التفاعل اللغوى ، ارتفاع معدل تكرارها فى مسرحيتى (أونيل) (رحلة بوم طويل إلى الليل) أكثر منه فى مسرحية (القرد المشعر) ويدل هذا على الطبيعة الحوارية لنص الأولى والذى تنفتقده المسرحية الثانية. والتفاعل اللغوى الذى يميز الحوار يساعد على تدعيم التواصل بين الشخصيات. ولكن فى المسرحية الثانية يسير الحوار فى أتجاه المونولوج لأنه يحتوى على أحاديث فردية لبعض الشخصيات تأخذ شكل المفاجأة أو المونولوج والتى تشتمل على تفاعلات لغوية أقل وأدوات أتصال وترابط أقل من المسرحية الأخرى. ومع ذلك فحوار مسرحية (القرد المشعر) ليس خاليا تماما من الترابط اللغوى ومظاهر الأتصال. على العكس من ذلك فالمسرحية تحتوى على كلاهما ولكنهما بالطبع ليسا بنفس القدر الموجود بمسرحية (رحلة يوم طويل). فالحوار فى كل من المسرحيتين يحتوى على عددا ليس بالقليل من خصائص التفاعل اللغوى والأحاديث المتبادلة المترابطة والتى تكثر بمسرحيته (رحلة يوم طويل) عن المسرحية الأخرى. وذلك يعود لطبعية (الحوار المنولوجى) الذى يميز الأخيرة عن الأولى.
ومع ذلك فيجب ألا ينظر إلى الأحاديث المنولوجية أو ذات الطابع المنولوجى على أنها تقصير أو نقطة ضعف فى الكتابة الدرامية ، لأن الكاتب قصد بها التأكيد على تجسيد إنعزالية الشخصيات وعدم قدرتهم على التعبير اللغوى. وتمثل المسرحيتين نموذجين لنصوص المحادثة التى تتميز بسمات لفظية وغير لفظية ذات قدرة كبيرة على التعبير عن المعانى التى يقصدها الكاتب وهى التى تدخل فى بناء الحوار وتعزز التواصل والتفاهم بين الشخصيات وتمكن الكاتب من توصيل أفكاره إلى الجمهور.
ويتضح مما سبق أن هذه الرسالة تسعى لإلقاء الضوء على اللغة الدرامية فى مسرحيات الكاتب الأمريكى (يوجين أونيل) والذى استطاع أن يقدم لنا فنا دراميا متميزا باستخدام قالبين مختلفين من النثر وهما العامية والفصحى الإنجليزية. فاللغة التى تحدث بها شخصياته على المسرح لم تكن سوى شكل من أشكال المحادثة الحقيقية وهذا ما يجعلها تختلف نسبيا عن لغة الكلام العادى. وإنجاز (أونيل) فى الكتابة الدرامية يكمن فى استخدامه تلك اللغة فى التعبير عن مشكلة الإنسان فى العصر الحديث ، وهى فى تخلفه عن التقدم التكنولوجى وفقده احساسه بالإنتماء والذى جاء نتيجة لصراعه مع قوى أقوى منه. وإذا كان (أونيل) سوف ينساه الناس بمرور الوقت ، ستبقى أعماله لتذكر الأجيال القادمة من الباحثين والقراء بعبقريته ككاتب مسرحى متميز."
انشء في: ثلاثاء 1 يناير 2013 09:17
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة