نقل الحبوب وتخزينها في مصر -
مجدي سيد احمد ابو النصر, ,عين شمس ,الآداب ,الجـغـرافيــة ,الدكتوراه 2002
نظرا لأهمية ما تمثله الحبوب فى مصر سواء فى الدخل الزراعى المصرى 23% من إجماليه أو فى حياة السكان المعيشية لكونها أحد المكونات الرئيسية للغذاء المصرى، بل كانت ولا تزال أساس الغذاء والاستقرار والحضارة البشرية منذ القدم، ويؤدى نقصها إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية خطيرة؛ وهو الأمر الذى يجعل من توفير الحبوب بُعد رئيسى فى الأمن القومى المصرى، خصوصا فى ضوء ما تعانيه مصر حاليا من فجوة كبيرة فى أهم وأبرز محاصيل الحبوب وهما القمح والأذرة، الأمر الذى كان دافعا قويا للقيام بهذه الدراسة بهدف التعرف على أحد جوانب دراسة الحبوب وهو نقل الحبوب وتخزينها فى مصر.
و تقف مصر فى مقدمة دول العالم من حيث متوسط نصيب الفرد من الحبوب والبالغ 248.2 كجم وبالتالى فهى أيضا فى صدارة دول العالم من حيث نصيب الفرد من السعرات الحرارية من الحبوب 2023 كالورى ، فى دلالة واضحة على أن سكان مصر يعتمدون على الحبوب كغذاء رئيسى بالدرجة الأولى، وهو ما قد يفسر لنا أهمية ما تشكله مجموعة الحبوب حاليا من أهمية كبيرة تفوق كثيرا أهميتها فى العقود السابقة، حيث أن المساحة المحصولية من الحبوب لم تكن تتجاوز 37.7% من إجمالى المساحة المحصولية فى البلاد عام 1986 أصبحت الآن تستأثر بنحو 50.4% من هذه المساحة وذلك على حساب مجموعة الأعلاف والخضر؛ رغبة فى تحقيق الاكتفاء الذاتى منها .
هذا وقد انقسمت الدراسة إلى قسمين :
القسم الأول تناول التحليل الجغرافى لنقل الحبوب وتخزينها فى مصر من خلال ثلاثة فصول :
تناول الفصل الأول مفهوم التخزين وأشكاله وصولا للأشكال التى ستعتمد عليها الدراسة ، تلى ذلك دراسة التوزيع الجغرافى لهذه الأشكال بصفة عامة ثم التوزيع الجغرافى لأشكال التخزين حسب الشكل الواحد ومكوناته التفصيلية من خلال عدة متغيرات رئيسية هى العدد والسعة التصميمية والكمية المخزنة ودورات التخزين بهدف الوقوف على مدى التباين المكانى فى خريطة التوزيع الجغرافى لهذه الأشكال والعمل على تحليل وتفسير صورة التوزيع الجغرافى الفعلى للظاهرات المدروسة، وإبراز علاقاتها المكانية .
الفصل الثانى : عرض لاستهلاك الحبوب فى مصر ليس بهدف دراسة الاستهلاك فى حد ذاته بل للوقوف على مناطق الفائض والعجز فى الحبوب والتى تمثل مناشئ ومقاصد حركة نقل الحبوب فى مصر، حيث قسم الاستهلاك إلى استهلاك مباشر تمثل فى استهلاك الحبوب بالشكل الذى أنتجت عليه فى المزرعة كاستهلاك القمح فى المطاحن والأذرة فى مصانع الأعلاف والأرز الشعير فى المضارب واستهلاك غير مباشر بواسطة الإنسان كمنتجات نهائية حيث تم تقدير الاستهلاك غير المباشر من خلال تحويل المجتمع إلى وحدات استهلاكية تبعا للتركيب العمرى والنوعى للسكان.
أما الاستهلاك المباشر فقد تم تقديره من خلال استعرض الإنتاج المحلى لثلاثية الحبوب المدروسة (القمح والأذرة والأرز) والكميات المستقطعة منه كالفاقد والتقاوى والكمية الموردة للدولة وصولا إلى صافى الإنتاج والذى وجه للاستهلاك فى الريف وكذلك الواردة من الخارج والتى يتم استهلاكها فى مواقع الإنتاج الصناعى، وصولا إلى مناطق الفائض والعجز بحكم أنها المحرك الرئيسى لحركة نقل الحبوب فى مصر .
الفصل الثالث : ناقش نقل الحبوب فى مصر من خلال تناول دراسة شبكات ووسائل وحركة نقل الحبوب فى مصر سواء من الإنتاج المحلى بمستوياته النقلية المختلفة وتنظيمها المكانى وعلاقة ذلك بحجم الحيازات الزراعية. أو الواردة من الخارج، حيث عرضت الدراسة للمناشئ العالمية والمحلية وعلاقة ذلك بإمكانات التفريغ والتخزين بالموانئ المصرية للوقوف على قدرة هذه الموانئ فى استقبال القمح الوارد من الخارج، وعلاقاتها بالقدرات الصناعية المختلفة المستهلكة للحبوب كمادة خام مع تحديد مناطق النفوذ النظرى والفعلى للموانئ المصرية .
وقد سبق هذه الفصول الثلاث المقدمة والتمهيد تناولت المقدمة عرض لمراحل تطور نقل الحبوب وتخزينها فى مصر وعلاقة ذلك فى الماضى بموسمية الإنتاج وفيضان النيل، بينما تناول التمهيد أسباب اختيار الموضوع والهدف من الدراسة والدراسات السابقة ومصادر الدراسة ومراحلها والأساليب التقنية المستخدمة فى إعدادها ثم أخيرا الصعوبات التى واجهت الدراسة، وكيفية التغلب عليها.
القسم الثانى: خصص لاختيار عينة ممثلة لموضوع وعناصر الدراسة ودراستها ( Sample study ) حيث كان الهدف من دراسة العينة إيضاح ما لا يمكن أن يتضح من التعميم، و ذلك من خلال العمل الميدانى الذى يعتبر أحد أهم الدعائم الأساسية فى الدراسات الجغرافية، حيث يمكن من خلاله استكمال ما نقص من بيانات أو التعرف من قرب على الظاهرة المدروسة وعلاقاتها المكانية، بجانب الوقوف على أوجه القصور فيها والمشكلات التى تجابهها والجهود المبذولة للتغلب عليها، إلا أن ذلك واجه صعوبة كبيرة فى عملية الاختيار، هل يتم اختيار الجمهورية ككل للعمل الميدانى أم منطقة معينة من مناطقها تحقق فيها كل عناصر الدراسة ومتغيراتها سواء كانت هذه المنطقة ريفية أو حضرية أم يتجه التفكير نحو اختيار إحدى أشكال التخزين للتعريف به وعلى مناطق نفوذه وعلاقاته المكانية . ومن هنا فإن الأمر قد احتاج لمناقشة مستفيضة وصولا للمنطقة أو الشكل التخزينى الذى ستتجه إليه هذه الدراسة.
وقد انتهت الدراسة إلى اختيار صومعتى شبرا الخيمة وإمبابة بمنطقة القاهرة الكبرى دراسة تفصيلية حيث عرض فيها لتاريخ إنشاء الصومعتين وموقعهما الجغرافى وأهميته وعلاقاته المكانية ومساحة الصومعتين ومورفولوجيتهما والعمالة وتصنيفها وإمكانات الشحن والتفريغ بهما وعلاقة ذلك بالطاقات القصوى للتخزين بالصومعتين ثم حركة نقل القمح منهما وإليهما لتحديد منطقتى نفوذ الصومعتين وعلاقة ذلك بقدرات الطحن وحجم السكان، ثم تعرضت الدراسة للمشكلات التى تعانى منها عمليات نقل الحبوب وتخزينها والعوامل المؤثرة فيها بمنطقة الدراسة.
وقد خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج من أهمها ما يأتى :
1- تباينت أشكال تخزين الحبوب فى مصر مكانيا وزمانيا ، حيث بلغ إجمالى عددها بمصر عام 1997، نحو 774 منشأة شكلت الشون نحو 74.2% منها ، تليها الصوامع والمظلات ولكل 19.3% ، 6.5% على الترتيب، فى حين كان التركز الجغرافى أبرز سمات توزيعها المكانى .
2- كشفت الدراسة عن أن الشون تقف متفردة بين أشكال تخزين الحبوب فى مصر من حيث عدد منشآتها وسعاتها التصميمية ، فى الوقت الذى احتلت فيه الــصـوامـع صـدارة هـذه الأشـكال فى الـكمية الـمخزنة، بيـنما كانت الــمظلات أو وحدات تخزين الأرز الشعير فى ذيل القائمة .
3 - تبين أن التوزيع الجغرافى للكميات المستهلكة من الحبوب بالريف المصرى تتسم بالتركز الجغرافى الواضح وهو مانلمسه فى أن ما يزيد عن نصف الكمية المستهلكة من القمح بالريف المصرى (52% ) تركزت فى منطقتين أولى شمالى الدلتا ، وتضم محافظات الشرقية ، الدقهلية ، كفرالشيخ والبحيرة والأخرى فى الوجه القبلى وتضم محافظتى أسيوط وسوهاج .
4 - ولقد كشفت الدراسة عن أن التباين المكانى والتركز الجغرافى كانا أبرز سمات التوزيع الجغرافى للحبوب المستهلكة بالقطاع الصناعى ، حيث أمكن لخمس محافظات فقط هى القاهرة ،الإسكندرية، الجيزة، الشرقية والقليوبية الاستحواذ على 58.4% .
5- كما كشفت الدراسة عن أن حجم الاستهلاك يتباين بتباين التركيب العمرى والنوعى وبدراسة التوزيع النسبى للفئات العمرية حسب النوع على مستوى المحافظات المصرية تبين أن هناك تباينا فى الاستهلاك باختلاف المناطق الجغرافية لا سيما فى المرحلة العمرية الممتدة حتى 19 سنة وهو ما نلمسه فى أن نسبة استهلاك الإناث فى هذه المرحلة بالمحافظات الريفية بدلتا النيل والوجه القبلى يزيد عن استهلاك الإناث فى المحافظات الحضرية القاهرة والإسكندرية وبورسعيد، وفى المقابل يتفق استهلاك الذكور فى شكله العام مع الإناث من حيث التباين المكانى وأن قلت نسبة استهلاك الذكور بشكل عام فى هذه المرحلة العمرية مقارنة بالإناث .
أما المرحلة العمرية التالية ( 19 – 23 سنة ) فيمكن أن نطلق عليها مرحلة التوازن الاستهلاكى بين كافة محافظات مصر ذكورا وإناثا حيث اتسمت نسبة استهلاك هذه المرحلة بالتقارب والتجانس فيما بين المحافظات المصرية الى حد كبير بغض النظر عن تباينها المكانى والنوعى .
وبعد هذه المرحلة من التوازن ينقلب الوضع بارتفاع نسبة الاستهلاك بمحافظات الحضـر بشكل ملحوظ فى مقابل المحافظات الريفيـة عموما وريف الوجه الـقبلى عـلى وجـه الـخصوص وذلك فـى المرحلــة الـعمـريـة الــممتدة مـا بـيـن (23–51 سنة) ويبدو أن لذلك علاقة بالمستوى الصحى الذى يرتفع كما وكيفا بالمحافظات الحضرية بينما هو أقل من ذلك فى المحافظات الريفية عموما والوجه القبلى على وجه الخصوص .
6- كشفت الدراسة عن أن كمية الحبوب المنقولة بمصر عام 1997 بلغت نحو 26 مليون طن شارك القمح بنحو 44% منها، بينما استحوذت الأذرة فالأرز على 34.7% ، 21.3% من إجمالى كمية الحبوب المنقولة فى مصر على الترتيب .
7- تبين من الدراسة أن ميناء الإسكندرية يستأثر بالنصيب الأكبر من قدرات التفريغ وسعات التخزين على الرغم من تراجع أهمية هذا الميناء فى الكمية المخزنة فى حين تقدم ميناء دمياط ليحتل المرتبة الأولى فيها يليه ميناء بور سعيد.
8- أوضحت الدراسة أن وسائل النقل على الطرق المرصوفة والسكك الحديدية قد احتكرت تماما حركة نقل القمح بالبلاد عام 1997 ، حيث بلغ نصيب الوسيلة الأولى 72% فى مقابل 28% للوسيلة الثانية ، فى الوقت الذى احتكرت فيه وسائل النقل على الطرق كل الكميات المنقولة من الأذرة والأرز .
9- تبين من دراسة الحالة أن صومعتى شبراالخيمة وإمبابة يختلفان فى تاريخ الإنشاء وسعاتهما التخزينية ومساحتيهما وفى عدد العاملين بهما والإمكانات المتاحة للتفريغ والشحن وبالتالى زمن التفريغ، وخلايا التخزين وسعاتها والكميات المخزنة وتكلفة التخزين وغيرها، فى حين إتفقتا فى أتخذهما اتجاها عاما من الشرق للغرب للتكيف مع الظروف المناخية السائدة فى مصر لتقليل أثر العوامل المناخية خصوصا درجة الحرارة .
10- أوضحت الدراسة أن صومعة إمبابة لاتزيد قدرة التفريغ بها عن 300 طن/ ساعة فى حين تصل إلى 1160طن/ ساعة بصومعة شبرا الخيمة أن قدرة الصومعة الأخيرة تقترب من أربعة أمثال قدرة استقبال صومعة إمبابة وما لذلك من انعكاس مباشر على زمن التفريغ والاستغلال الأمثل لوسيلة النقل .
11- كما تبين من الدراسة أن الكميات المخزنة بصومعتى شبراالخيمة وإمبابة فى تناقص مستمر لاسيما خلال السنوات الخمس الأخيرة نتيجة لتراجع القمح التموينى الوارد للبلاد والسماح للقطاع الخاص والاستثمارى باستيراد القمح لحسابه لتشغيل مطاحنه مع اتساع قاعدة إنشاء الصوامع سواء الخاصة بالتوزيع أو الملحقة بالمطاحن.
12- كما تبين أن مينائى دمياط وبورسعيد كانا أهم مناشئ حركة القمح المنقول لصومعتى شبراالخيمة وإمبابة عام 2000 مع تفوق واضح للميناء الأول الذى أسهم بنحو 88.9% من الكمية المنقولة إليهما، تاركا النسبة الباقية لميناء بورسعيد، كما أوضحت الدراسة شهرى يوليه وأغسطس احتلا قمة شهور السنة فى الكمية المنقولة للصومعتين ، كما تبين أن وسيلة النقل على السكك الحديدية كانت هى الأكثر استخداما فى حركة نقل القمح إلى الصومعتين حيث وقع على عاتقها نقل ما يزيد عن 95 % من إجماليها مع تفوق نسبى بسيط لوسيلة النقل على الطرق فى صومعة شبراالخيمة مقارنة بصومعة إمبابة .
13 - تبين من دراسة الحالة أن منطقة النفوذ النقلى لصومعة إمبابة أكثر اتساعا من منطقة نفوذ صومعة شبراالخيمة حيث تبين أن الصومعة الأولى تقوم على خدمة مطاحن شركة جنوب القاهرة من بلدة برطس فى شمال محافظة الجيزة شمالا حتى مطحن مدينة الصف جنوبا، فى حين ينحصر نفوذ صومعة شبراالخيمة فى المنطقة الممتدة من قليوب شمالا حتى بولاق جنوبا مرورا (بمدينة) السلام والمطرية وروض الفرج حيث كان حى الأهرام هو أكثر الأحياء تفاعلا مع صومعة إمبابة فى الوقت الذى وقف فيه حى السلام كأكثر الأحياء تفاعلا مع صومعة شبرا الخيمة. كما أوضح التحليل الكمى لإمكانية الوصول حسب المسافة الفعلية أن أحياء منطقة النفوذ هى الأيسر فى إمكانية الوصول للصومعة المرتبطة بها عدا حى الشرابية وحى الوايلى الذين ارتبطا بإمكانية وصول لصومعة إمبابة أفضل نسبيا من صومعة شبرا الخيمة تحت تأثير عامل المسافة وثبات العوامل الأخرى .
14- كشفت الدراسة عن أن هناك رؤية غير واضحة فى عملية إنشاء صوامع التوزيع الداخلى بمدينة القاهرة الكبرى حيث تبين من خلال دراسة الحالة أن إنشاء صومعة كصومعة مسطرد بسعة تخزينية 30 ألف طن على بعد عدة أمتار من صومعة شبراالخيمة قد أثر بالسلب على الكميات المخزنة بالصومعة الأخير رغم الفارق الكبير فى إمكانات الصومعتين والبيئة الجغرافية المحيطة بكليهما وعلاقاتها بالتلوث .
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة