"الأسس النظرية والمنهجية لتيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع تحليل نقدى أطروحة لنيل درجة الماجستير فى الآداب بقسم الاجتماع"

محمود فتحى عبد العال عين شمس الآداب الاجتــماع الماجستير 2006

"مثل العديد من التيارات الفكرية التى أوجب ظهورها مجموعة من التحولات الواقعية التى مر بها المجتمع الانسانى ظهر تيار ما بعد الحداثة داخل علم الاجتماع من جراء تحول معرفى يعرف بالتحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة ، ذلك التحول الذى فرضته مجموعة التحولات الواقعية التى شهدتها مستويات الوجود الانسانى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

تلك التحولات التى خلقت متغيرات واقعية جديدة  كان من شأنها أن دعمت زعزعة الثقة فى القيم والمثل التى دعا إليها عصر التنوير مثل العقل والحرية والعدالة والمساواة وقد ترتب على ذلك انهيار أوهام الحداثة ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ساهمت فى تعميق الإشكاليات المعرفية داخل علم الاجتماع ، كتلك المتعلقة بكفاءة النظرية فى وصف وتفسير الواقع،حيث أثبتت هذه التحولات عدم كفاءة النظرية السوسيولوجية فى فهم ووصف وتفسير الواقع وعدم قدرتها على تلمس المعطيات الواقعية والإمساك بتلابيب الواقع الأمر الذى قاد إلى التشكيك فى مصداقية العلم انطلاقاً من كون النظرية تعد دالة على نضج البناء الفكرى للعلم .

ويكتشف المتأمل لذلك أن لحظة ميلاد تيار ما بعد الحداثة داخل علم الاجتماع قد تجسدت بشكل كبير حينما تطور الواقع الاجتماعى والحضارى  متجاوزاً نسق الأفكار وطرحه لمتغيرات واقعية جديدة تثبت باستمرار تخلف الأفكار عن متابعة تفاعلات الواقع وعجزها عن تقديم حلول ناجحة لمشكلاته وقد ساهم ذلك فى أن تصبح التطورات الواقعية ظرفاً ضاغطاً يفترض تجديد نسق الأفكار حتى يصبح متلائماً واحتياجات التفاعل الواقعى .

وبالرغم من أن هذه التحولات ساهمت فى ظهور تيار ما بعد الحداثة داخل علم الاجتماع إلا أنها لم تكن الأساس الوحيد فى تشكيل الموقف المعرفى لتيار ما بعد الحداثة تجاه الحداثة حيث أن هناك روافد معرفية أخرى كان لها اكبر الأثر فى تشكيل المنطق الداخلى للتيار حيث يمثل تيار ما بعد الحداثة خطاباً ثقافياً ومعرفياً ينطوى بداخله على أنماط متعددة من المعرفة والثقافة ويجمع بين روافد فنية ""فن العمارة "" وادبية ""النقد الادبى""  وفلسفية وعلمية ،ويتجسد الموقف المعرفى لتيار ما بعد الحداثة فى كونه رد فعل مناهض للحداثة وخلفيتها الفكرية ومدلولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليدخل علم الاجتماع ونظريته فى ظل تيار ما بعد الحداثة مرحلة فكرية جديدة تمثل ثورة معرفية تحمل فى طياتها تأثيرات معرفية عميقة داخل العلم ونظريته تمثلت فى التحول الذى قادته داخل النظرية الاجتماعية والأبنية الفكرية الأكثر شمولاً حيث التحول من الوضعية إلى المثالية فمع بداية التنظير لما بعد الحداثة بدأ علم الاجتماع يقطع دائرة جديدة لا تدور هذه المرة على الخلفية الوضعية ولكن يتحرك الآن على أرضاً مثالية، حيث بدأنا نتحدث عن المعنى وعن الذات وعن التفرد وسقوط الاطراد وعن التأويل كمدخل للفهم والإدراك وما زالت دائرة التنظير تدور على أرض مثالية ووفق مشروع مثالى حتى تصل إلى نهايتها أو حتى إشعار أخر هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان تيار ما بعد الحداثة قد أحدث شرخاً فى بنية النظرية الاجتماعية شرخاً أثر على منظومة المفاهيم والتى تعد أحد أهم الركائز فى بناء النظرية وقد تجلى ذلك بوضوح فى دعوه منظروا ما بعد الحداثة الى نبذ المفاهيم التى كانت تقوم عليها الحداثة مثل العقل والذات والحقيقة والمجتمع والثقافة وقدمت مفاهيم أخرى نافية لها تتناسب مع طبيعتها العدمية بل ذاد الأمر عن ذلك حيث أكد رواد التيار على نبذ كل ما هو اجتماعى والدعوه إلى موت علم الاجتماع ، إضافة إلى ذلك فان تصور مفكروا ما بعد الحداثة للواقع ووصفه بالتفكك والفوضوية سوف ينعكس بشكل مباشر على بناء النظرية ومدى تماسكها حيث أن تصور الواقع بهذه الكيفية ينسف إمكانية وجود نظرية بل وينسف الشروط الموجدة لهذه النظرية على اعتبار أن الواقع يساهم فى تشكيل النظرية .

وقد مثل ذلك تحدياً معرفيا لعلم الاجتماع ونظريته يفرض على الدراسة ضرورة التأصيل النقدى لهذا التيار ذلك التأصيل الذى يخرج التيار من دائرة الزخم الفكرى الناتج من التجاذب البحثى له من قبل شتى فروع المعرفة والتى تضفى على أفكاره تداخلاً معرفياً يجعلها على درجة من صعوبة الفهم وكذلك يخرجه من بوتقة التجريدات الفلسفية إلى مستوى الرصد والتحليل السوسيولوجى الا ان ذلك لا يعنى فصل الأفكار عن مسلماتها الفكرية بقدر ما يعنى التأليف بين القضايا للكشف عن المكنون النظرى والمنهجى للتيار .

وفى ضوء ما سبق تنحصر إشكالية الدراسة الحالية فى مجموعة من التساؤلات الرئيسية           والتى مثلت فى ذات الوقت قضايا الدراسة وأهدافها :-

أولاً : ماذا يعنى مفهوم ما بعد الحداثة ؟ وماذا يشير إضافة مقطع ما بعد إلى صياغة المفهوم؟وما هى المفاهيم المرتبطة به ؟ وما العلاقة بينهما ؟

ثانياً : ما الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التى أدت الى ظهور تيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع ؟ وما هى العلاقة بين مجموعة الظروف الواقعية وتيار النظرية من حيث مقولاته الأساسية وموقفه من هذه الأحداث ؟

ثالثاً :  ما الأصول الفلسفية والروافد الفكرية لتيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع ؟

رابعاً : ما المقولات المنهجية لتيار ما بعد الحداثة ؟ وهل ساهم هذا التيار فى تطوير مبادئ منهجية جديدة يمكن من خلالها معالجة المعطيات الواقعية ، معالجة صحيحة  أو يمكن من خلالها فهم وإدراك الواقع ؟ وهل طور هذا التيار أساليب بحثية جديدة تمكنه من ذلك ؟

خامساً : ما المقولات النظرية لتيار ما بعد الحداثة ؟ وهل طور هذا التيار مقولات نظرية جديدة أم أنه اكتفى برفض المقولات الحداثية ؟ وهل طور هذا التيار تصوراً خاصاً بالتفاعل الواقعى الكائن بين أفراد المجتمع ؟.

وتعتمد الدراسة لتحقيق ذلك على المادة النظرية المتمثلة فى مجموعة البحوث والدراسات الأجنبية والعربية مستخدمة فى إطار ذلك منهج التحليل النقدى النظرى ، ومعتمده كذلك على إطار تحليلى يحتوى على ثلاثة أبعاد رئيسية :-

البعد المعرفى: يتم من خلاله الكشف عن السياقات البنائية والفكرية التى ساهمت  فى إفراز تيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع .

البعد المنهجى: ويتم من خلاله تحديد المبادئ المنهجية التى يرتكز عليها التيار فى اقترابه من دراسة الواقع .

البعد النظرى: ويتم من خلاله تحديد مجموعة المقولات النظرية للتيار والتى تمثل رؤيتة تجاه الواقع

وتسعى الدراسة لتحقيق أهدافها والإجابة عن تساؤلاتها وذلك من خلال تقسيم الدراسة الى ستة فصول .

الفصل الأول : ما بعد الحداثة : إشكالية المفهوم والمغاهيم المرتبطة به.

الفصل الثانى : الاصول الفلسفية لتيار ما بعد الحداثة

الفصل الثالث : الظروف السوسيو_فكرية التى افرزت تيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع

الفصل الرابع : الروافد الفكرية لتيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع .

الفصل الخامس : الأسس المنهجية لتيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع .

الفصل السادس : الأسس النظرية لتيار ما بعد الحداثة فى علم الاجتماع .

وقد توصلت الدراسة فى ضوء ذلك الى مجموعة من النتائج أبرزها :-

1- أنها توصلت إلى تحديد مجموعة من الأسس والمبادئ التى تمثل فى كليتها البناء المنهجى للتيار وهى : تحطيم سلطة الأنساق الفكرية المغلقة ، الحقيقية الاجتماعية نسبية ولا يمكن الوصول إليها ، تقليل أهمية التاريخ كمدخل للعلوم الإجتماعية ، اتجاه التنظير الإجتماعى من الأنساق النظرية الشاملة الى تنظير الحياة اليومية، الذات الإنسانية و ما بعد الحداثة، التأويل ، التفكيك.

2- توصلت الدراسة إلي تحديد مجموعة من الأسس النظرية تمثل رؤية التيار عن الواقع وهي نقد الحداثة انظلاقا إلى ما بعد الحداثة ، الثقافة هى البعد المهيمن على الحياة الإجتماعية ، المجتمع ما بعد الصناعى كبديل للمجتمع الرأس مالى ، الواقع الاجتماعى مفكك ويفتقد النظام ""حالة اللانظام""  , الواقع الافتراضي بديلا للواقع الاجتماعى "" نهاية الصفة الاجتماعية ""."


انشء في: أربعاء 21 نوفمبر 2012 18:09
Category:
مشاركة عبر