الفكر الصوفي في مصر خلال القرن الرابع عشر الهجري ( القرن العشرين الميلادي)
مصطفى أحمد فهمي أحمد, ,القاهرة, دار العلوم ,الفلسفة الإسلامية ,دكتوراه 2009
الحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد ،،
قد استحوذ التصوف ودراسته على أذهان كثير من الباحثين، وقد حظي بدراسات واسعة تنوعت منهجًا وأسلوبًا وهدفًا، واختلط فيها المدح بالقدح، ومع ذلك فإن الاهتمام به لا يزال متجددًا، والبحث فيه لا يزال مستمرًا .
بدأت دراسة التصوف الإسلامي في العصر الحديث في القرن التاسع عشر الميلادي، في الغرب، على أيدي جماعة من المستشرقين؛ الذين عرفوا التصوف الإسلامي أول ما عرفوا من خلال دراساتهم للشعر الفارسي المتأخر، وقد أثرت هذه المعرفة الناقصة المحدودة التي اعتمدت على وثائق متأخرة ذات طابع خاص على دراساتهم الأولى -في نهاية القرن التاسع عشر وصدر القرن العشرين- للتصوف الإسلامي ؛ فكانت بحوثهم تثير شكوكًا كثيرة حول قيمة تراثنا العربي الإسلامي الأصيل، وهو ما ظهر جليَّا عند البحث في مصدر التصوف الإسلامي ونشأته.
أهمية الموضوع :
أولاً: إثبات أن مصر قامت بالفعل من خلال مؤسساتها وأبنائها، وبما وفرته للوافدين عليها من جو علمي مستقر أن تحفظ التصوف الإسلامي وفكره زمنًا ليس بالقصير، بل وأن يتسم هذا الفكر بالاعتدال وعدم الغلو .
ثانيًا: ضرورة وجود وقفة تأملية تحليلية، من شأنها تسليط الضوء على وضع الدراسات الصوفية المعاصرة، والذي تتابع الجهود، وتتواصل الأبحاث والدراسات فيه منذ العقود الخمسة الأولى من القرن العشرين .
ثالثًا: إن التصوف الإسلامي بإمكانه أن يقدم للمسلمين المعاصرين أفضل السبل لتحقيق النهضة الروحية المطلوبة في ذلك العصر المادي، على اعتبار أن التصوف الإسلامي ينطلق من الكتاب والسنة؛ اللذين يرسمان الحدود، والمعالم للحياة السليمة، التي يرضاها الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) .
رابعًا: تصحيح الأحكام الخاطئة عن التراث الصوفي الإسلامي، والتي يذهب إليها عدد من الباحثين الغربيين، والبحث عن أوجه الأصالة في التصوف الإسلامي، وذلك ردًّا على دعاوى بعض الغربيين بأنه ليس ترديدًا لآراء مصادر عديدة، مثل: المصدر المسيحي، واليوناني، والهندي، وغير ذلك .
خامسًا: تسليط الضوء على فترة مهمة من تاريخ دراسة التصوف الإسلامي، وهي فترة تموج بالحركة والتطور، محاولة هذه الدراسة أن توضح على نحو متوازن الجهود الفكرية المعاصرة، التي قدمها مؤيدو التصوف أو معارضوه، على اعتبار أنها لوحة تعكس مواقفهم على تعدد اتجاهاتهم الروحية والفكرية.
موضوع البحث، ومجال الدراسة:
بداية يعجز البحث عن استقراء كل الآراء التي دُونت في مجال التصوف الإسلامي، أو الشخصيات التي كتبت، مدحًا وقدحًا، خلال الفترة موضع الدراسة، ولكن سوف يركِّز على تناول أهم العوامل المؤثرة في نهضة الفكر الصوفي في مصر في القرن العشرين، بالإضافة إلى قضاياه عند الصوفية أنفسهم، ثم يتبع ذلك بآراء وتحليلات الباحثين الأوائل، ثم يركِّز أكثر فأكثرعلى الباحثين المعاصرين. وذلك بدءًا من إنشاء الجامعة المصرية الحديثة عام خمسة وعشرين وتسعمائة وألف من الميلاد، على اعتبار أن هؤلاء التلاميذ الأُوَل هم الذين صاروا في الجامعة المصرية والجامعات الأخرى أساتذة هذا الفكر وباحثيه، مع عدم إغلاق المجال أمام غير المصريين ممن كتب، وفكَّر، وحاول تقديم العون للإصلاح، أو النهوض بالتصوف .
وعند تعرضنا لنقد المعارضين المحدثين للتصوف، فقد انصبت الدراسة على رصد مواقفهم، وتتبعها، وأوجه اختلافهم مع التصوف، ونقدهم له، وذلك من خلال أبرز شخصياته، والذين ينتمون إلى الاتجاه السلفي.
مشكلة البحث :
يمكن تحديد المشكلة الرئيسية لهذا البحث، والتي يحاول أن يقدِّم لها حلاًّ علميًا من خلال صياغتها في الاستفهام التالي: ما هي أهم القضايا الصوفية التي تعرض لها مفكرو القرن العشرين؟ وما هي مواقفهم تجاهها، سواء بالدراسة والتحليل والتأييد لها ولأصحابها من الصوفية أنفسهم، ومحاولة الخروج بهم من دائرة النقد، وهذا ما تجلى عند الجانب المؤيد، وسواء بالنقد والهجوم والمعارضة لها ولأصحابها من الصوفية أنفسهم، والخروج بهم من دائرة الإسلام أساسًا، وهذا ما تجلى عند الجانب المعارض، فلا فرق عندهم بين تصوف معتدل وتصوف فلسفي؟
وتحاول الدراسة البحث عن إجابة كافية عن الاستفهام السابق، وذلك من خلال استقراء آراء الفريقين في تلك القضايا.
الفروض العلمية للبحث :
وضع البحث عدة فروض علمية تمثل إجابات متوقعة للسؤال الرئيسي، وقد جاءت هذه الفروض استنباطًا من خلال المادة العلمية المجموعة من مؤلفات المؤيدين والمعارضين للتصوف الإسلامي، مع إبداء الملاحظات عليها من خلال عرضنا لأهم الآثار المترتبة على هذه القضايا والمغالاة فيها، ويمكن وضع أهم هذه الفروض التي سيعمل البحث في خطواته اللاحقة على التحقق منها فيما يلي :
1- قام الباحثون الأوائل من دارسي التصوف الإسلامي بجهد كبير في تناول القضايا والشخصيات الصوفية التي يدرسونها، بما تضمنته من اعتدال في مذهبها أو غلو من خلال دراستها وتحليلها، وبيان ما ترمي إليه من نظريات، موافقة مع الكتاب والسنة أو مخالفة لهما، وبناء عليه، فقد صار – على سبيل المثال لا الحصر، وعلى الأقل – في مجال البحث العلمي، الدكتور أبو العلا عفيفي حجة في ابن عربي ومذهبه، والدكتور محمد مصطفى حلمي مرجعًا للباحثين في ابن الفارض، والدكتور التفتازاني مرشدًا لتصوف ابن عطاء الله السكندري، وفلسفة ابن سبعين الصوفية، والدكتور كمال جعفر مكتشفًا للتراث الصوفي السهلي إن صحَّ التعبير وهكذا ..
2- قام المعارضون المحدثون للتصوف، المنتمون للاتجاه السلفي بالهجوم الشديد على التصوف ، ورفضه جملة وتفصيلاً، بل وجعله أشد الأخطار جميعًا على أمة الإسلام، ونفيهم الحاسم لأي أساس شرعي له، وقطع أي صلة تربطه بالإسلام عقيدة وشريعة، وذلك دونما تفرقة بين ما يعرف بالتصوف المعتدل، وما يعرف بالتصوف الفلسفي المبتدع .
منهج البحث :
للإجابة عن السؤال الرئيسي المعبر به عن مشكلة البحث، والتحقق من صدق الفروض العلمية التي يكون إجابات شافية لهذا السؤال، فهناك حاجة ضرورية للمنهج التحليلي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في عرض مواقف الفريقين، والمنهج المقارن للمقارنة بين مواقفهما في كل قضية تناولها البحث، مع الأخذ في الاعتبار أن الاتجاه المعارض للتصوف لم يكن متوجهًا في نقده لدارسي ومؤيدي التصوف بقدر ما كان هجومه على الصوفية أنفسهم، أمثال: البسطامي والحلاج وابن عربي وابن الفارض، ونظرياتهم في الاتحاد والحلول ووحدة الوجود والحب الإلهي وغيره.
إلى جانب ما سبق احتاج البحث إلى المنهج النقدي في كثير من قضايا البحث للردِّ على غلاة ومتفلسفة التصوف، وذلك على أساس من الكتاب والسنة. أما عن منهج إعداد الدراسة أو (طريقة إعدادها) فكان تعاملي مع النصوص المقتبسة هو مراعاة الأمانة العلمية، فقد وضعت النص بين قوسين، وعند تعاملي مع مرجع لأول مرة ذكرت اسم المؤلف، وعنوان الكتاب، واسم المحقق -إن وجد- ورقم الطبعة وتاريخها، ودار الطبع والنشر والتوزيع .
مفاهيم الدراسة :
التزامًا بقواعد المنهج العلمي، يجدر بالبحث تحديد أهم المعاني والاصطلاحات التي جرى استعمالها في البحث .
1- الفِـكْـر:
الفِكْـرُ: إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول، ويقال: لي في الأمر فِكْـرٌ، ونظرٌ، ورويَّـةٌ (1).
وكذلك عرَّفه الجرجاني بقوله : ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول (2).
2- الصوفية والتصوف :
لمصطلح التصوف تفسيرات عديدة، لعل أقربها للصواب نسبته إلى الصوف، وذلك لانسجامها مع قانون العربية في الاشتقاق والتصريف، فيقال: تصوف إذا لبس الصوف، كما يقال: تقمَّص: إذا لبس القميص(3).
ويمكن أن نصنِّف تلك التعريفات في اتجاهين:
أولاً: اتجاه عملي ظاهر: وهو اتجاه خلقي إيجابي، يمثله قول الكتاني(ت322هـ/933هـ): " التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق، فقد زاد عليك في التصوف"(1).
وكذلك التصوف، فقد اختلف تعريفه لدى الصوفي الواحد ، حتى إن أحدهم أجاب حين سُئل عن ماهية التصوف بأكثر من مائة جواب(2).
ثانيًا: اتجاه روحي باطن: وهو مرتبط بالمعرفة، ويمثله قول محمد بن أحمد المقرئ(ت366هـ/976م): " التصوف استقامة الأحوال مع الحق"(3).
3- أصالة التصوف :
أصَّل الشيء: جعل له أصلاً ثابتًا يبنى عليه، والأصالة في الرأي: جودته، وفي الأسلوب: ابتكاره. وفي النسب: عراقته، فأصل الشيء: أساسه الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه (4).
أما أصالة التصوف الإسلامي المقصودة؛ فهي ما أقرَّه البحث بأن الإسلام في قرآنه وسنته، وحياة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وحياة كثير من الصحابة (رضوان الله عليهم) كانت منابع فياضة لكل نفس مسلمة، نزعت إلى لون من الزهد، والعزوف عن مظاهر الحياة الفانية، وذلك خلاف لما حاول المستشرقون إثباته.
4- شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) :
يكاد يكون موضع اتفاق بين الباحثين للتراث الصوفي أن شخصية الرسول مركز الحياة الصوفية، وأن حبه مرتبط بحبهم لله تعالى، ولكن حبه في التصوف السني يختلف عنه في التصوف الفلسفي، فنجد في الأول أن " من علامات الحب لله عز وجل متابعة حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه "(5) بل ونجد بعض الصوفية أمثال: الجنيد البغدادي يكتب رسالة خاصة في الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، أما في الثاني فقد ارتبطت شخصية الرسول بالإنسان الكامل، أو القطب، أو الحقيقة المحمدية؛ والتي تعني أن لمحمد حقيقتين إحداهما باعتباره نورًا أزليًا كان قبل الأكوان، ومنه استمد كل علم وعرفان، والثانية حقيقته نبيًا مرسلاً في زمان ومكان محدودين، وهو في الثانية يصدر في كل ما تحقق فيه من قول وعمل عن ذلك النور الإلهي القديم، الذي صدر عنه، واستمد منه غيره من الأنبياء السابقين عليه والأولياء اللاحقين(1).
5- المحبة والعشق :
انقسمت المحبة كغيرها من قضايا التصوف إلى قسمين:
القسم الأول: وهو ما يلتزم أصحابه في التعبير عنه بالكتاب والسنة، ويعلونها صفة لله كما وصف نفسه بذلك، ولا يتأولونها، ويجعلونها صفة للعبد كذلك، كما جاء عند الكلاباذي: " المحبة: إيثار المحبوب – سبحانه وتعالى- على جميع المصحوب"(2).
القسم الثاني: وهو ما غلا أصحابه، وخرج عن المحبة المشروعة إلى ألوان من السكر والفناء الذي انتهى ببعضهم إلى الحلول أو الاتحاد، واستخدموا لفظ العشق مرادفًا للفظ المحبة، حتى رأوا أن: " العشق هو أكبر سر ورمز إلهي، وأن كل مذهب ومسلك حقيقي وليد العشق، وليس هناك بناء يخلو من الخلل سوى مبنى المحبة"(3).
6- المعرفة الصوفية :
حاول البحث التلويح بأن للصوفية معرفة عقلية وحسية، بالمعنى العلمي القائم على العقل والنقل، وهي ما ستؤدي إلى المعرفة – المتعارف عليها عندهم- القائمة على الكشف والذوق والوجدان، فقد قسَّم الصوفية المعرفة إلى قسمين:
أ- علم أدنى: نستطيع أن نعرفه بالحواس وبالاطلاع وبالتعليم.
ب- علم لدني: وهو كما أسماه الغزالي، تفسيرًا للآية الكريمة " وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً " الكهف: 65 (1)، وهذا النوع من المعرفة، هو ما يرفع الصوفية من قدره، ويتميزون به عن غيرهم، وينسبون إليه أكثر من سواه (2).
7- الفناء الصوفي :
اختلف سلوك الصوفية في الفناء، فبعضهم يعود منه إلى البقاء، فيثبت وجود الله والعالم، وهو من ناحية الشرع الأصح والأكمل، وهو ما جعل د/ عفيفي يعتبر أن لفظي الفناء والبقاء متضايفان متكاملان، لا يفهم أحدهما إلا بالإضافة إلى الآخر، ولا تفهم الحالة الصوفية إلا بهما(3).
والبعض الآخر من الصوفية اعتبر الفناء هو " عدم الشعور باستيلاء حكم الذهول على العبد، ففناؤه عن نفسه عدم شعوره به، وفناؤه عن محبوبه باستهلاكه فيه..." (4)، وهو ما عارضه الصوفية المحافظون كالطوسي والهجويري، وحذَّرا منه بل ونقداه نقدًا شديدًا .
8- الاتحاد والحلول :
الاتحاد هو تصيير الذاتين شيئًا واحدًا، ولا يكون إلا في العدد من الاثنين فصاعدا، وقيل الاتحاد: امتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا، لاتصال نهايات الاتحاد، وهو عند الصوفية: شهود الوجودِ الحق الواحدَ المطلق، الذي الكُل به موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه، لا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحدَّ به، فإنه محال (5).
أما الحلول، فقد قال أبو حامد الغزالي بأن حقيقة الحلول: انطباق جوهر على جوهر، أو جسم على جسم، أو عرض على عرض(1).
9- وحدة الوجود :
وهي: إسقاط الاثنينية والكثرة في الوجود العيني، إذ أن حضرة الجمع قد استوعبت كل شيء، وألغت كل تفرقة بحيث تكون الأشياء من عين واحدة، بل تكون عبارة عن هذه العين الواحدة ، إذ الكل من حيث الحقيقة واحد يتكرر على مظاهر متعددة، مثله في هذا كمثل الواحد من بقية الأعداد إذ يتكرر فيها على أشكال متكثرة"(2).
10- الولاية والأولياء :
والولاية بالكسر: القرابة والسلطان، وبالفتح والكسر معًا: القرابة والنصرة والمحبة، والوليُّ: النصير والمحب والمطيع وغيره (3).
وهذا المعنى اللغوي الذي يدور بين الحب والقرب والنصرة هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة " ولي " ومشتقاتها في كل موضع أتى فيه، سواء في جانب أولياء الله، أو في جانب أولياء أعداء الله تعالى (4).
وعند الصوفية، الولي: من تولى الله أمره وحفظه من العصيان ولم يخلّه ونفسه للخذلان، حتى يبلغه الكمال مبلغ الرجال، أما الولاية فهي: قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولي الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام القرب والتمكن(5).
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة