استخدام مدخل التنمية المستدامة للحد من الآثار البيئية الضارة في القاهرة التاريخية دراسة حالة منطقة الغورية
ماجدة عبيد عين شمس معهد الدراسات والبحوث البيئية العلوم الاقتصادية والقانونية والإدارية البيئية الماجستير 2004
ملخص الدراسة:
أشارت دراسة قام بها البنك الدولي في عام 2002، أن مصر تخسر سنوياً حوالي 6% من دخلها القومي نتيجة التلوث الذي تعاني منه في مختلف مواردها الطبيعية (تلوث المياه، الهواء، التربة، المخلفات الصلبة، المخلفات الخطرة وتدهور السواحل). ويضاف إلى ذلك ما يفقده الاقتصاد القومي نتيجة الفاقد في السياحة وتدهور التراث الوطني الثقافي والطبيعي.
وتركز هذه الدراسة على عناصر التدهور الطبيعي في أحد أهم مناطق مصر التاريخية، وهي منطقة الغورية بالقاهرة القديمة.
وتهدف الدراسة إلى: (1) عرض عناصر التدهور البيئي بأحد أهم مناطق التراث الثقافي في مصر، والمصاحب لتكلفة اقتصادية ناتجة عن هذا التدهور، (2) اقتراح سبل مواجهة هذا التدهور من منظور الإدارة البيئية للدولة.
تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أجزاء، تبدأ بالباب الأول عن مفهومي التنمية والبيئة، ثم علاقة التنمية المستدامة بالبعد البيئي، قبل أن تختتم بدور الدولة في التنمية والمشاركة في الحد من التدهور البيئي من خلال عرض مجموعة من النظريات الاقتصادية.
ويتعرض الباب الثاني للخلفية التاريخية للقاهرة القديمة مع تحليل تشريحي للخصائص العمرانية والجمالية بالمنطقة الأثرية محل الدراسة. وتختتم الدراسة بالباب الثالث والمتضمن لدراسة تطبيقية على منطقة الغورية، حيث يعرض التركيبة الاقتصادية والاجتماعية لمنطقة الغورية وللأنماط الاستهلاكية والإنتاجية بالمنطقة بالإشارة إلى صفات البيئة العمرانية والأثرية. ويتضمن هذا الباب أيضاً، دراسة تحليلية لعناصر التدهور البيئي من المنظور الاقتصادي. وتنتهي الدراسة إلى مجموعة من التوصيات لتطبيق سياسة تنموية ذات صبغة مستديمة.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة في الربط بين مفاهيم التنمية الاقتصادية والاعتبارات البيئية، ودور الدولة في تطبيق استراتيجية للإدارة البيئية السليمة للموارد بالاعتماد على مفاهيم الشفافية والمشاركة الشعبية واللامركزية، وتضمين التكاليف الاجتماعية، ومكافحة التدهور البيئي.
مقــدمـة البحث:
تعتبر منطقة الغورية من أجمل وأغنى المناطق الأثرية، التي تميز العمارة الإسلامية بل وعمارة المدن والأسواق على مستوى الوطن العربي.
تشتمل المنطقة على اثني عشر أثراً، ما بين جامع، وسبيل، وكتاب، ووكالة، ومدرسة، عبرت عن عصور مختلفة ما بين العصر الفاطمي والمملوكي (الشركسي)، والعثماني بطرزها المختلفة وتفاصيلها وتشكيلاتها المعمارية المتباينة والمفردة وتضم – مثل باقي مناطق القاهرة التاريخية - آثار للدولة الفاطمية مثل جامع الأفخر، جامع الجيوش، باب النصر وباب الفتوح بالإضافة إلى آثار الدولة الأيوبية: (نهاية 1252م / 650 هـ) مثل مدرسة الصالح نجم الدين أيوب، وضريح شجرة الدر ولعصر المماليك (1516م / 933 هـ، ) مثل قصر الأمير بشتاك، جامع المؤيد شيخ، منزل زينب خاتون، مسجد ووكالة ومدرسة الغوري بالغورية (بنى 909هـ - 1504م) بالإضافة إلي آثار لعصر الدولة العثمانية والأتراك. وقد أدرجت المنطقة التاريخية منذ عام 1979 في قائمة التراث العالمي باليونسكو بما تضمه من أجمل وأهم الآثار الإسلامية بمصر.
وتتميز منطقة الغورية عن باقي مناطق القاهرة القديمة بازدهار التجارة التقليدية والقائمة في جزء كبير منها على الأنشطة السياحية والصناعات الحرفية. ويشير تاريخ المنطقة إلى أن أصل المنطقة، مثل أحياء الصنادقية والفحامين، يرجع إلى النشأة التجارية. ومازالت منطقة الغورية تحتفظ حتى الآن بأسواقها القديمة المبنية على الطراز الإسلامي.
وقد تعرضت القاهرة التاريخية إلى كثير من العوامل البيئية - طبيعية وبشرية - أدت إلى تدهور الكثير من مبانيها التاريخية والتي تمثل قيمة للتراث الحضاري. وأهم مظاهر ذلك التدهور تتمثل في: ارتفاع الكثافة السكانية، وزيادة التعديات على الآثار، بالإضافة إلى زيادة الملوثات الهوائية، وارتفاع منسوب المياه تحت السطحية، وزيادة الضوضاء، وتراكم المخلفات، وتأثر المحيط الحيوي بحركة السيارات، والأنشطة الحرفية والتجارية، مثل الورش التقليدية والمحلات بالإضافة إلى التلوث بالأتربة القادمة من منطقة جبل الدراسة.
""وتبلغ الميزانية الإجمالية المخصصة لترميم منطقة القاهرة التاريخية 1، 5 مليار جنيه. وقد بدأ مشروع برنامج ترميم القاهرة التاريخية ((HCP Historical Cairo Programفي مايو 1998، حيث يوصف المشروع بأنه عملية تدخل كثيفة لإنقاذ 149 أثراً. فقد تم إنشاء مشروع نفق الأزهر للسيارات وتوسعة طريق صلاح سالم وتطوير شبكة مياه الشرب وتحسين الضغوط بالمنطقة بتكلفة مليون وأربعمائة ألف جنيه وتحسين شبكات الصرف الصحي وتخفيض منسوب المياه الجوفية لمنطقة القاهرة الفاطمية بتكلفة 70 مليون جنيه بمساحة 725 فدانا عدد سكان حوالي 163 ألف نسمة بالإضافة إلي إعداد الدراسات اللازمة لنقل تجارة الجملة من المنطقة الأثرية إلى العباسية مع تطوير المنطقة بما يضمن الحفاظ على طابعها التجاري وقيمتها التاريخية ودراسة تنفيذ مشروع جراج الدراسة متعدد الطوابق تحت الأرض بتكلفة 150 مليون جنيه لحل مشكلة انتظار السيارات بالمناطق التاريخية، كما تم إنشاء 3 ساحات سطحية تستوعب 500 سيارة ونقل سوق غزة وبين السورين والجوهري من المنطقة التاريخية إلى سوق القصيرين بالزاوية الحمراء لإعادة تطوير المنطقة والقضاء على ظاهرة الباعة الجائلين "".
ورغم كل هذه الجهود التي تبذل لتطوير البنية الأساسية، فإننا نرى أنه لم يتم الاعتماد بما فيه الكفاية على إطار نظري للتركيبة الاقتصادية والاجتماعية للسكان بالمنطقة، مع عدم الاهتمام بمعايير عمرانية وانتشار مظاهر العشوائية في الأنماط المعيشية وضعف دور الدولة المتمثل في فقر البنية الأساسية والخدمات بالإضافة إلى ضعف المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار بما يؤدى إلي صعوبة تنفيذ السياسات البيئية، ومن هنا كانت إشكالية الدراسة.
إشكالية الرسالة:
أنفقت الكثير من الأموال على ترميم الآثار وتطوير منطقة الغورية ومعالجة آثار التدهور البيئي بها. فهل تكفي هذه الجهود؟ وهل يمكن لهذه المنطقة أن تمثل مورداً بدلا من أن تمثل فاقداً اقتصادياً بسبب تكلفة التدهور البيئي؟ وكيف يمكن للبيئة أن تحافظ على ما تم إنفاقه؟ وما هي الأدوات المكملة لسياسات رفع كفاءة البيئة الأساسية واللازمة لتحقيق تنمية فعلية ذات طبيعة مستدامة؟
فروض الرسالة:
يعتمد بناء الرسالة على الفروض التالية:
1. هناك علاقة طرديه بين معدل النمو السكاني والتأثر السلبي للطاقة الاستيعابية للأنظمة البيئية، أو ما يعرف بمقاومتها البيئية.
2. أن تطبيق مفهوم التنمية المستدامة، بوجه عام، وكما جاء في الإطار النظري لهذا البحث، وبوجه خاص في منطقة الغورية لا يعتمد فقط على محاولة رفع مستوى المعيشة للسكان ولكنه يمتد ليشتمل على متطلبات ومعايير أخرى.
3. لا يوجد وعي بيئي لدى قاطني المنطقة أو استعداد للمشاركة في معالجة التدهور البيئي Willingness to pay.
4. هناك قصور في دور الدولة تجاه المنظومة التحليلية لمنطقة الغورية.
الإطار النظري
ربطت الدراسة بين مجموعة من المفاهيم البيئية مثل: الطاقة الاستيعابية للبيئةCarrying Capacityوالتنمية الأقل استهلاكا للمواردResource Less Intensive Development، والتدهور البيئي Environmental Degradation، ومجموعة من النظريات الاقتصادية المتعلقة بالتنمية المستدامة وبأدبيات الاقتصاد البيئي والتي اتجه عدد كبير من مؤلفيها إلى الحديث عن التنمية المستدامة ومنهم باجيه (2000) وهاريس (1996)، وبانايوتو (1993)، والقصاص (1992) وغيرهم، بالإضافة إلى تيارين ظهرا في التسعينيات وناديا بالتوازن في استخدام الموارد البيئية، وهما مدرسة حدود النمو Limits of Growth ومدرسة يوم القيامةThe Dooms Day.
وقد استندت الدراسة أيضاً، إلى نظريات دور الدولة في الإدارة الاقتصادية والمتعلقة بتوزيع واستغلال الموارد وديناميكية اتخاذ القرار والبيروقراطية والسوق السياسي Political Market وجماعات الضغط بالإضافة إلى مدرسة قصور السوق Market Failure وعلى رأس مفكريهم، جوزيف ستيجليتز،
(J. Stiglitz، 94)، وريتشارد ماسجريف، (R. Musgrave، 95)، ويرى الأول، وصاحب المرجع القيم، المعنون: ""دور الدولة الاقتصادي“ 99) Economic Role of the State"" (J. Stiglitz، أن الحكومات لديها أربع مميزات تمنحها حق اللجوء إلى الأدوات الاقتصادية وتجعل من تدخلها أمراً ناجحاً وشرعياً، وهي: ""قوة الضريبة، قوة المنح، قوة العقاب، بالإضافة الى ميزة تكاليف التشغيل""
(Power Tax، Power to Proscribe، Power to Punish and Transactions Costs). وقد ربطنا تلك التحليلات بمعالجة التدهور البيئي من خلال عدد من النظريات الأخري أهمها: مدرسة التكاليف التشغيلية Transaction Cost، ونظرية السوق السياسي Political Market لمدرسة فرجينيا Virginia School الأمريكية، ونظرية الاختيار العام Public Choice التي تعتمد على تحليلات الأمريكي بوكانان، ((Buchanan D. C، والسويسري فري (B. Frey، )، والنمساوي مولر، (. (Mueller ونظرية التفاوض Logrolling للكاتبان بيروتي وأليسينا (Alessina & Perotti، 1994)، ونظرية البيروقراطية الحكومية، ونظرية قصور السوق التي ينتمي إليها عدد كبير من الاقتصاديين، منهم ريتشارد ماسجريف (R. Musgrave، 1959)، وروبرت توليسـون(R. Tollison، 95)، وجون وولف (J. R Wolf، 1989، 163)، وبيتر سيلــف (Peter Self، 1995) وجوزيف ستيجليتز، (J. Stiglitz، 94) مستشار البنك الدولي.
هدف وأهمية البحث واختيار منطقة الدراسة:
أولاً هدف البحث:
(1) عرض لعناصر التدهور البيئي بأحد أهم مناطق التراث الثقافي في مصر، والمصاحب لتكلفة اقتصادية.
(2) دراسة وتحليل أسباب التدهور من المنظور الاقتصادى والمؤسسي.
(3) اقتراح سبل مواجهة هذا التدهور من منظور الإدارة البيئية للدولة.
(4) إبراز دور الدولة في التخطيط للتنمية المستدامة (دفع التنمية والحفاظ على البيئة)، بإدماج مجموعة العلاقات الناشئة بين الإنسان والبيئة.
ثانياً أهمية اختيار منطقة الغورية:
(1) تعد من المناطق التي لم تحظى باهتمام بيئي كبير مثل باقي المناطق ذات القيمة التاريخية.
(2) تعتبر من مراكز التراث الثقافي والحضاري، ذات القيمة التاريخية على مستوى العالم.
(3) اختلاط الأنشطة، سكنية، تاريخية، أثرية، تجارية.
(4) أنها نموذج يمكن تكراره في مناطق مشابهة ليكون نموذجاً إرشادياً.
(5) أنها تقع ضمن مشروعات الترميم الجارية مع السلطان قلاوون وباب زويلة، مشروع ترميم مسجد ومدرسة ووكالة الغوري وهي من المشروعات التي تهتم بها الدولة بشكل كبير.
(6) أن تلك المناطق تعاني من التلوث بأشكاله المختلفة.
وقد اعتمدت الدراسة على منهج استقرائي تحليلي ميداني، من خلال الزيارات الميدانية واستمارات استبيان، واستخدام العينة العشوائية من خلال المسح الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى الاعتماد على أسلوب الملاحظة.
أهم مفاهيم الاقتصاد البيئي المستخدمة:
من أهم المفاهيم التي لا غنى عن تطبيقها مثل:
1. التكلفة الاجتماعية Social Cost أو التكاليف الحدية الاجتماعية Marginal Social Costs التي تعني التكاليف الكلية المتضمنة لتكلفة التدهور البيئي أو تكلفة مكافحة التلوث بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، بحيث تكون المعادلة الحقيقية للتكاليف الحدية الاجتماعية (التكاليف الحقيقية للمنتج) كما يلي: -
Total Cost (. T. C) = Social Cost (. S. C) + Private Cost (. P. C)(التكاليف الكلية) = (التكاليف الاجتماعية) + (التكاليف الخاصة)
2. المسئولية البيئية Environmental Responsibility وهى عبارة عن التزام جميع الأفراد في المجتمع (طبيعيين واعتباريين) بتحقيق أهداف حماية البيئة وذلك بإتباع سياسات اقتصادية تهتم بالاعتبارات البيئية وتقوم على مبادئ المشاركة والشفافية.
3. مفهوم التنمية الاقتصادية المستدامة الذي يركز على عناصر جوهرية منها: رفع مستويات معيشة الشعوب، وتحسين معدلات التعليم والصحة، والمساواة في الفرص مع عدم إهدار الموارد الطبيعية الحالية وحق الأجيال القادمة في الاستفادة منها.
4. مبدأ الملوث يدفع الثمن Polluter Pays Price(P. P. P)، أي تحميل المتسبب المسئولية عن تولد الآثار البيئية السلبية، بما فيها كافة التكاليف المتصلة بهذه الآثار ودفع التعويض المناسب لمعالجة الضرر البيئي.
6. مبدأ الاستعداد للمشاركة في تحمل تكلفة الضرر البيئي Willingness to Pay.
7. مجموعة المفاهيم المرتبطة بالحكم الرشيدGood Governance والشفافية التي ضمنها البنك الدولي في وثائقه، بالإضافة إلى المفاهيم التي اعتمدتها خطة التنفيذ الصادرة عن القمة العالمية للتنمية المستدامة بجوهانسبرج Johannesburg Summit (28/8 – 4/9 / 2002) مثل منهج النظم البيئية Ecosystem Approach والمسئولية الاجتماعية Social Responsibility والمراجعة البيئية والاجتماعية Corporate Environmental and Social Accountability.
وتعتمد تلك المفاهيم على الاهتمام بالسياسات البيئية والاجتماعية والاقتصادية وتوفير إطر ديموقراطية قادرة على الاستجابة لاحتياجات الشعوب وتحقيق المساواة وتوفير مناخ جاذب للنمو وتأكيد حكم دولة القانون ومكافحة الفساد وتوفير المشاركة الفعالة في عمليات صنع القرار.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة