سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة الجنائية
مدحت عبد الحليم رمضان القاهرة الحقوق القانون الجنائي ماجستير 2007
ملخص الدراسة:
تتضمن هذه الأوراق عرضاً لما اشتملت عليه الرسالة من أفكار رئيسية، وبيان بالنتائج الأساسية التي خلصت إليها.
وأشير بداية إلى أنني تناولت موضوع البحث في بابين، عرضت الحديث فى الأول منها عن الدليل الجنائي، والثاني مبدأ قضاء القاضي باقتناعه.
وقد قدمت الدراسة بفصل تمهيدي، عرضت به للتعريف بالإثبات لغة واصطلاحا وخلصت بصفة عامة على أن الإثبات الجنائي لم يخرج مضمونه عن أنه "" كل ما يؤدي على إظهار الحقيقة بأي دليل، وذلك بالطرق المقبولة قانوناً"".
وتأسيساً على ذلك تحضى نظرية الإثبات باهتمام بالغ، خاصة فى القانون الجنائي، سواء أكان ذلك على الصعيد النظري أم من الناحية العملية، ذلك أنه إذا كان وجود قانون العقوبات يشكل ضرورة اجتماعية، فإن وجود قانون للإجراءات الجزائية يعد ضرورة كذلك، باعتباره- في دولة ديمقراطية – الوسيلة القانونية لتنفيذ الأول.
وتعد عملية الإثبات من أ: ثر موضوعات الإجراءات الجنائية أهمية، وذلك أن الجريمة واقعة تنتمي إلى الماضي، وليس فى وسع المحكمة أن تعاينها بنفسها وتعرف على حقيقتها، وتستمد إلى ذلك فيما تقضي به فى شأنها، ومن ثم يتعين أن تستعين بوسائل تعيد أمامها شريط الأحداث السابقة، وهذه الوسائل هي أدلة الإثبات. وانه فى سعي الدعوى الجنائية نحو تحقيق هذا الهدف تثور مسائل على قدر كبير من الأهمية والخطورة فى الوقت ذاته؛ كوجود المجتمع وآمنه واستقراره، وحريات الأفراد وكرامتهم وسائر حقوقهم؛ ومن هنا تبرز أهمية التنسيق بين هاتين المصلحتين، وعدمك طغيان إحداهما على الأخرى.
وتأسيساً على ما تقدم يجب التنويع إلى أن الوصول إلى هذا الهدف ليس سهلاً دائماً، وإنما تكتنفه العديد من الصعوبات، والتى تصل بمحله أو بوسائله أو بدرجة اليقين المطلوب. فالحقيقة لا تكشف عن نفسها، وإنما تحتاج إلى من ينقب عنها ويسعى إليها بدأب وإصرار. وللتغلب على هذه الصعوبات منح القانون السلطات المختصة بالإجراءات الجنائية صلاحيات أو اختصاصات واسعة، فى البحث والتحري والتنقيب عن أدلة الجريمة، ولم يقيدها غلا بمراعاة أن يأتي ممارستها لهذه الاختصاصات فى إطار المشروعية. ويعد هذا القيد أحد أهم مظاهر التطور الذي آلت إليه عملية الإثبات في الوقت الحاضر؛ ذلك أن نبل الغاية لا يغني أبداً عن مشروعية الوسيلة. وبناء على ذلك، فإن الإثبات الجنائي يتعين أن يسعى إلى بلوغ هدفه النهائي، وهو حماية أشراف الناس، ممن شاءت أقدارهم أن يساقوا إلى القضاء، دون أن يثبت عليهم بعد ذنب جنائي ارتكبوه.
وقد رأيت كذلك أن للإثبات ذاتيته الخاصة التى تقتضي إخضاعه لأحكام مغايرة لتلك التى يخضع لها الإثبات فى أفرع القانون الأخرى. وتبين أن هذه الذاتية تتبع من تميز عبء الإثبات فيه بسمات خاصة، وكونه أكثر ثقلاً منه فى المواد المدنية من ناحية، ومن اختلاف وضع المتهم عن وضع المدعي عليه بسبب وجود قرينة البراءة من ناحية ثانية، وأخيراً ما يتعلق باليقين الذى يتعين أن يتأسس عليه الحكم بالإدانة.
ولعل أهم ما تجب الإشارة إليه بصدد هذه الخاتمة هو استعراض الباحث للنصوص القانونية ذات الصلة بموضوع البحث فى القانون المصري والقانوني المقارن، ولاحظت كيف أن القاسم مشترك بينهما وأخص بالذكر دولة الإمارات بهذا، وهو عدم وجود قانون خاص للإثبات، أو حتى قسم أو جزء خاص له فى قانون الإجراءات الجزائية، فيما عدا القانون الايطالي الذي سبق الإشارة إليه، الذى أفرد كتاباً للإثبات فى قانون الإجراءات الجنائية الحالي، والقانون الإنجليزي، حيث يوجد قانون للإثبات الجنائي والشرطة.
أما فى المبحث الثاني من الفصل التمهيدي فقد قسمته إلى مطلبين، تحدثت في الأول منهما عن الملامح الأساسية لنظم الإثبات الجنائي فى القانون الوضعي، وفي الثاني تحدثت عن أوجه التقارب بين نظم الإثبات الجنائي وموقف التشريع الإماراتي والمصري من ذلك التقارب.
وقد أسفرت الدراسة عن تقارب كلا القانونين الإماراتي والمصري، حيث أن التداخل واضح بينهما باعتبار أن القانون الفرنسي هو أصل تلك القوانين التى تستمد أحكامها منه فى هذا المجال، وإن كان القانون الفرنسي احتفظ بخاصية القضاء الشعبي المتمثل في صورة (المحلفين) لذلك النظام.
أما الباب الأول من هذه الرسالة فعرضت فيه للدليل الجنائي، وقد اشتمل الباب على ثلاثة فصول: خصصت الأول منها لدراسة ماهية الدليل الجنائي ومراحل تكوينه، وقد كشفت لنا تلك الدراسة بأن هناك صوراً قد تختلط في إجراءات تعبيراتها مع ماهية الدليل التى رأيت ضرورة تحديد مدلولها القانوني الصحيح وكيفية نشأة الدليل وتكوينه. وفيما يتعلق بأنواع الدليل فقد خصصت له فصلاً مستقلاً (هو الفصل الثاني) والذي خلصت فيه إلى ترجيح تقسيم الأدلة على أساس علاقة الدليل بالواقعة المراد إثباتها إلى أدلة مباشرة وأدلة غير مباشرة، ثم انتهيت فى (الفصل الثالث) من الباب الأول فى الحديث عن الطبيعة القانونية للأدلة الجنائية.
أما الباب الثاني من هذه الرسالة: فعرضت فيه لمبدأ قضاء القاضي باقتناعه، وقد اشتمل هذا الباب على أربعة فصول: خصصت الأول منها لدراسة ماهية مبدأ الاقتناع القضائي وتحديد مظاهرة، وعرضت بعد ذلك إلى اليقين المطالب به القاضي الجنائي والمتمثل باليقين المعقول القائم على الضمير ورائده العقل والمنطق؛ لأن الاقتناع ما هو إلا عملية وجدانية تدور فى ضمير القاضي العادل، تدفعه إلى وضع أحكامه بما يقره له وجدانه من استقرار واستنباط الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى.
وعرضت بعد ذلك للتعبير عن المبدأ المذكور فى التشريع المصري الإماراتي والمقارن أيضاً، وتبين أنها تنص عليه، مع خلاف فى الصياغة فيما بينها. ثم أوضحت موقف القضاء المصري والإماراتي المقارن من المبدأ أيضا وكشف ذلك عن أن ثمة اتفاقاً على أن المبدأ يعني حرية القاضي فى قبول الدليل وفى تقديره، وإن كانت محكمة النقض الفرنسية قد ذهبت بعيداً، حينما فرضت على قاضي الموضوع قبول الدليل ولو كان غير مشروع، بل ولو كان عدم المشروعية ناتجاً عن ارتكاب جريمة. وقد انتقدت هذا المسلك؛ لأنه في حال تأثر القضاء به من شأنه النيل من حقوق المتهم، أما إذا لم يتأثر به قضاء الموضوع فين يكون ثمة معنى لفرض قبول مثل هذا الدليل.
أما فيما يتعلق بنطاق مبدأ الاقتناع القضائي فقد رأيت أن هذا المبدأ مثلما يطبق على قضاء الحكم، فإنه أيضا يسرى لقوة حجته واتفاقه مع روح التشريع على قضاء التحقيق.
وعرضت بعدها فى الفصل الثاني إلى شروط مبدأ الاقتناع والتى قسمتها إلى مبحثين أولاً: شروط متعلقة بشخص القاضي، وثانياً: شروط متعلقة بعمل القاضي.
ودرست فى الفصل الثالث بعد ذلك مبدأ الاقتناع، دراسة تطبيقية على مختلف عناصر الإثبات، وتبين أن القاضي الجنائي يملك سلطة واسعة فى تقديرها.
فبالنسبة للشهادة على سبيل المثال، تستطيع المحكمة أن تأخذ بشهادة واحدة وتطرح غيرها ولو تعددت بل ولو كانت متطابقة. ولها أن تأخذ من الشهادة الواحدة القدر الذى تطمئن إليه بشرط الا يكون من شأن تلك التجزئة مسخ هذه الشهادة أو تشويهها، بما يحيلها عن المعنى الذى قصده الشاهد منها. وبالنسبة للشهادة على سبيل الاستدلال والشهادة غير المباشرة وقول متهم على أخر، خلصت إلى أنه لا تتوافر فى شأنها مقومات الدليل فى المعنى القانوني الذى يسمح للمحكمة بأن تستند غليه فى حكمها بالإدانة، وإنما يلزم وجود عناصر أخرى للإثبات.
وفيما يتعلق بالاعتراف، فلقاضي الموضوع أن يأخذ به متى اطمأن إليه، وأن يطرحه إذا داخلته الريبة فى شأنه، وله أن يجزئه، بحيث يعتمد منه القدر الذي يرتاح إليه. وللمتهم أن يعدل عن اعترافه في أي مرحلة من مراحل الدعوى وقبل إقفال باب المرافعة.
وما ذكرته فى شأن الشهادة والاعتراف ينسحب إلى غيرهما من عناصر الإثبات؛ كتقرير الخبير والقرائن.
ثم خصصت فى الفصل الرابع من هذه الرسالة الحديث أن استثناءات مبدأ الاقتناع القضائي، وبينت أن سلطة القاضي الجنائية فى قبل جميع الأدلة ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بقيود معينة، بعضها مستمد من المبادئ العامة، والتى تأبى الاعتماد على بعض المسائل التى لم تعد ملائمة لمستوى التقدم أو الحضارة التى بلغتها البشرية؛ كالمحاكمات الإلهية، والمبارزة القضائية، والتعذيب. فضلاً عن أنه يتعين أن يتصف الدليل الذي تقبله المحكمة بالمشروعية، وإن كانت محكمة النقض قد استثنت دليل البراءة من هذا القيد، ومن ثم أجازت لمحكمة الموضوع أن تقضي بالبراءة، استناداً إلى دليل غر مشروع. والبعض الآخر من القيود المشار غليها مستمد من نصوص قانونية خاصة، أراد القانون من ورائها تحقيق اعتبارات معينة؛ مثل التضييق فى إثبات بعض الجرائم؛ كالزنا حماية للأسرة وصيانة للأعراض، أو لأن إثبات البعض الآخر يعترضه صعوبات جمة، كالمخالفات، فأراد التخفيف من سلطة الاتهام، أو أنه أراد أخيراً حماية حقوق الدفاع، كحظر الاستناد إلى المعلومات الناتجة عن انتهاك سرية المراسلات بين المتهم ومحاميه وغيرها من تلك الصورة.
وفيما يتعلق بعمل القاضي فيلاحظ أن عليه أن يقوم بإثبات جميع العناصر المتصلة بالواقعة الإجرامية، وسائر ظروفها وملابساتها، وأن يكون حذراً في تبين ما يصلح منها كدليل. وعليه بعد ذلك أن يقوم بتحليلها ودراساتها، واستبعاد ما لا يلزم منها، وبحث كل الفروض المحتملة، لا سيما ما كان فى صالح المتهم؛ لأن ذلك قد يغنيه عن متابعة السير فى اجراءات المحاكمة حتى النهاية.
وأخيراً، يلزم أن يقوم بتأصيل العلاقة بين هذه الأدلة فى مجموعها، أي مقارنتها ببعضها، كي يرفع ما بينها من تناقض، ويزيل ما يكتنفها من غموض أو إيهام، بحيث يأتي اقتناعه النهائي مستنداً إليها باعتبارها وحدة واحدة، لأن عقيدة القاضي كل لا يتجزأ، مهما تنوعت وقائع الدعوى وأدلته.
وإذا كان القانون قد تبنى مبدأ الاقتناع القضائي، فليس معنى ذلك حرمانه من أن يتدخل أحياناً لفرص بعض القيود، تقديراً لبعض الاعتبارات التى تحد من نطاق هذا المبدأ، كما رأيت فى شأن القرائن القانونية، والمحررات.
وإذا كانت القيود التشريعية على مبدأ الاقتناع تتميز بالندرة، فإن ذلك يعد أمراً طبيعياً ينسجم مع طبيعة مبدأ الاقتناع القضائي ذاته، وما يعنيه من ثقة كبيرة من جانب القانون فى القاضي الجنائي، فضلاً عن أنه لم يكن متصوراً أن ما أعطاه القانون باليد اليمنى يعود ويأخذه باليد اليسرى.
لذا كان واجبا على القضاء أن يحافظ على هذه الثقة، لاسيما فى درجاته العليا وأن يعمل على وضع الضمانات التى تكلف التطبيق السليم لمبدأ الاقتناع، وفق معايير وأسس يقرها العلم والخبرة، ولا تتنافى مع مقتضيات العقل والمنطق، وهو ما حرصت عليه محكمة النقض، من خلال الضوابط التى أقرتها لضمان سلامة اقتناع محاكم الموضوع، سواء أكان ذلك بالإدانة أم البراءة.
وقد استلهمت محكمة النقض فى وضعها لهذه الضوابط من جهود الفقهاء في هذا الشأن من خلال رقابتها لصحة تسبيب الأحكام.
ففيما يتعلق بخصائص أو مقومات الدليل الذى تقتنع به المحكمة، تطلبت أن يكون لهذا الدليل أصله الثابت فى أوراق الدعوى، وأن يكون منتجاً، ذا أهمية فى تكوين المحكمة العليا، وأن تكون الأدلة فى مجموعها حال تعددها، وهذا هو الغالب، متساندة، يكمل بعضها بعضاً؛ بحيث تكون كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها.
أما بالنسبة إلى تقدير الأدلة، فقد سلمت المحكمة بحق محكمة الموضوع فى تقدير عناصر الإثبات فى الدعوى، دون تدخل من جانبها فى ذلك؛ حيث يحول دون تدخلها فى هذا لمجال أمران: الأول: مبدأ الاقتناع القضائي، وما يتركه للقاضي الجنائي من حرية كبيرة فى تقديره الأدلة. الثاني: أنها أي محكمة النقض وبحسب قانون الإجراءات الجنائية، محكمة قانون لا محكمة موضوع.
غير أنه تبين لمحكمة النقض أن ترك الحرية المطلقة لقاضي الموضوع فى تقدير الأدلة لن يمكنها من أداء رسالتها فى مراقبة حسن تطبيق القانون؛ إذا خرج القاضي في تقديره من المألوف إلى الشاذ الذى يجافي المنطق العادي المقبول. لذلك فقد تطلبت أن يكون اقتناع القاضي بالإدانة يقينياً، أما إذا تشكك فى الإدانة فإنه يتعين أن يقضي ببراءة المتهم، شريطة أن يتضمن الحكم ما يفيد أنه أحاط بعناصر الدعوى من ثبوت ببراءة المتهم، من ثبوت ونفي عن بصر وبصيرة؛ أي ضرورة الإلمام بالدليل إلماماً كافياً. وأخيراً أن يكون الاقتناع متوائماً مع مقتضيا العقل والمنطق، أي أن يكون استخلاصه للدليل سائغاً.
وأخلص من عرض هذه الخاتمة إلى التأكيد على النتائج والتوصيات فيما يلي: -
أولاً: أهمية وضع تشريع خاص بالإثبات فى المواد الجنائية، على غرار ما هو متبع فى شأن الإثبات فى المواد المدنية، أو على الأقل إفراد كتاب للإثبات أو جزء خاص في قانون الإجراءات الجزائية مثلما اتخذه القانون الايطالي في قانونه الإجرائي أو القانون الإنجليزي، بحيث تستظهر به مبادئ الإثبات الأساسية.
ثانياً: وجوب أن يحظى مبدأ الاقتناع القضائي بأهمية كبيرة، وذلك فيما يجسده من حسن أداء القضاء لرسالته في الدعاوي المرفوعة أمامه، لأن هذا المبدأ يعد أفضل ما وصل إليه الفكر القانوني المعاصر لمواجهة مشكلة الإثبات فى الدعوى الجنائية، وذلك لضمان تجريد جبراً من صفاته التى تتعارض مع العدالة، ومن ثم لا يتبقى فيه سوى صفته كقاضٍ فقط.
ثالثاً: أتمنى من القانون الإماراتي أن ينص على تخصص القاضي الجنائي، استجابة للسياسة الجنائية الحديثة، وذلك بإعداده إعداداً مهنياً للقيام بدوره الجديد حتى يستطيع أن يبني أحكامه على أساس فهم حقيقي لشخص الجاني، وظروفه ودوافعه دون أن يقتصر دوره على التطبيق الحر فى نصوص القانون، على أن لا يكون تخصصاً مطلقاً، وإنما تخصص بمجاله مع تأهيله علمياً للإحاطة بطرق وأنظمة الإثبات فى فروع القانون الأخرى، وعلى الأخص الإثبات المدني، وأن يشمل التخصص أيضا إحاطته بالعلوم الجنائية المساعدة مثل: علم الإجرام، وعلم النفس الجنائي، وعلم الاجتماع والطب الشرعي، والتحقيق الجنائي.. إلخ.
رابعاً: أرى أن السلطة التى يتمتع بها القاضي الجنائي كنتيجة لمبدأ الاقتناع القضائي إنما هي سلطة تقديرية، تسمح له بحرية قبول جميع الأدلة، وحرية تقديرها، وفق قواعد وضوابط معينة؛ ومن ثم فهي أبعد ما تكون عن السلطة المطلقة، فالسلطة المطلقة لا يمكن قبولها فى مجال الإجراءات الجنائية لخطورة هذه الإجراءات.
خامساً: وترتيباً على البند السابق، فإنه إذا كان القانون قد وضع عدة ضوابط أو قواعد من شأنها المحافظة على القيمة القانونية للدليل الذى يمكن أن تعتمد عليه المحكمة فى تكوين اقتناعها، فإن أي دليل لا تتوافر فيه أي من هذه القواعد لا يمكن أن ترقى إلى مرتبة الدليل فى المعنى القانوني، وإنما يعتبر مجرد دليل أو أحد الدلائل التى لا يجوز أن تكون سنداً لقضاء المحكمة بالإدانة.
ولذلك أقترح النص التالي: "" لا يجوز الاعتماد على الدلائل وحدها فى الإدانة إلا إذا كانت محددة وخطيرة ومتطابقة "" وهو ما قرره قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي فى المادة 192.
سادساً: أرى أنه من الضرورة على القانونين الإماراتي والمصري فى مادتيهما (165/2) إجراءات جزائية إماراتي، و271 من قانون الإجراءات الجنائية المصري والتى نصت على أنه "" يسأل المتهم عما إذا كان معترفاً بارتكاب الواقعة المنسوبة إليه، فإذا اعترف يجوز للمحكمة الاكتفاء اعترافه والحكم عليه بغير سماع الشهود "" لأن هذه الفقرة التى لم تأتِ بجدية بالنسبة لتقدير عناصر الإثبات من ناحية، ولأنها توصي بأنه ثمة وضع خاص للاعتراف بالنسبة لغيره من عناصر الإثبات. وأنه إذا كان لابد من إفراد نص خاص للاعتراف، فإنني أرى أن نص المادة (428) من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي يفضل النص محل النقد، حيث تلك المادة على أن: الاعتراف، مثل، غيره من عناصر الإثبات يخضع لحرية تقدير القضاة.
سابعاً: أدعو القانون إلى النص صراحة على تحمل سلطة الاتهام عبء إثبات عناصر المسئولية الجنائية للمتهم، بما فى ذلك الدفوع التى قد يثيرها هذا الأخير لنفي مسئوليته، أو تخفيفها فذلك مما يتفق مع قرينه البراءة من ناحية، ويحقق المصلحة العامة من ناحية أخرى.
ثامناً: أدعو المشروع الجنائي المصري لوجوب إطلاق سلطة القاضي التقديرية فى إثبات جريمة شريك الزوجة الزانية، لأنه ليس من العدل إطلاق سلطة القاضي فى إثبات هذه الجريمة بحق الزوجة، وحصر ذلك الإثبات بالنسبة لشريكها فى الجريمة. وهذا بالتالي سيؤدي إلى اعتباره المستفيد الوحيد من هذا التحديد، سيما وأنها جريمة متكاملة غير قابلة للتجزئة، وفى نفس الوقت لا يمكن قبول فكرة المكان الخاص بالزوج، فى بيت الزوجية، لإثبات جريمة الزنا، خصوصا أن الفعل يمكن ارتكابه فى أي جزء من المكان الخاص بالزوج، وليس من المنطق تقسيم بيت الزوجية إلى عدة حجرات، بعضها خاصة بالزوجة، والبعض الآخر خاص بالزوج، لتحديد ما يقبل وما لا يقبل لإثبات هذه الجريمة، والبعض الآخر خاص بالزوج، لتحديد ما يقبل وما لا يقبل لإثبات هذه الجريمة، وبذلك أرى أن الحل الأمثل لهذه التعقيد، هو إطلاق سلطة القاضي الجنائي فى التقدير للوصول إلى الحقيقة المرجوة.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة