نقـل وزراعة الأعضـاء بيـن الإباحــة والحظــر دراسة مقارنة بين القانون الجنائي المصري والفقه الإسلامي

جامعة عين شمس الحقوق القانون الجنائي حمدي محمد محمود أحمد حسين الدكتوراة 2008

                                                                                                فإن موضوع رسالتنا يناقش قضية هامة وخطيرة دعت الحاجة إلى التصدي لها وبيان حكمها ، ومعرفة الحل السليم لهذه المشكلة  موضوع البحث وهى:

""نقل وزرع الأعضاء البشرية بين الاباحة و الحظر "" يقتضى البحث فى عدة أمور والموازنة بين المصالح المتعارضة وتغليب إحداها على الأخر بما لا يتعارض والمبادئ القانونية المستقرة وعلى رأسها مبدأ حرمة الكيان الجسدى وعدم جواز المساس به بما يهدد حياة الإنسان أو يعطل منفعة الجسم.

                إن عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية قد أنتشر اليوم بصورةٍ كبيرةٍ في أغلب مناطق العالم نظراً للتطورات العلمية الحديثة التي لا تقف عند حد .

                والتطور العلمي في مجال الطب من ثمرة هذه التطورات العلمية الحديثة ، والتي تركز على الإنسان باعتباره المستفيد الأول من وراء هذه التطورات .

                والإنسان خاصة المريض يحتاج وبحق إلى الوقوف معه ومساعدته طبياً وإنسانياً بكل الوسائل الممكنة لعلاجه والتخفيف عن كاهله عبء المرض الذي تمكن منه واستحكم في مصيره.

      ولا يخفى على أحد أن هناك الآلاف من المرضى الذين يعانون مشكلاتٍ كثيرةٍ بسبب تلف بعض أعضائهم الحيوية كالقلب أو الكبد أو الكلى وعدم قيامها بالوظائف المنوطه بها نتيجة ما أصابها من مرضٍ كان السبب وراء هذه المشكلة بالإضافة إلى أن البعض منهم قد يولد وهو مصاب بهذا المرض مما يؤدى إلى معاناته منذ الساعات الأولى لولادته وقدومه إلى الحياة .

                هذه المشكلة وغيرها استدعى انتباه الأطباء في مختلف الميادين الطبية والعلمية لإيجاد حلٍ لها ،وقد كان الحل الأمثل لهذه المشكلات كامناً في إيجاد عضوٍ بديلٍ لذلك العضو التالف ، صناعياً كان أم طبيعياً .

                وقد خلص الأطباء إلى أن زراعة العضو الطبيعي المأخوذ من إنسان آخر سوف يكون حلاً لآلام كثيرٍ من المرضى ، ومن هنا كثرت البحوث والعمليات التي تجرى في هذا الشأن بغية معالجة هؤلاء المرضى .

وأمام هذه المشكلات نشأت عند ضعاف النفوس فكرة الاتجار بهذه الأعضاء البشرية بالبيع والمتاجرة والتربح من ورائها ، استغلالا للحاجة الشديدة من جانب المرضى ، وفي بعض الأحيان استغلالاً لفقر بعض الناس وحاجاتهم الماسة إلى المال للتغلب على مصاعب الحياة ومتطلباتها ، وأصبح سائداً الاتجار بأعضاء الإنسان حياً كان أم ميتاً .

                وعلى الجانب الآخر وجدت بعض التشريعات التي تناولت هذه العمليات سواء كان على الصعيد الدولي أو في التشريع المصري فى بعض الموضوعات الخاصة.

وقد قامت بعض الدول بإصدار تشريعاتٍ تنظم عمليات نقل الأعضاء بصورةٍ شاملةٍ وتحكم هذه المسألة (1) بينما المشرع المصري يكتفي ببعض التشريعات المتفرقة التي تتناول موضوعات معينة من عمليات نقل الأعضاء ومن ذلك :-

التشريع المصري رقم 178 لسنة 1960 م الخاص بنقل الدم.، و التشريع المصري رقم 274 لسنة 1959 م في شأن بنوك العيون المعدل بالقانون رقم 103 لسنة 1962 الخاص بنقل القرنية وإعادة تنظيم بنوك العيون وإلى الآن لم يصدر تشريع مصرى متكامل بشأن تنظيم عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية رغم شدة الحاجة إليه نظراً لانتشار هذا النوع من العمليات ، وهو أمر منتقد وغير مقبول من جانبنا .

                ومبدأ حرمة الكيان الجسدي وعدم جواز المساس به هو مبدأ مستقر في كل التشريعات المختلفة ، إلا أن هذا الأمر يجب ألا ينسينا الحاجة الماسة من جانب الكثير من المرضى الذين تتوقف حياتهم على مساعدة الآخرين لهم بالتبرع ببعض الأعضاء التي تساعدهم في استمرارية حياتهم ، مما يتطلب منا الموازنة بين هذه المصالح المتعارضة مع الأخذ في الاعتبار أن القاعدة الأساسية هي حرمة الكيان الجسدي وعدم جواز المساس به .

والاستثناء على ذلك يتمثل في إباحة انتقال عضو أو أكثر لشخص مريض يحتاج إلى المساعدة وذلك بعد الرضاء الحر المستنير للمتبرع بالعضو ، بما يحقق المصلحة أو المنفعة الاجتماعية التي لا تخالف النظام العام والآداب .

أهمية البحث:-

شهد النصف الثانى من القرن العشرين تطوراً مذهلاً فى العلوم الطبية والعديد من الإنجازات العلمية فى هذا المجال. ولعل أعظم هذه الإنجازات ما تحقق بالنسبة لحياة الإنسان وصحته ففى السنوات الأخيرة ظهرت عمليات نقل وزرع الأعضاء والتلقيح الصناعى والتعقيم كوسيلة علاجية وتغيير الجنس والاستنساخ إلى غير ذلك من الإنجازات العلمية والطبية.

وقد أثارت هذه الموضوعات الطبية ولا زالت تثير الكثير من النقاش والجدل لدى رجال القانون والطب على السواء حول مدى مشروعيتها ، حيث أن هذه الموضوعات أصحبت تتجاوز الحدود التقليدية المتعارف عليها طبياً ، بحيث أصبح أكثر فاعلية فى علاج الأمراض المستعصية وإنقاذ البشرية من خطر الموت، وفى نفس الوقت أكثر خطورة وتأثيراً على حياة الإنسان ذلك أنها تعد أيضا خروجاً على القواعد القانونية المستقرة التى تحمى حق الإنسان فى الحياة وفى سلامة وتكامل جسمه.

فالجسم الإنسانى من أهم العناصر اللازمة لوجود الإنسان ، لذا قيل بحق ان الجسم عماد الشخص بذاته بحسب الأصل. (1) ولذلك يعبتر الجسم من أكثر عناصر الحياة الإنسانية تقديساً ولا يجوز

أن يكون محلاً لأى إتفاق ، إلا من أجل صيانته أو حفظه ،و خلافًا لذلك يعد المساس به إنتهاكاً لحرمة أو معصومية الكيان الجسدى للإنسان (2).

وبالرغم من أن النطاق الطبى يشهد طفرة كبيرة منذ النصف الثانى من القرن العشرين ومعظمها ينصب على الجسم الإنسانى إلا أن هذه التطورات أثارت الجدل لدى العاملين بالقانون والطب وفقهاء الشريعة وذلك عندما تصطدم هذه القواعد القانونية المجردة بالاعتبارات الإنسانية والمفهوم الجديد للعلاقات الاجتماعية ، لا سيما عندما تمس هذه الاعتبارات والعلاقات حياة الإنسان أو عضو من أعضاء كيانه المادى المتمثل فى جسده. ويثور التساؤل حينئذ حول مدى إعمال قواعد المسئولية ؟ أم أن خدمة العلم والإنسانية تستدعيان تعطيل هذه القواعد حتى وإن نجم عن هذا العمل نقص فى قدرة ونشاط هذا الشخص الذى يمارس عليه هذا الفن؟

وأبرز ساحة لهذه المناقشة ما يعرف بعمليات نقل وزرع الأعضاء البشرية التى مرت بمراحل من التطور ، بدأت بنقل جزء من جسم الإنسان إلى جزء آخر من جسمه، وتطورت إلى أن أصبحت تنقل من إنسان حى إلى آخر، ومن متوفى إلى إنسان حى، وبدأت بعضو وتطورت لتشمل سائر الأعضاء.

ومسألة زرع الأعضاء حساسة لأنها تتصل بالأحياء والأموات .. ورغم أن هذه المسألة ليست جديدة كل الجدة ، إلا أن نطاقها قد اتسع فى العصر الحالى إتساعاً كبيراً ، حتى لا يكاد يوجد عضو أو نسيج، إلا وتم نقله بما فى ذلك بعض خلايا الدماغ تؤخذ من الأجنة المجهضة وتزرع فى دماغ إنسان يعانى من الشلل الرعاش (الباركنسون) أو الخرق المبكر المسمى )presenile Eementiou  (وخاصة مرضى الزهايمر ( AL Heimer Disease)(1)

وعمليات نقل وزرع الأعضاء البشرية ليس جديداً كما قد يتبادر إلى الذهن ، وليس وليد القرن العشرين، بل هو قديم جداً. فقد عرف المصريون القدماء عمليات زرع الأسنان ونقلها عنهم فيما بعد اليونان والرومان ، كما عرفها أيضا سكان الأمريكيتن الشمالية والجنوبية وعندما فتح الأوربيون الأمريكيتين ، نقلوا عنهم كيفية إجراء مثل هذه العلميات ، أما لأطباء المسلمون فقد عرفوا زراعة الأسنان فى القرن العاشر الميلادى.( ).

إلا أن هذه العمليات لم تكن بهذا التطور الكبير الذى أصبح منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم، وخلال القرن التاسع عشر الميلادى نجحت عمليات نقل كثيرة للأعضاء مثل الأوتار والعضلات والجلد والأعصاب والغضاريف والقرنيات والغدة الكظرية والدرقية والمبايض وأجزاء من الأمعاء والمثانة والحالب حيث أجريت هذه العمليات بنجاح نسبى بسبب التقدم فى كافة المجالات الطبية كالتخدير والتعقيم الذى ساهم  د . ليستر (Lister) فى إدخاله . ومع ذلك فإن المضمون العلمى قد اختلف مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. حيث قدم العلم قائمة كبيرة من الاكتشافات العلمية والطبية التى تستهدف محاربة المرض ، فضلاً عن استحداث العديد من الوسائل الفنية المستخدمة فى هذا المجال.( )"

 

 

 

 

 


انشء في: أربعاء 1 فبراير 2012 19:58
Category:
مشاركة عبر