جهود المؤرخين المسيحيين في مصر الإسلامية من القرن الأول إلى القرن السابع الهجري دراسة موازنة

محمد عبد الخالق عبد المولى محمد القاهرة دار العلوم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ماجستير 2007

                                                "أولاً: عنوان البحث ماذا يقصد به؟

         ينصب هذا البحث في الأساس على معالجة حركة التاريخ والمؤرخين المسيحيين في مصر الإسلامية خلال القرون السبعة الأولى للهجرة؛ فيقوم بمحاولة حصر أبرز هؤلاء المؤرخين, ويترجم لهم ترجمة مفصلة ما وجدت المادة المعينة على ذلك, بحيث نخرج بمعرفة تكاد تحيط بشخصية المؤرخ إحاطة كاملة. حتى إذ تم تحقيق ذلك الهدف, انتقلنا للتعريف بآثاره العلمية التي تركها لنا (وخاصة التاريخية منها) والتي تعبر عن خلاصة فكره وثقافته, وقدرات عقله حتى نخرج – ما أمكن – بالملامح العامة لمنهجه التاريخي, وأهم سماته الشخصية والثقافية.

           ثم نقوم بدراسة مؤلفاته التاريخية دراسة تحليلية مفصلة, نستطيع الخروج منها بتصور واضح عن فكر المؤرخ وثقافته, وموارده, ومنهجه في العرض التاريخي واختبار مدى صحة بعض ما ورد في مؤلفاته من الوجهة التاريخية, وذلك بموازنة بعض روايته التاريخية بما ورد في المصادر الإسلامية والمصادر المسيحية الأخرى. وأخيراً نوضح أهمية الكتاب بوصفه مصدراً من مصادر التاريخ الإسلامي؛ وخاصة أن في هذه المصادر المسيحية روايات تاريخية كثيرة لم ترد في المصادر الإسلامية.

         ويلاحظ على عنوان البحث ما يأتي:

1- أنني لم أطلق عليه اسم (المدرسة المسيحية التاريخية) لأن كلمة مدرسة تعني وجود أساتذة نقل عنهم تلاميذ, ومناهج ينقلها الخلف عن السلف وفق تقاليد معينة وبشكل منتظم دون انقطاع, وهذا ما لم يكن واضحاً في تلك الفترة التي نتناولها بالدراسة حيث نلاحظ عند استعراض جهود المؤرخين المسيحيين أنهم يتكاثفون ويكثرون فيما بين القرن الثالث ونهاية الرابع الهجري ثم يقلون قلة واضحة في القرن الخامس حتى إذا جاء القرن السادس لم نكد نعثر على  مؤرخ واحد ثم يعود الأمر إلى الاعتدال ويظهر بعض المؤرخين في القرن السابع, فكأن فترة القرن الرابع الهجري وفترة القرن السابع الهجري هما الفترتان الذهبيتان في الكثرة والإنتاج, كما أن هؤلاء المؤرخين المسيحيين لم يعتمدوا في مصادرهم على مصادر مسيحية فقط – خاصة عند التأريخ للإسلام – بل نجدهم قد اعتمدوا على مصادر المدارس التاريخية الإسلامية الأخرى بشكل واضح. ويمكن تسميتها مدرسة على سبيل التجوز عند رصد السمات العامة لمؤرخيها ورصد المنابع التاريخية الأساسية التي استقوا منها مادتهم.

2- على الرغم من أن عنوان البحث يحمل صيغة (جهود المؤرخين المسيحيين) فإننا اضْطُرِرْنَا إلى أن ندخل ضمن هؤلاء المؤرخين المسيحيين أحد المؤرخين المسلمين وهو ""ابن مماتي"" الذي كان مسيحياً ثم أسلم هو ووالده ومعظم أفراد أسرته. وذلك لعدة أسباب منها:

أن ابن مماتي كان من أسرة مسيحية عريقة تقلد معظم أفرادها وظائف هامة في دواوين الدولة الإسلامية, وعلى الرغم من ذلك ظلوا على ديانتهم ولم يعتنقوا الإسلام, حتى أسلم والد ابن مماتي هو وأولاده على يد صلاح الدين الأيوبي.

إذا رجعنا إلى أسباب إسلام أسرة ابن مماتي نجد أنهم لم يسلموا رغبة في الإسلام وإنما أسلموا للمحافظة على وظائفهم ومكانتهم الاجتماعية.

إن معظم المصادر والمراجع التي ترجمت لابن مماتي أو تحدثت عن مؤلفاته أدرجته ضمن المؤرخين المسيحيين.

ثانياً: دوافع اختيار هذا الموضوع وأهميته:

      يمكن تلخيص أهم دوافع اختيار هذا الموضوع فيما يلي:

1- إن المدرسة التاريخية المسيحية في مصر (إن صح التعبير) أهملها الباحثون, فلم تسلط على علمائها الأضواء, ولم ينظر إلى منجزاتهم بعين الاعتبار, ومن هنا كان لابد من إضاءة جنبات هذه المدرسة ونفض الغبار عن أعلامها وإظهار منجزاتها بكل موضوعية وأمانة دون تكليف أو مبالغة.

2- إن للمجتمع القبطي دائماً شأناً يذكر في تاريخ مصر الإسلامية وكانت للكنيسة القبطية دائماً علائقها الرسمية مع الحكومات الإسلامية. ومع ذلك فإن الرواية الإسلامية لم تفسح مجالاً كبيراً لبحث هذه العلائق وتمحيصها, ولم تعن بالأخص بأن تشرح لنا  وجهة النظر الكنسية في مختلف العصور شرحاً وافياً, ولم تفطن دائماً إلى الاستفادة من المصادر النصرانية في تفهم أحوال المجتمع النصراني وزعامته الروحية. ومن ثم كانت أهمية دراسة المصادر النصرانية التي تعنى بعصور من تواريخ الأمة الإسلامية؛ ففي هذه المصادر نستطيع أن نفهم بوضوح موقف الكنيسة وموقف أوليائها حسبما يصوره لنا كتابها ودعاتها, ونستطيع بمراجعة أقوالهم وتعليقاتهم أن نقف على كثير من الحقائق التي لم تعن الرواية الإسلامية بشرحها واستيعابها, وخاصة في العصور التي تتجه فيها السياسة الإسلامية إلى الضغط على الكنيسة والمجتمع النصراني لظروف وعوامل خاصة, كما حدث بمصر في عصر المأمون, وفي عصر الحاكم بأمر الله, وأيام الحروب الصليبية, فهنا تبدو الرواية الكنسية متنفساً حقيقياً للتعبير عما يخالج الكنيسة ورعاياها من العواطف والآراء  نحو المجتمع الإسلامي, وقد تُحْمَل الرواية الكنسية في هذه المواقف على المبالغة والإغراق في أحيان كثيرة, ولكنها تحتفظ مع ذلك بأهميتها وقيمتها في إيضاح كثير من النقط أو المواقف التي تغضي عنها الرواية الإسلامية أو ترى فيها آراء أخرى.

     ولا تقف أهمية الروايات الكنسية عند ذلك الحد؛ وفي بعض الأحيان, وفي عصور السكينة والسلام, تغدو الروايات الكنسية مصدراً قيماً لاستعراض الحوادث التي تعنى بها, ويبدو الكاتب مؤرخاً لا غبار عليه, ويتبسط في شرح الحوادث والشئون العامة وكثير من الأخبار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهي نواحٍ لها بلا ريب قيمتها وأهميتها في تاريخنا الإسلامي.

3- إن المصادر التاريخية المسيحية وإن كانت تميل معظم الأحيان إلى أن تخص أخبار الكنيسة والمجتمع النصراني بأعظم قسط من عنايتها, فإنها تُعُّد دائماً مصدر عظيم القيمة لتواريخ العصور التي عنيت بها. وتمتاز هذه المصادر بميزة خاصة, هي أنها تعنى عناية فائقة بتاريخ الدولة البيزنطية, وتفيض في تتبع أخبارها وعلائقها بالأمم الإسلامية إفاضة دقيقة ممتعة, وهذه ناحية  لم تخصها الرواية الإسلامية دائماً بما يجب من عناية, بل تعتمد غالباً في تناولها على هذه الروايات النصرانية, مثال ذلك: أن ابن خلدون يعتمد على ابن العميد في معظم ما كتبه عن أخبار الدولة الرومانية والدولة الشرقية (البيزنطية). ويرجع السر في ذلك إلى أن أغلب الكتاب النصارى كانوا يعرفون السريانية واليونانية واللاتينية أحياناً؛ ومن ثم كان اتصالهم بالمراجع الأجنبية وثيقاً وانتفاعهم بها واضحاً.

4- إن لهؤلاء المؤرخين إسهامات كثيرة في مجالات الحياة العلمية والثقافية في مصر الإسلامية في هذه الفترة, حيث تميز هؤلاء المؤرخون المسيحيون بسعة العلم وغزارة المعرفة إلى جانب توخيهم الدقة في ذكر الكثير من الأخبار والحوادث معتمدين في كثير من الروايات على المشاهدة العيانية لبعض الأحداث أو السماع من الرواة المعاصرين للأحداث أو على ما تضمه الأديرة من السير والتراجم التي كثيراً ما تتضمن إشارات إلى أخبار مصر وما يجري فيها من الأحداث.

5- إن في دراسة التراث العربي المسيحي, وخاصة التاريخي منه, ما يجعلنا نقف على دور المسيحيين في بناء الحضارة العربية (ولاسيما في أهم مراحلها أي في العصر العباسي). فالحضارة العربية ليست حضارة إسلامية خالصة رغم أن الطابع الإسلامي غالب عليها, ومن هنا يمكن القول أن الحضارة العربية انفتحت على حضارات مختلفة وتأثرت بها وتفاعلت معها, وعلى رأسها الحضارة المسيحية, وهذا ما يرفع من شأن الحضارة العربية, بخلاف ما حدث بالحضارة الأوربية التي انحصرت على حضارة دينية واحدة. وهذا ما جعل المسيحيين يعتزون بعروبتهم, ويفتخرون بتراثهم العربي؛ فقد اكتشفوا أنهم أسهموا فيه, فلا ينظرون إلى الغرب وكأنه الفردوس المنشود, بل ينظرون إلى شرقهم العربي.

       فكل مجتمع بشري ناهض يقوم على مُقِّومين: التأصيل والتفتح. فالتأصيل يضمن استمرارية هذا المجتمع,ويحافظ عليه خالصاً من الانحراف والضياع الذاتي. والتفتح يضمن له التجدد المستمر والصلة بالعالم الخارجي. والمجتمع الناهض هو الذي يحافظ على التوازن بين هاتين النزعتين, دون أن يضحي بواحدة منهما, وهو ما حدث في العصر العباسي الأول. فقد قام المسيحيون في هذا العصر بدور التفتح على الحضارات الأخرى (اليونانية والسريانية).

        هكذا نرى أن الروايات الكنسية والنصرانية العربية بوجه عام, فضلاً عن قيمتها وأهميتها الخاصة في سرد أخبار الكنيسة والمجتمع النصراني, وشرح مواقفهما في مختلف العصور والمناسبات, تلقي ضوءاً على كثير من نواحي الصلة والعلائق بين الشرق والغرب والنصرانية والإسلام, فهي من هذا الجانب جديرة بالدرس والمراجعة."


انشء في: أربعاء 18 يوليو 2012 16:14
Category:
مشاركة عبر