أثر جريدة السياسة اليومية والأسبوعية في النهضة الأدبية بمصر

القاهرة دار العلوم رضا محمد فوزى نجم الدراسات الادبية ماجستير 2009

 

                                "  كانت فترة مابين الحربين(1914-1939) فى مصر، فترة خصيبة فى تاريخها، ونتج عنها عدد وافر من الدوريات من الصحف والمجلات السياسية والثقافية والأدبية، التى قادت حركة الفكر والأدب فى ملحمة قلمية كبرى، طموحاً إلى وضع مصر على الطريق الذى يفضى بها إلى نهضة قوية، ويرد إليها اعتبارها بين بناة الحضارة. وتطلعت الأمة المصرية إلى التحرر من ربقة الاستعمار، وساعدها على نمو ذلك الأمل بزوغ ثورة 1919م التى عبرت عن تلك الآمال والتطلعات الوطنية فى الحرية والاستقلال، إلا أن قادة الثورة حصروا جهودهم فى مشكلات الحرية السياسية، بينما نهضت الصحافة الأدبية بذلك العبء، وسعت إلى حل مشكلات الحرية الاجتماعية بكل وجوهها، وامتاز بعضها من بعض بمنهجه وأسلوبه وتخصصه، وسالت أنهار تلك الدوريات بشتى الموضوعات، واشتجرت على صفحاتها الأقلام، فى معارك وملاحم وقضايا ومنازعات وخصومات، من أجل النهوض بالأمة واستكشافاً لروحها وخصائصها.

  وقد اتجهت عناية كثير من الباحثين والمهتمين، بتأريخ النهضة المصرية المعاصرة، وأثرها على الفكر والمجتمع، وبحث قضاياها ومعاركها السياسية والثقافية، وإلى أعلام كتابها، وإلى فن المقال ومنزلته بها، وقام بهذا العبء أساتذة الإعلام والصحافة الأفاضل.

  أما الصحافة الأدبية فلم تظفر بعناية مماثلة، لا على أنها ديوان للنتاج الأدبى وحسب، بل على أنها من عوامل تطور النهضة الأدبية، وتوجهها إلى القضايا الفكرية والقومية والثقافية والفنية، بالرغم من وفرة دارسى الأدب الحديث وتنوع جهودهم، الذين قد يقال إنهم لا يكفون عن الرجوع إليها، ومعاودة النظر فيها، أو أن كثيراً من موادها ومحتوياتها استخرجه أصحابه من صدور الدوريات، وضموا أشتاته، وأخرجوه كتباً مستقلة. كما فعل ذلك الأساتذة العقاد والمازنى والرافعى، والدكاترة محمد حسين هيكل وطه حسين ومحمد عبدالله عنان، والشيخ محمد رشيد رضا، وغيرهم كثير. إلا أن هذه الكتب تظل بعيدة عن الرؤية الوافية الشاملة، بدون الرجوع إلى الدوريات التى نُشرت على صفحاتها، وذلك حتى نتبين تاريخ مولدها وملابسات تأليفها، وهدف الدورية من نشرها.

ومن هنا تبدو قيمة الصحافة الأدبية سجلاً دقيقاً ومرجعاً وافياً لدراسة الأدب الحديث بكافة اتجاهاته، وقضاياه، بما تشيعه من إضاءة تفسر كثيراً من نواحيه ومراميه، خاصة أنها استوعبت خلال تلك الفترة معظم مانشر من مجالات الأدب المختلفة من قصة وشعر، وترجمة عن اللغات الأوربية، ومقال أدبى ونقدى، فضلاً عما أثارته من قضايا فكرية، ظلت ومازالت تتردد أصداؤها بين حين وآخر.

  وتتناول هذه الدراسة جانباً محدوداً فى حياتنا الفكرية والأدبية فى مصر، فى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، من خلال صحيفتى ""السياسة"" و""السياسة الأسبوعية""، وخاصة الأخيرة، التى كانت حلقة فى سلسلة من الصحف ذات اتجاه معين، ومدرسة فكرية معينة، شاركت فى حركة النهضة الفكرية والأدبية الحديثة بمصر، وقد بدأت هذه السلسلة فى 9مارس من عام 1907، بجريدة ""الجريدة"" التى أصدرها حزب الأمة، ثم من بعدها عبرمجلة ""السفور""، وانتهت بجريدة ""السياسة"" وربيبتها ""السياسة الأسبوعية""، اللتين أصدرهما حزب الأحرار الدستوريين، وأصبحتا من أهم الدوريات فى فترة ما بين الحربين، لتأثيرهما القوى فى تطور الصحافة الأدبية عامة، وبما أضافتاه من ملامح وخصائص، مثلت فى حينها، ما يشبه الثورة فى الشكل والمضمون، مقارنة بما كانت عليه دوريات تلك الأيام.

   فمن حيث الشكل، كان التجديد فى تصميم ورسم الصفحات، وإصدار صفحات متخصصة لكل فن من الفنون أو علم من العلوم، يشرف على إصدارها أساتذة متخصصون، إلى جانب استخدام الأسلوب واللفظ والعبارة السهلة البسيطة. ومن حيث المضمون بما أثير على صفحاتهما من قضايا حرية الفكر والبحث فى مجالات الثقافة والأدب المتعددة، والانطلاق بها مهما كانت الخطوط التى يقتحمها. والدعوة إلى القومية المصرية، التى أثمرت الدعوة للأدب القومى، وما اقترن بها من النزوع والتطلع القوى إلى الاستقلال، والمناداة بالحريات السياسية والاجتماعية والفردية، وتحرير المرأة، ورغم أن ""السياسة الأسبوعية"" كانت مثلاً للجريدة الأدبية المتخصصة التى ابتعدت عن مجال السياسة ومعاركها، فإنها لم تسلم من مناوأة قوى الاحتلال الإنجليزى وأعوانه، وأيضاً من المنافسين الحزبيين، الذين استشعروا خطر ( السياسة الأسبوعية) وأثرها على القوى الوطنية فى مصر، حتى تم إيقافها ومصادرتها فى 24يناير1931م.. 

وقد أخذنى الاهتمام فى بادئ الأمر بشخصية الدكتور محمد حسين هيكل، تلك القمة الفكرية العظيمة، من خلال كتبه ""فى أوقات الفراغ""، و""ثورة الأدب""، و"" فى منزل الوحى""، ثم روايته ""زينب""، وراقنى أن أدرس أثره فى مجال الأدب، فقرأت ما قام به السابقون، الدكاترة طه وادى، وحسين فوزى النجار، وعبدالعزيز شرف، والأستاذ محمد زكى عبدالقادر، ثم الدكتور محمد سيد محمد، فى دراسته الرائدة حول "" هيكل والسياسة الأسبوعية""، مما دفعنى للبحث ومحاولة الاطلاع على أعداد هذه الجريدة، لأكتشف أننى وقعت على كنز من كنوز الفكر والأدب، لا نظير لها فى صحافة أيامنا هذه، فعرضت الأمر على أستاذنا الدكتور محمد أبوالأنوار، فنبهنى إلى أن الأمر ليس سهلاً، وطالبنى بالاطلاع على أعدادها كاملة، مع الصحيفة الأم، ""السياسة"" اليومية، أولاً. وتكوين رؤية عامة لمجال البحث لوضع خطته على ضوئها، فقمت بالاطلاع عليها، وأخذت جذاذات مشتتة منها، وازددت حماسة ورغبة فى سلوك طريق البحث حول: ""السياسة والسياسة الأسبوعية وأثرهما فى النهضة الأدبية بمصر""، وظننت الأمر سهلاً ميسوراً، وكم كنت غريراً، فكلما تقدمت خطوة فى البحث، تيقنت من غور مائه ومشقة الغوص فيه، وكم لقيت من عنت للتيقن من الدافع لاطلاق وصف أو اتهام مرسل، فى مقال أو دراسة منشورة على صفحات هذه الصحيفة أو تلك، واستيضاح المبهم منها، لولا الدراسة الرائدة لأستاذنا الدكتور محمد أبوالأنوار ""الحوار الأدبى حول الشعر""، وكتاب الأستاذ أنور الجندى ""المعارك الأدبية""، وما وجدته من تعاون الزملاء بمكتبة جريدة ""الأهرام"". وكم أصابنى اليأس من مواصلة البحث أمام سوء الحالة التى تحفظ بها الدوريات فى دار الكتب المصرية، وكم صدمتنى صعوبة الاطلاع لتمزق أوراق تلك الصحف، وإهمال العاملين فى تداولها بين أيديهم، وبعضها كاد يقضى عليه البلى، ولم يعد الاطلاع عليه ميسوراً، رغم أنها تحمل ثمرة فكر وعلم أبناء مصر الذين حملوا عبء النهوض بالأمة، وصنعوا تاريخها الحديث، وكان كل واحد منهم زعيماً بين جوانحه يقود الأمة بأمل صنع مستقبلها غير عابئ بما يلاقيه من مشاق وصعاب فى سبيل ذلك، وصنعوا معاً موجة عالية جارفة، وكان الأمل ان تستمر تلك الموجة للصعود والارتفاع ليذهب أمامها زبد البحر وأوشابه. ولولا ظروف عرضت واستقرت لكان لنهضة مصر شأن أى شأن، والأمل معقود فى إعادة طبع ونشر ودرس تلك الأسس، والأخذ بعوامل النهوض للقيام مرة أخرى، من تلك الكبوة التى تردت فيها صحافتنا من تدن فى الأسلوب وانحراف فى اللغة نحو العامية والابتذال فيها، وهى إحدى القضايا التى حمل لواء المعركة فيها أعلام مفكرى السياسة الأسبوعية،  منذ قرابة المائة عام، ثم تنبهوا لخطورتها فتراجعوا عنها وصححوا مسارهم، ويعود اليوم أبناؤهم لتطبيقها فى صحف أيامنا هذه من جديد، غير عابئين بعظم الخطر الذى يقدمون عليه.

          وقد تنوعت مصادر هذه الدراسة، فكان النوع الأول: هو صحيفتنا نفسها، وقمت بعمل مسح شامل لأعدادها، وجمعت المقالات والنصوص التى تمثل القضايا المهمة لتحليلها وإبرازها، مما تطلب المثابرة والدقة، والصبر على مشقة البحث.

      وكان مصدرى الثانى من مصادر هذا البحث: هو الكتب التى ألفت عن هذه الفترة سواء الكتب التى تناولت تاريخ هذه الفترة بوجه عام، أم المتخصصة فى نواح سياسية أو اجتماعية أو دينية أو أدبية ونقدية أو غيرها. وسواء لمن عاصروا هذه الفترة أم جاءوا بعدها وألفوا عنها.

     والنوع الثالث من مصادرى: هو الصحف والدوريات المختلفة التى دخلت فى معارك فكرية مع جريدتنا، سواء المؤيدة لها أم كانت معارضة لها. لكى نلم بالقضية التى دارت حولها المعارك والجدال من كل الجوانب والأطر. وقد أيقنت – مصداقاً لقول أستاذنا الدكتور محمد أبوالأنوار- أن صلة المؤرخ الحديث بالدوريات ضرورة لا مفر منها، وهى بطبيعتها كنز جواد من أى النواحى أتيته أعطاك.

     ودراستنا هذه تستعرض أهم القضايا التى تناولتها جريدتنا، وترصد تطور كل منها. وذلك فى ستة أبواب:

     الباب الأول : تناول بصورة موجزة دور الصحافة فى النهضة الأدبية بمصر من مطالع القرن العشرين وحتى ثورة 1919م. ثم حزب الأمة وصحيفته الجريدة، ومن بعدها مجلة السفور. وتكوين الأحزاب وصحفها بعد ثورة1919م، حزب الأحرار الدستوريين وصحيفته السياسة اليومية، ثم السياسة الأسبوعية، باعتبارها أول ظهور للصحف ذات الصفحات والأبواب المتخصصة، وحزب الوفد وأبرز صحفه البلاغ والبلاغ الأسبوعى.

     وتناول الباب الثانى العوامل التى أدت للنهضة فى إيجاز، والفصل الأول: أهم القضايا الفكرية والأدبية، فكان أخطرها على الإطلاق معركة كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبدالرازق، وقد حاولنا تقصى أطرافها ونتائجها، من خلال الكتاب ومعركته، والصحف المتابعة للمعركة، والقضايا الفكرية التى أثارها، وفى الفصل الثانى، الدراسات والكتب المعاصرة والحديثة للعلماء والمتخصصين، التى تناولته بالرد والتفنيد، باختلاف المنهج فى كل منها، ثم فى الفصل الثالث ما أثير من الشك فى نسبة الكتاب للشيخ على عبدالرازق، وإثبات دور الدكتور طه حسين فى تأليفه ونسبته إليه.

    وتناول الباب الثالث، أهم القضايا الفكرية والاجتماعية، مثل قضية تحرير المرأة، وتربية ورعاية الطفل، وإصلاح التعليم، والاهتمام بالدين، وإصلاح الأزهر، وتقليد الأوربيين.

    أما الباب الرابع فتناول أبرز معارك وقضايا الفكر والأدب وأهمها حتى الآن، قضية كتاب فى الشعر الجاهلى للدكتور طه حسين، وما دار حولها من صراع عنيف، لا يقل ضراوة عن معركة الكتاب السابق، ففى الفصل الأول عرضت محتوى الكتاب والجهات التى وقفت لنقده وتفنيد قضاياه، والفصل الثانى تناول المعركة على صفحات الصحف المصرية، ثم نقد د.محمد حسين هيكل لطه حسين ومنهجه فى كتابه فى الأدب الجاهلى، ثم فى الفصل الثالث القضايا الفرعية التى نتجت عن المعركة. وفى الفصل الرابع الدراسات وكتب العلماء المتخصصين المعاصرة والحديثة حول الكتاب. واختلاف تناول كل واحد منهم للكتاب، ووقفنا أمام مدى تراجع د.طه حسين عن آرائه عملياً من خلال مارصده أستاذنا الدكتور محمد أبو الأنوار فى كتابه ""قضايا الأدب الجاهلى""، ثم ناقش البحث فى الفصل الخامس: تأثر د.طه حسين فكرياً بأساتذته المستشرقين.

     وفى الباب الخامس تناول البحث قضية الأدب القومى، والتطور الذى طرأ عليها فى الفصلين الأول والثانى. حتى انتشرت الدعوة للأدب القومى وتأسيس الرابطة وتطورها حتى انتهت إلى التراجع والخفوت. ودرس الفصل الثالث أثر الدعوة إلى الأدب القومى ودعوة د.محمد حسين هيكل، من خلال كتابه ثورة الأدب.

    وفى الباب السادس أثر السياسة الأسبوعية على فنون الأدب المختلفة والدعوة للتجديد، وفن القصة وفن الشعر التقليدى والمترجم والمعرّب والمنثور والحر، والفصل الثانى منه تناول أثرها على نقد الشعر والشعراء. ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث، وتضمنت التوصيات المتصلة به. وأرفقنا بها قائمة بأسماء الكتّاب الذين ساهموا بأقلامهم فى ""السياسة الأسبوعية"" وأرقام الأعداد التى تضمنت نتاجهم الفكرى والأدبى.

   ويطيب لى فى هذا المقام أن أتوجه بخالص الشكر إلى أساتذتى الأفاضل: أستاذنا الدكتور محمد أبوالأنوار الذى أعجز عن إيفائه حقه وقدره علىّ وعلى هذا البحث الذى هو ثمرة من ثمار فكره وتوجيهه ونصحه وإرشاده، وحدبه على الطالب حدب الوالد الرحيم بأولاده، طوال فترة البحث، ولم يبخل بوقته الثمين وعلمه الغزير وتوجيهه الأمين، كلما حزبنى أمر أو ضاقت بى السبل، أثناء تحقيق قضية أو توثيق شهادة أوإبداء رأى. والأستاذ الفاضل الدكتور عبداللطيف عبدالحليم (أبوهمام) الذى تفضل بالإشراف على الرسالة مع أستاذنا الدكتور محمد أبوالأنوار، فكان مثالاً للعطاء العلمى بلا نظير، وأعطانى من علمه وتوجيهه ما سأظل أذكره له دائماً.

   والشكر لله من قبل ومن بعد فمنه التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين"


انشء في: خميس 19 يوليو 2012 18:24
Category:
مشاركة عبر