تحقيق الذات في رواية جوتفريد كيلر هاينريش الأخضر و كتاب طه حسين

عين شمس الألسن اللغة الألمانية 2005ماجستير هبه عبد ربه عبد الله حسين

 

                                                                "كما يتضح من العنوان فإن هذا البحث مقارنة بين عملين يعدان من أبرز الروائع في كلٍ من الأدب الألماني والأدب العربي وهما رواية ""هاينريش الأخضر"" لجوتفريد كيلر وكتاب ""الأيام"" لطه حسين. وتقع الرسالة في مئةٍ وخمسٍ وتسعين صفحة وتحتوي على خمسة فصول. وتهتم الرسالة في المقام الأول بدراسة ""تحقيق الذات"" في العملين الأدبين السابق ذكرهما. وقد تم تقسيم البحث كما يلي :

ناقش الفصل الأول بصورة أساسية مصطلح ""تحقيق الذات"" من حيث المفهوم العام، وكذلك من منطلق علم النفس. فمن حيث المفهوم العام، وكما ورد في المعاجم اللغوية فإن ""تحقيق الذات"" تعني بصفة عامة تحقيق الشخصية وإبرازها والقدرات الذاتية. أما من الناحية التخصصية فقد أهتم علم النفس الإنساني بهذا المفهوم بقدر كبير، حيث يُعد أحد ركائزه الأساسية. ويُقصد هنا بمفهوم ""تحقيق الذات"" أنه اتجاه يكمُن داخل الكيان الإنساني نحو خير وقدسية وكلية الشخصية الإنسانية. ويتفق معظم علماء علم النفس الإنساني على هذا التعريف بصفة عامة، إلا أن هناك تفاوتاً في صياغتهم له. ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى هرم عالم النفس أبراهام ماسلو الذي قسمه إلى خمس مراتب وخص كل مرتبة من هذه المراتب الخمس بنوعية من الحاجات الإنسانية. وقد جعل ماسلو هذه المراتب مرتبطة ببعضها البعض، بحيث لا يمكن الوصول إلى مرتبة عليا إلا إذا تحققت الحاجات التي تنص عليها المرتبة الدنيا. وعندما يستطيع الإنسان تحقيق المراتب الخمس فعندئذ يمكن القول بأنه نجح في تحقيق ذاته. وفي نهاية الفصل تأتي آراء بعض العلماء الذين اهتموا بمفهوم ""تحقيق الذات"" مثل روجرز، وفرانكل، وكارل جوستاف يونج.

يبدأ الفصل الثاني من البحث بنبذة عن حياة الكاتب السويسري الكبير جوتفريد كيلر وأعماله ، ثم يتعرض بعد ذلك لإشكالية تحديد النوع الأدبي الذي يندرج تحته العمل الألماني ""هاينريش الأخضر"". ويرى معظم النقاد الذين ناقشوا هذا الأمر أن هذا العمل يُعد رواية تطورية، على الرغم من أنه يبدو كسيرة ذاتية لكاتبه.

ثم تعرض الدراسة للملامح المتعددة التي وردت في الرواية، وتصف واقع الحياة في القرن التاسع عشر في كل من سويسرا وألمانيا؛ فقد تحدث البحث عما جاء في الرواية عن نظام التعليم في سويسرا وكيف كانت تفتقر إلى مدارس تعليم الفنون، بينما كانت ألمانيا تتمتع بوجود هذه المدارس مما جعلها قبلة للطلاب الأجانب الباحثين عن هذه النوعية من الدراسة. وناقش البحث ما جاء في الرواية من عادات وتقاليد كانت سائدة في المجتمع السويسري والمجتمع الألماني، كما أظهر صوراً من الطبقات الاجتماعية المختلفة الموجودة في هذه الفترة. وهناك أيضاً إشارات إلى مظاهر الحياة السياسية في البلدين من خلال أفكار البطل وحواراته عن الديمقراطية، وحب الوطن، والاحتفالات الوطنية. كما ظهرت أيضاً الاتجاهات الدينية المختلفة الموجودة في تلك الفترة مثل التدين، والتصوف، والفكر الديني السائد عند عامة الناس، والإلحاد، وكذلك الطائفة اليهودية وعلاقتها بالمجتمع المسيحي.

أما النقطة الأساسية في هذا الفصل وهي دراسة مفهوم ""تحقيق الذات"" في رواية ""هاينريش الأخضر"" فهي تتناول الإصدار الأول والثاني للرواية ونتتبع فيها حياة البطل ""هاينريش"" في المدرسة، والعمل، وفي حياته الأسرية، والاجتماعية، والعاطفية، وكذلك من الناحية المادية؛ فمن المنظور العام لمفهوم ""تحقيق الذات"" نجد أن ""هاينريش"" قد فشل في تحقيق أي نجاح في معظم المجالات، ومن ثم فقد فشل في تحقيق ذاته:

ففي بداية حياته تعرض للطرد من المدرسة، ثم بدأ في هذه السن الصغيرة في البحث عن عمل فاختار مهنة الرسم والتي لم يكن مناسباً لها لا من حيث الموهبة، ولا من حيث القدرة المالية؛ ومن ثم فشل في هذه المهنة مما أثر سلبياً على استقراره المادي، فظل يعتمد على الإعانات التي كانت تقدمها له أمه، وكذلك علاقاته الشخصية لم تكن ناجحة كعلاقته بأمه التي ماتت وهي مثقلة بهمه وحزينة على حاله. ومن الناحية الاجتماعية لم يحظ هاينريش بمكانة مرموقة تجعله مميزاً بين ذويه، حيث لم يستطع أن يجد صديقاً وفياً، وكانت صداقاته كلها وقتية. أما أقرباؤه وجيرانه وأبناء بلدته، فكانوا يرونه إنساناً فاشلاً وضائعاً لا يستطيع أن يرعى نفسه، فضلاً عن أن يقوم بمسؤولياته تجاه والدته. وأما علاقته بالنساء، فكانت أيضاً مضطربة، فبالرغم من أنه مر بأربع علاقات عاطفية إلا أنه لم يستطع أن يحافظ على أي منها بسبب خجله وتردده الدائم في مصارحة حبيبته بمشاعره. كل ما سبق تسبب في عدم شعور هاينريش بالرضا عن نفسه بل ومات في الإصدار الأول من الرواية، وهو يحس بالفشل والضياع. وعلى هذا يمكننا القول بأن هاينريش قد فشل في تحقيق ذاته في مختلف المجالات. أما في الإصدار الثاني من الرواية فقد تغير الحال بعض الشيء، حيث استطاع هاينريش في نهاية القصة أن يحقق نجاحاً مادياً بعد أن تولى وظيفة مرموقة، كما استطاع أن يستعيد إحدى حبيباته واحتفظ بصداقتها لمدة طويلة، إلا أن هذا النجاح الجزئي لا يُعد تحقيقاً للذات.

أما الفصل الثالث في هذا البحث فيقوم على دراسة كتاب ""الأيام"" لطه حسين. فيبدأ أولاً بنبذة عن حياة الكاتب وأعماله، ثم يناقش إشكالية تحديد النوع الأدبي لهذا الكتاب ويعرض الآراء المختلفة للنقاد، حيث لم يكن هناك اتفاق بينهم على تحديد نوعية هذا الكتاب، ولذلك تم اختيار رأياً لأحد النقاد الكبار وهو أن كتاب ""الأيام"" يُعد خليطاًَ بين الرواية والبحث والسيرة الذاتية. يناقش هذا الفصل – كما حدث في الفصل الثاني – الملامح التي رسمتها القصة للواقع المصري في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي ترسم صورة لواقع الحياة المصرية في تلك الفترة. وقد احتوى هذا الكتاب على نفس الملامح التي وردت في الرواية الألمانية في مجالات التعليم والمجتمع والسياسة والدين بالإضافة إلى ملامح أخرى مثل الصحة والثقافة. تعرض البحث لملامح التعليم في مصر والذي كان يبدأ في هذه الفترة من الكُتَّاب ثم ينتقل الأطفال بعد ذلك إما إلى المدرسة أو إلى الأزهر الذي كان يمثل الطريق الوحيدة للتعليم أمام المكفوفين. ونرى في القصة أيضاً نشأة الجامعة المصرية كما نجد البعثات الخارجية التي كانت ترسلها الجامعة إلى الخارج وخاصة فرنسا. أما من الناحية الاجتماعية فالكتاب يعرض لنا صوراً مختلفة من الطبقات الاجتماعية الموجودة في تلك الفترة، وكذلك يصور لنا كثيراً من العادات والتقاليد السائدة. وهناك أيضاً إشارات للظروف السياسية التي كانت تمر بها مصر حينذاك، فيظهر نضال الشعب المصري من أجل حريته واستقلاله. وفي هذا الفصل أيضاً دراسة للاتجاهات الدينية كما وردت بصورها المختلفة في كتاب ""الأيام"" والتي تشتمل على متدينين وصوفية وعامة الناس وحملة القرآن. ويستعرض البحث أيضاً الأحوال الصحية للشعب المصري وأثر الجهل والأمية على طرق علاج الأمراض المختلفة. كما تعرض في المقابل لطبقة المثقفين، فنجد الأدباء والشعراء يلتقون في صالونات أدبية، كما نرى بعض الجرائد والمجلات المختلفة التي كانت تصدر حينئذ.

ثم يناقش البحث مظاهر ""تحقيق الذات"" في كتاب ""الأيام"". وكما حدث مع هاينريش يتتبع البحث حياة بطل كتاب ""الأيام"" (الصبي) حتى يمكن من خلالها التعرف على مدى نجاحه أو فشله في تحقيق ذاته. فمن وجهة النظر العامة نجد أن الصبي استطاع برغم فقده لبصره في سن صغيرة أن ينجح في حفظ القرآن الكريم ويحظى بمكانة متميزة بين أقرانه في الكُتَّاب، كما نبغ في الأزهر بفضل نجابته وذكائه الحاد، مما جعله موضع اهتمام شيوخه، إما لإعجابهم بفكره ومنطقه أو لتبرمهم منه وسأمهم من أسئلته. وبفضل شخصيته المتميزة، وحبه للعلم والمعرفة، وقدرته على مواجهة كل المصاعب التي تواجهه في سبيل ذلك استطاع أن يلتحق بالجامعة المصرية فور إنشائها، وكان أول من تخرج منها، وأول من حصل منها على درجة الدكتوراه. كما حقق أيضاً تفوقاً باهراً عندما سافر في بعثة تعليمية إلى فرنسا. وبعد عودته إلى مصر أصبح أستاذاً ناجحاً في الجامعة المصرية، وتميز في كتاباته الأدبية والصحفية، كما شارك أيضاً في الحياة السياسية، مما جعله يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع. وكان البطل ينعم بحياة أسرية مستقرة وهادئة، حيث تزوج ممن أحب وعاش معها حياة سعيدة، وبالرغم من أنه لم يستطع أن يوفر لنفسه ولأسرته المستوى المادي المرتفع، إلا أنه كان راضياً عن نفسه وسعيداًَ بهذه الحياة، لأنه لم يتنازل عن مبادئه أو أفكاره وإن أوقعه ذلك في المتاعب. وبناءً على ما سبق توصلت الدراسة إلى أن بطل كتاب ""الأيام"" قد نجح في تحقيق ذاته.

ويحتوي الفصل الرابع على الجزء العملي من الدراسة وهو المقارنة بين هاينريش وبطل كتاب ""الأيام"". فنجد أوجهاً للتشابه بينهما سواءً من حيث الشخصية أو من حيث البيئة التي تربيا فيها. فكلاهما تعرض لطفولة قاسية، وافتقدا حنان الأبوين وحبهما، كما عانى كل منهما من الفقر. وكان الاثنان يستمتعان بسماع الحكايات الشعبية الخيالية وحوارات الآخرين. كما كانت هناك أوجه أخرى للتشابه بينهما: فكلاهما كان يمقت التربية الدينية التي كان يحاول والديهما تربيتهما عليها. وبسبب الإهمال والوحدة التي كان يشعر بهما هاينريش والصبي فقد حاول كل منهما جذب انتباه الآخرين ونيل إعجابهم، فقام هاينريش بقيادة مظاهرة طلابية ضد أحد المدرسين، أما الصبي فكان يحاول مناقشة الآخرين ومعارضتهم واستعراض معلوماته أمامهم. كما تشابه البطلان أيضاً في سفر كل منهما للدراسة في الخارج.

أما الاختلافات بين الشخصيتين فتشكل السبب الحقيقي الذي أدى إلى فشل أحدهما ونجاح الآخر في تحقيق ذاته. فهاينريش لم يكن طموحاً، بل كان يعيش في عالم وهمي وكان سريع التأثر بآراء الآخرين، أما الصبي فكان على العكس مثابراً وطموحاً ويتمتع بطريقة تفكير عقلانية وواقعية وشخصية قوية.

وقامت الدراسة في النهاية بتطبيق نظرية ماسلو على البطلين لقياس مدى نجاح كل منهما في تحقيق ذاته من وجهة نظر علم النفس. وقد تبين عند تطبيق هرم ماسلو على شخصية هاينريش أنه استطاع في الإصدار الأول من الرواية من تحقيق المرتبة الأولى فقط من المراتب التي حددها ماسلو، بينما تمكن في الإصدار الثاني من تحقيق المرتبة الثانية فقط. أما الصبي فقد استطاع اجتياز جميع المراتب بنجاح، وبالتالي تمكن من تحقيق ذاته.

ثم يأتي الفصل الخامس فيعرض النتائج التي توصل لها البحث، وفي نهاية الرسالة تأتي الهوامش وفهارس المصادر والمراجع."


انشء في: أحد 22 يناير 2012 12:06
Category:
مشاركة عبر