حق اللجوء السياسي في الدساتير والقوانين الحديثة دراسة مقارنة مع النظم الوضعية الحديثة
محمد أنس جعفر عين شمس الحقوق القانون العام الدكتوراه 2008
ملخص الدراسة:
حرية الإنسان الشخصية هي أعز ما يملك بل هي قوام حياته بها يحيا ومن أجلها يعيش، وهي الأساس في المجتمع السليم، وكلما كانت هذه الحرية مصانة ومكفولة بضمانات وجودها، كلما ازدهر المجتمع وتقدم، وإذا مست تلك الحرية اهتزت ثقة الفرد في مجتمعه، ومع ذلك لم يتفق الفقهاء ولم يصلوا إلى تعريف محدد لها، وهو ما يشير إلى أن الحديث عن الحرية ذاتها لم ولن يتوقف ما دامت الحياة مستمرة، لأن المشكلات التي تتصل بمعنى الحرية وممارستها لن تنتهي ما دامت هناك سلطة لها قوة وفي مكنتها تقييد هذه الحرية، ويزداد الأمر صعوبة مع وقوع الكثير من الأخطاء في ضمانات الحرية مما أدى إهدارها، ويقتضي ذلك أن يراعي الجميع حكاما ومحكومين القواعد التي تكفل حقوق الإنسان، وإحساس الفرد في أعماقه بأنه مدين للآخرين بما عليه من التزامات، ويصعب تصور قيام حضارة إنسانية دون اكتمال بناء الإنسان صانع الحضارة، وتمتعه بحقوقه وحرياته حتي تتفجر فيه طاقـات الإبداع والتقدم.
ويرى الفقه الحديث ضرورة الجمع بين الواقع والنصوص في دراسة الظواهر القانونية على أساس أن القانون ما هو إلا نتاج اجتماعي وتنظيم مستقر ومضمون من جانب السلطة العامة، لأنه من الخطورة الفصل بين الرؤية القانونية والرؤية الاجتماعية للظواهر السياسية بعيداً عن بيئتها الاقتصادية والاجتماعية، لذلك نرى التناقضات والاختلافات الشاسعة بين الدول، لأن الطفرة التي أحدثتها موضوعات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والتطورات السريعة والمتلاحقة على الساحة الدولية أدت إلى تعاظم الاهتمام العالمي بتلك الموضوعات، وأصبحت عالمية هذه الحقوق والحريات وعدم القابلية للتجزئة أو التنازل عنها تعني توحيد هذه الحقوق والحريات بدول العالم أجمع، وضمان توفيرها لدى الأنظمة القانونية الوطنية للدول الأعضاء، حتى أصبح أن عالمية هذه الحقوق والحريات لن يتحقق دون وطنيتها، ووطنيتها لن تتحقق بدون عالميتها.
وقد نصت الدساتير على حق الفرد في اللجوء السياسي متى تعرض للاضطهاد بسبب نشاطه في الكفاح من أجل السلام وضد الحرب، وبيان مدى ارتباطه بحريات وحقوق أخرى لصيقة به مثل حرية الرأي وحرية التنقل والحق في الهجرة، ولابد من توافرها كحد أدنى في حالة لجوئه لدولة أخرى غير دولته الأصلية، والتي يجب أن تلتزم بمقتضى أحكام القانون الدولي بضمان هذه الحقوق والحريات.
والدستور هو عمل منفتح ودائم التكوين، وهو حي لا يتوقف نبضه فهو دائم الحركة يعيش الحاضر ويتفاعل مع المستقبل، وسيادة القانون تستمد من سيادة الدستور، فهو الذي يضع الأسس التي يقوم عليها القانون في كل فروعه، فيسمو عليها وتخضع له جميع قواعده القانونية بحكم وحدة النظام القانوني الذي يعلوه الدستور الذي يختلف من دولة إلى أخرى بقدر اختلاف نظامها السياسي والاقتصادي، ويختلف أيضاً مع مدى احترام هذا المبدأ بقدر سلامة التطبيق واحترام الدولة للقانون.
وبالرغم من التطور الملحوظ لنظرية حقوق الإنسان وحرياته فإن العصر الراهن بما تحوطه من أهوال ومخاطر ما زال يشهد نماذج صارخة لانتهاك هذه الحقوق في ظل انتشار الأفكار الديمقراطية وبروز قوة الرأي العام العالمي خاصة حقوق وحريات اللاجئ السياسي، وقد واكب هذا الانتهاك تزايد الجهود التي تبذل من أجل احترام حقوق الإنسان على المستوى الداخلي أو الخارجي ولكن غالبيتها جهود نظرية بحته؛ الأمر الذي يحتم تكثيف الجهود العملية ووضع الضمانات القانونية والقضائية المناسبة لحماية حقوق الإنسان وحرياته.
وإذا كانت الضمانات الدستورية والقانونية والقضائية هي الملاذ الفعال للأفراد ضد انتهاك الدولة لهذه الحقوق والحريات، فإن السلطة السياسية بما لها من سيادة، وما تضعه من قوانين تكون السند الوحيد عند وقوع الانتهاك من جانب الأفراد، وتكون جهازاً ضرورياً لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، ويتعين عليه أن يتدخل كلما حدث انتهاك للحقوق والحريات خاصة مع تزايد نشاط الإدارة وضرورة تمتعها بقدر من حرية التصرف، والذي يعد بمثابة الشرط الأول لحياة وبقاء كل إدارة، إلا أن جميع الفقهاء يجمع على أن هذا القدر من السلطة التقديرية لا يجب أن يباشر خارج إطار القانون لها وفي ذلك ضمانة لحماية حقوق وحريات الأفراد.
وتعد الرقابة القضائية من انجح وأفضل الطرق لرقابة الإدارة في ممارستها لسلطتها التقديرية على الرغم من وجود الرقابة الذاتية أو السياسية سواء كانت برلمانية أو رأي عام، وقد قررت الرقابة القضائية وضع قيوداً على سلطة الإدارة إلا أنها لم تكن كافية لكبح جماح الإدارة لتطور نشاطها بقدر أكبر من تطور النصوص، وقد آثرت انتقاء أهم تلك الحريات وهي الحق في الحرية وحرية الرأي وحرية التنقل والإقامة باعتبارها من الحقوق اللصيقة بشخصية كل إنسان والتي يترتب على تمتعه بها إمكانية ممارسته لباقي الحقوق والحريات مثل حق اللجوء السياسي
وقد تم معالجة موضوع الدراسة في مقدمة وخاتمة بينهما بابين الأول بعنوان حق اللجوء السياسي والحقوق والحريات العامة، تناول التعريف بالحقوق والحريات العامة، وتعريف حق اللجوء السياسي وتطوره، وحمايته القانونية، وأسباب نشأته في الدول قديما وحديثا، وتحديد المركز القانوني للاجئ سياسيًا، والأزمة التي يمر بها هذا الحق، وتناول الباب الثاني حق اللجوء دستوراً وسلطةً ورقابةً، تناول النصوص الدستورية والتشريعية لدول المقارنة، ومدي سلطة الإدارة في قبول أو رفض اللاجئ السياسي، والرقابة القضائية والشعبية للإدارة في هذا الشأن وحدودها.
وقد توصل الباحث إلى نتائج هي:
1 - ضرورة مواجهة الفراغ التشريعي في مجال اللجوء السياسي، خاصة مع تعرض حقوقه وحرياته للانتهاك بدرجة خطيرة تتحكم فيها المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية بوضع تشريع كامل يغطي كل جوانب اللجوء.
2 - ضرورة عمل موائمة بين النصوص والضمانات الدولية والتشريعات الداخلية للدول بما يضمن ويحمي الحد الأدنى لحقوق وحريات للاجئ السياسي. لأن التناول السليم لتلك المشكلة يوضح أنها تعكس في الحقيقة صراعاً على المستوى الدولي بين مفاهيم التعاون الدولي، وبين تمسك كل دولة لسيادتها الداخلية وعدم التدخل في شئونها. كما يعكس صراعاً آخر على المستوى الوطني بين كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية باعتبار أن الأولى لها صلاحيات الموافقة على الاتفاقيات الدولية التي ترتب التزامات على الدولة، بينما تختص الثانية بسن القوانين والتشريعات.
3 - عدم نضوج الوعي السياسي للشعوب وانشغالها عن المطالبة بحقوقها وحرياتها والدفاع عنها.
4 - ضرورة تثقيف وتنوير جمهور الرأي العام بالحقوق والحريات اللازمة للإنسان وحسناً فعلت الجامعات المصرية بتدريس مادة حقوق الإنسان ضمن مقرراتها.
5 - ضرورة المكاشفة والمصارحة حتى يقوم الرأي العام بمهمته في الرقابة، وبغير ذلك تتعطل الرقابة المرجوة له، وإن انتشار الأفكار الديمقراطية سيرتب حتماً انتشار العلانية وتنظيمها، حيث أن المصارحة والمكاشفة والعلانية ضرورة لقيام الديمقراطية، وهذا يساعد على تكوين رأي عام ناضج ومستنير يراقب السلطة الحاكمة، ويلزمها بالسير وفق مصلحته.
6 - يمثل الوضع العربي حالة فريدة، فبالرغم من الانتظار الطويل تم إقرار أول آلية عربية لحماية حقوق الإنسان وحرياته إلا أنها جاءت بالغة الضعف، مشوهة الصياغة، وتخلو من أية ضمانات فعالة للحقوق الواردة بها، والمثير للدهشة تحفظ بعض الدول العربية ورفض التوقيع أو التصديق عليها، مما يعكس حال التنظيم العربي من ضعف شديد برغم توافر العوامل اللازمة لنجاح أي تنظيم إقليمي (الاشتراك في الدين واللغة والعادات والتقاليد والأصل)، ولو أحسنت الدول العربية صنعاً لرجعت لما جاء في الشريعة الإسلامية من تنظيم كامل وشامل لحق اللجوء السياسي حيث وضعت نظام للاستجارة اشتمل على حقوق وحريات تفوق ما هو مقرر في أفضل الدول تقدماً في هذا المجال.
7 - أن المواثيق والمعاهدات الدولية التي تناولت موضوع الدراسة على الرغم من كثرتها لم تتضمن النصوص الآمرة والآلية لتنفيذ هذه النصوص التي تجعلها تتحرك على أرض الواقع، وأمام ذلك تبقى الفعالية للنصوص الدستورية للدول، والتي تعطي آلية التنفيذ، والأمل في توحيد هذه النصوص بين الدول، أو وجود حد أدنى واضح المعالم لحقوق وحريات اللاجئ السياسي بصفته (كإنسان وكلاجئ) وبآلية تجعل أي دولة ألا تحيد عنه، حيث لم يعد بإمكان الدول التمسك بالاختصاص الداخلي طبقاً لنص المـادة (2/7) من ميثاق الأمم المتحدة في انتهاكات حقوق الإنسان لأنها لم تعد شيئاً داخلياً، مع عدم اتخاذ بعض الدول الكبرى حقوق الإنسان ذريعة للتدخل في الشئون الداخلية للدول الصغرى.
8 - عدم وجود آلية قضائية في إطار الأمم المتحدة، بما يجعل فعالية هذه الآلية أكثر التزاما في التنظيمات الإقليمية مع ضرورة استنفاذ طرق الطعن الداخلية والإقليمية قبل العرض على الآليات الدولية.
9 - عدم فاعلية العقوبات التي تقررها المنظمات الدولية، وغياب التنظيم الدولي الواقعي مع ضرورة تنظيم العلاقات بشكل يكفل التوافق بين أعضاء المجتمع الدولي ويقرب المستويات.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة