العلاقات المتبادلة بين الأبعاد البيئية والسكانية والتنمية

ايمن محمد حافظ الحماقى عين شمس معهد الدراسات والبحوث البيئية الاقتصاد والقانون والتنمية الإدارية دكتوراه 2007

الملخص:

بدأ الإنسان حياته على سطح الكرة الأرضية خائفاً وقد كان شغله الشاغل هو الحصول على الطعام وحماية نفسه من المخاطر البيئية من ناحية - مثل البراكين والسيول والزلازل والعواصف الخ... – ومن ناحية أخري من الحيوانات المفترسة والكائنات الحية التي لم يألفها والتي قد تؤدى به إلى التهلكة0

وعلى مر الزمن استطاع الإنسان بقدراته العقلية التي وهبها له الله أن يبتكر من التقنيات ما يحقق له حاجته الأساسية ويوفر له تلك الحماية ويرفه حياته من خلال التنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي الذي أثر على التوازن البيئي، وبالتالي زاد احتمال الخلل وعدم التوازن نظراً لأن موارد الأرض المادية والبيولوجية محدوده0 ولما كان من أهداف التنمية هو تمكين الإنسان من العيش الحر والحياة الآمنة التي تتيح له أن يحقق ذاته، وأن يحسن استخدام إمكاناته، والانتفاع بها إلى أقصى مدى، فإن إنجاحها يقتضى استمرارها وتواصلها، ولا يأتي هذا النجاح إلا في بيئة نظيفة مصانة نحرص جميعاً على حماية مواردها لأنها من أسباب استمرار حياتنا جيلاً بعد جيل0

      وقد كانت مصر احد الدول الممثلة في مؤتمر قمة الأرض عام 1992 الذي أكد على الأخذ بمفهوم التنمية المستدامة مع رفع المستوى المعيشي لكافة السكان عن طريق الحد من الأنماط الإنتاجية والاستهلاكية غير المستدامة وإنجاح السياسات السكانية المتخصصه0 وقد تحقق واضعي السياسات في مصر من انه ما لم يؤخذ في الاعتبار بمفهوم التنمية المستدامة لن تكون هناك أي آثار ايجابيه للتنمية وحدها0 ويمكن القول أن التنمية المستدامة عملية تتطلب التقدم المتوازي في أربعة اتجاهات وهى: الاقتصاد والسكان والبيئة والتكنولوجيا1 0

وترتبط كل من البيئة والنمو السكاني والتنمية ألاقتصادية بعلاقات تبادليه معقده ليست ايجابية أو سلبية في جميع الأحوال والظروف، بل يحكمها في ذلك نمط الاستخدام وأسلوب الاستغلال من رصيد الموارد الطبيعية القائم خاصة غير المتجددة منها0 كما إن هذه العلاقات ليست جميعها مباشرة بل منها ما هو غير مباشر، ومنها ما هو قصير أو طويل الاجل0 والنسيج الذي يكون هذه العلاقات هو ما يزيد من درجه تعقيدها وصعوبة قياسها وتحديد انعكاساتها الحقيقيه0 ونجاح أي دولة في تحقيق التوازن بين هذه العلاقات وتحجيم آثارها السلبية وتعظيم مردودها الايجابي في المدى الطويل والقصير يعتبر من المؤشرات الهامة عن مقدرتها على الاستمرار والتواصل في تحسين مستويات معيشة سكانها وارتقاء سلم التقدم في ظل إطار بيئي نظيف0

وقد أصبحت المشاكل البيئية لا تخص دولة بعينها، بل أن جميع الدول بلا استثناء شركاء في تحمل المخاطر الناجمة عنها، الأمر الذي دفع كل الدول والمؤسسات الدولية والإقليمية والمحلية إلى بذل مزيداً من الجهد من خلال سلسلة من المؤتمرات الدولية بدءاً من مؤتمر بوخارست عام 1974 حتى مؤتمر القاهرة عام 1994.

      ولهذا تمثلت مشكلة البحث في صياغة السياسة القومية للسكان للمشكلة السكانية في مصر والتي نصت أن لها ثلاثة أبعاد رئيسية وهى النمو السكاني السريع، التوزيع الجغرافي غير المتوازن، وتدنى الخصائص السكانية، ومما لا شك فيه أن كل هذه الأبعاد الثلاثة يقابلها بعداً بيئياً مرتبطاً بها ويؤثر فيها ويتأثر بها0

إن الزيادة السكانية المضطردة مع عدم التوازن المكاني في توزيع السكان، خلق العديد من المشاكل البيئية، فضلاً عن الزحف العمراني على المساحات الخضراء سواء المخصصة كرئة لتنفس المدن الكبرى أو الأرض الزراعية المستغلة في تلبية احتياجات السكان من الغذاء0 وتمثل العلاقة بين السكان والبيئة والتنمية حلقة مفرغة من علاقات متشابكة، حيث أن تدنى الخصائص السكانية يؤدى إلى الزيادة السكانية وبالتالي عجز معدلات التنمية في مصر عن ملاحقة معدلات النمو السكاني مما يؤدى إلى صعوبة الارتقاء بالمستوي المعيشي وتحقيق تنمية مستدامة.

وتهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على بعض الأبعاد السكانية والبيئية والتنموية لمعرفة اتجاهات كل بعد على حده، ثم إلى قياس درجة واتجاه الأبعاد السكانية والبيئية التي تؤثر على التنمية المستدامة وذلك لتحديد العلا قه فيما بينهم وأيضا للتوصل إلى شكل العلاقة سواء أكانت طرديه أو عكسية، وأخيرا التعرض لموقع مصر في دليل التنمية البشرية حسب نصيب دخل الفرد من الناتج المحلى الإجمالي لمحاولة الوصول إلى العوامل التي أدت إلى تأخر مصر في الترتيب بين الدول حسب دليل التنمية البشرية – رغم ارتفاع نصيب الفرد فيها – عن بعض الدول الأخرى التي تأتي في ترتيب متقدم عن مصر حسب دليل التنمية البشرية – رغم انخفاض نصيب دخل الفرد فيها – مثل سريلانكا وإندونيسيا، وذلك في الفترة منذ أوائل التسعينات وحتى أوائل هذا القرن0 وقد اعتمدت الدراسة علي البيانات الثانوية والأولية للوصول إلي هدف الرسالة.

      أما الإطار النظري الذي اعتمدت علية الدراسة هو الإطار النظري للتنمية المستدامة الذي عرضه 1999Elaine Stover  والمشار إليه في الشكل رقم (1) والذي نص فيه على أن التنمية المستدامة ليست فقط الحفاظ على التوازن البيئي أو النهوض بالنمو الاقتصادي أو التنمية الاجتماعية، ولكنها تتضمن أيضا السياسات والقوانين، القيم والثقافات، المبادئ والسلوك. ويتوسط ترابط القيادات المعنية مثلث التنمية المستدامة للوصول إلى وضع القرارات المرجوة والإدارة الأفضل للموارد المتاحة، على أنه يجب أيضا تثقيف القياديين وبناء قدراتهم نحو تحقيق تنمية مستدامة0 كما أكد على انه من ضمن متطلبات التنمية المستدامة ضرورة ترابط كل هذه الأبعاد في صنع القرار وتطبيقه في ظل سياسات رشيدة حتى نصل إلي الهدف المرجوة.

ويتضح من الشكل السابق أن الإطار النظري يحتوى على بيانات كثيرة لا يمكن توفرها جميعاً في مسح واحد، كما يهدف هذا الإطار إلي الوصول للتنمية المستدامة0 ولكن في هذه الدراسة نحاول التعرف علي العلاقات المتبادلة بين بعض مكونات التنمية المستدامة المتمثلة في الأبعاد السكانية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية للارتقاء بالمستوى المعيشي لمحاولة الوصول إلي التنمية المستدامة.

وللوصول إلي هدف الدراسة استخدم الباحث من الإطار السابق ما يتناسب في ظل المتغيرات المتاحة (شكل 2).

 ويشتمل هذا الإطار على عدة متغيرات، والتي تمثل كل ركن من أركان مثلث الإطار المستخدم في الدراسة لقياس العلاقة بينها (كمتغيرات تابعة) وبين المستوي المعيشي (كدالة مستقلة).

شكل (2)

الإطار النظري المستخدم في الدراسة

                             

للوقوف على درجة واتجاه العلاقة بين الأبعاد البيئية والخصائص السكانية الاجتماعية والاقتصادية وبين المستوى المعيشي يتم استخدام المنهجية التالية:

•     الطرق الإحصائية الوصفية في توضيح الأبعاد السكانية والبيئية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

•     تحليل السلاسل الزمنية خلال الفترة من 1991 وحتى 2003.

•     اختبار كا2

•     تحليل الانحدار اللوجيستي الثنائي Logistic Regression

•     تحليل الانحدار اللوجيستي المتعددMultinomial Logistic Regression

وتتضمن الدراسة المقدمة وثلاثة أبواب حيث تتناول المقدمة عرض لأهداف الدراسة، وأهمية الدراسة، وكذلك فروض الدراسة والإطار النظري للدراسة ومنهجية الدراسة0 ويحتوى الباب الأول على ثلاثة فصول لتوضيح اتجاهات كل من الأبعاد السكانية والبيئية وأبعاد التنمية0

والباب الثاني يتناول أهم العوامل المحددة لرفع المستوى المعيشي كما يتناول النموذج الإحصائي المستخدم لتحديد درجة واتجاه العلاقات المتبادلة بين الأبعاد السكانية والبيئية التي تؤثر على رفع المستوى المعيشي لتحقيق التنمية المستدامة0 ويركز الباب الثالث على العلاقة بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية عن طريق مقارنة بين مصر وسيريلانكما واندونيسيا في الأعوام، 1992، 1999، و2001.

أما بالنسبة للأبعاد السكانية يلاحظ مما سبق إن أبعاد المشكلة السكانية في مصر تتمثل في ثلاثة أبعاد رئيسية، حيث يتمثل البعد الأول في النمو السكاني المطرد ولقد أوضحت الدراسة (حسب بيانات تعدادات السكان) أن حجم السكان في مصر قد تضاعف لأول مرة خلال خمسين عاما في الفترة 1897 – 1947، أيضا تضاعف خلال الفترة 1947 – 1976، ثم تضاعف مرة أخري خلال الفترة 1966– 1996، وطبقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فقد بلغ عدد السكان في أول يناير 2005 حوالي 72 مليون نسمة وهو ما يمثل حوالي ستة أضعاف السكان عند بداية القرن العشرين، ويرجع هذا النمو السكاني إلى انخفاض معدل الوفيات بدرجة أسرع من انخفاض معدل المواليد.

      كما يتمثل البعد الثاني في التوزيع الجغرافي الغير متوازن والذي تتضح أهم مظاهره في تباين الكثافة السكانية بين المحافظات والتي تتراوح ما بين 10 آلاف نسمة/كم2 إلى نحو اقل من فرد واحد/ كم2، أيضا تزايد تيارات الهجرة الداخلية المحمومة من الريف إلى الحضر نتيجة لتركز الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في عدد محدود من المحافظات الحضرية.

      أما البعد الثالث فيتمثل في تدني الخصائص السكانية من حيث التركيب النوعي والعمري، والحالة التعليمية والعملية للسكان، حيث أوضحت الدراسة أن نسبة السكان في الفئات العمرية اقل من 15 سنة قد بلغ نحو 38% لتعداد عام 1996، وان هذا الحجم الكبير للسكان في هذه الفئة العمرية يمثل عبئا علي المجتمع، أيضا انخفاض المستوي التعليمي في الريف وخاصة بين الإناث، حيث توجد فجوة نوعية في الحالة التعليمية بين الذكور والإناث، أما بالنسبة للحالة العملية فيلاحظ أن نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل (15 سنة فأكثر) مازالت منخفضة، وعلي الرغم من ذلك فإن معدل البطالة قد تجاوز الحدود الآمنة حيث بلغ نحو 10. 75% عام 2005.

      ولقد أضافت وزارة الصحة بعدا رابعا لأبعاد المشكلة السكانية وهو التفاوت الديموجرافي والاجتماعي والاقتصادي بين المجموعات السكانية والجغرافية المختلفة، وأوصت بالعمل علي تقليل هذه التفاوتات حتى يمكن الوصول بمعدل الخصوبة إلى معدل الإحلال وهو 2. 1 طفل لكل سيدة عام 2017 كهدف قومي.

      ويركز البعد البيئي على مدي التدهور البيئي المتمثل في تلوث الهواء بغازات أول وثاني أكسيد الكربون، وأكاسيد الكبريت، والنيتروجين، والرصاص، والدخان الأسود، والجسيمات العالقة وذلك نتيجة للزيادة السكانية والتي استتبعها ارتفاع حركة التصنيع لتلبية احتياجات السكان وما أدت إليه من ارتفاع لمستويات استهلاك الطاقة الأولية من البترول والغاز الطبيعي، حيث يتوقع أن تصل الزيادة في استهلاك الطاقة إلى حوالي 96. 3 مليون طن مكافئ من النفط بحلول عام 2017.

      أيضا تلوث المصادر المائية السطحية والجوفية حيث تطلق اغلب المصانع مخلفاتها الصناعية المحملة بالمواد الكيماوية والمواد المشعة والمعادن الثقيلة والمنظفات في المجاري المائية مباشرة دون معالجة، كما يعاني نهر النيل وقنواته من مياه الصرف الزراعي المحملة بالأسمدة والمبيدات ونواتج غسيل الأراضي الزراعية، كذلك مياه الصرف الصحي الغير معالجة ومخلفات الملاحة من زيوت وشحوم، ويؤدي أيضا تسرب هذه الملوثات في التربة إلى تلوث المياه الجوفية.

كذلك تمثل التدهور البيئي في تدهور وإهدار الأراضي الزراعية كنتيجة حتمية للتوسع العمراني علي الأراضي الزراعية والتجريف وصناعة الطوب والنحر المائي، وزحف الصحراء علي تخوم الوادي وانتشار الأراضي الغدقة المتأثرة بالأملاح، وتبوير الأراضي الزراعية، هذا بجانب استخدام مياه الصرف الصحي والصناعي في ري الأراضي الزراعية مما أدى إلى زيادة محتوي تلك الأراضي من العناصر الثقيلة مثل الرصاص والزنك الخ..، ولقد قدرت جملة المساحات التي أهدرت في التوسعات العمرانية خلال الفترة 1950 – 1986 بحوالي 1. 1 مليون فدان، والمثير للدهشة انه عندما تزايد حجم السكان تم التوسع السكاني لداخل الوادي حيث الأراضي الزراعية الخصبة أما التوسع الزراعي فقد امتد إلى خارج الوادي حيث الصحراء. ومن كل ذلك يتضح مدي الضغط الذي تحدثه الزيادة السكانية المطردة علي البيئة.

وبالنسبة للبعد التنموي فهو يركز على أهم مؤشرات التنمية في مصر التي تمثلت في المؤشرات الديموجرافية والاجتماعية والاقتصادية في شكل سلسلة زمنية من 1991 وحتى 2003، ولقد تناولت المؤشرات الديموجرافية اتجاهات السكان واتجاهات معدلات المواليد والوفيات الخام والزيادة الطبيعية. حيث تغير حجم السكان من 54. 5 مليون نسمة عام 1991 إلى 67. 9 مليون نسمة عام 2.. 3 – أي أنه زاد بحوالي 13. 5 مليون نسمة خلال 13 سنة – أي - بمتوسط يعادل حوالي مليون نسمة سنوياً، وانخفض معدل المواليد من 30. 0 في الألف إلى 26. 1 في الألف بين عامي 1991و 2003، وانخفض معدل الوفيات من 7. 2 إلى 6. 5 في الألف بين عامي 1991و 2003، وانخفض معدل الزيادة الطبيعية في نفس الفترة من 22. 8 في الألف إلى 19. 6 في الألف.

أما بالنسبة للمؤشرات الاجتماعية فقد تمثلت في كل من مؤشر التعليم والصحة في شكل سلسلة زمنية من 1991 وحتى 2003، وبالنسبة للتعليم فقد أوضحت الدراسة زيادة عدد المقيدين في التعليم الأساسي والثانوي، وربما يرجع السبب في ذلك إلى انخفاض معدلات التسرب من التعليم أو بسبب زيادة أعداد السكان في سن التعليم ما قبل الجامعي، وعلي الرغم من زيادة أعداد الفصول إلا أن كثافة الفصل مازالت مرتفعة حيث تبلغ حوالي 40 تلميذ للفصل الواحد، أيضا أوضحت الدراسة أن هناك ارتفاعا ملحوظا في معدل الإلمام بالقراءة والكتابة للسكان (15 –24 سنة) علي مستوي الجمهورية، كما يلاحظ أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة للإناث اعلي منه في الذكور وذلك خلال الفترة 1991 – 2003، ويرجع ذلك إلى الاهتمام الذي توليه الدولة لمجال التعليم بوجه عام ومحو الأمية بوجه خاص، مما أدي إلي إدراج مصر ضمن الدول متوسطة المستوي في تقرير التنمية البشرية، كذلك أوضحت الدراسة زيادة الإنفاق علي التعليم بمعدل تغير بلغ نحو 111% خلال تلك الفترة.

وبالنسبة للصحة فقد أوضحت الدراسة أن الانخفاض المستمر في معدلات الوفاة بصفة عامة، ومعدلات وفيات الأطفال الرضع بصفة خاصة قد أدي إلى ارتفاع توقع البقاء علي قيد الحياة عند الميلاد، وذلك نتيجة للجهود المستمرة في مجال الخدمات الصحية، وتوفير الأدوية الحديثة والأمصال الواقية، وتوفير مياه الشرب النقية، ولقد أوضحت الدراسة انه علي الرغم من زيادة عدد المستشفيات العامة والقروية والوحدات الريفية، وارتفاع أعداد الأطباء والممرضين والآسرة لكل 10 آلاف نسمة من السكان إلا أن هذه الزيادة لا تتناسب مع التزايد المستمر لإعداد السكان حتى يمكن توفير الرعاية الصحية الكاملة لهم، كما انه علي الرغم من الاستثمارات الضخمة التي وجهت إلى القطاع الصحي إلا أنها لا تتجاوز 2. 17% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2003، أيضا هناك فجوة بين الريف والحضر في نسبة الأسر التي تحصل علي مياه آمنة للشرب والصرف الصحي.

أما بالنسبة للمؤشرات الاقتصادية فقد أوضحت الدراسة أن معدل البطالة بلغ حوالي 9. 9% في عام 2003 وهو أعلي معدل له خلال الفترة 1997 – 2003، كما أوضحت الدراسة أن هناك علاقة طردية بين كلا من الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط دخل الفرد علي جانب وعامل الزمن علي الجانب الآخر، كذلك يتناقص حجم الدين الخارجي (عام وخاص – متوسط وطويل الآجل) مع الزمن، ويتزايد حجم الدين العام المحلى مع الزمن كما توجد بينهما علاقة طردية، وأيضا يزداد العجز الكلي للموازنة مع الزمن.

أما من ناحية المؤشرات البيئية فقد أوضحت الدراسة أن هناك علاقة طردية بين الزمن وإنبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون.

من كل ذلك يتضح أن الزيادة السكانية المطردة تشكل ضغطا علي البيئة، كما أنها تلتهم كل ثمرات التنمية، الأمر الذي يؤدى إلى صعوبة تحقيق استدامة التنمية.

وللتعرف علي الإطار النظري للعلاقات المتبادلة بين الأبعاد البيئية والأبعاد السكانية والاجتماعية والاقتصادية والتوصل إلى نوعية العلاقة ومعنويتها، تم استخدام بيانات المسح السكاني الصحي وبيانات جهاز شئون البيئة لمقاييس تلوث الهواء لعام 2003، وتم دمج بيانات تلوث الهواء الممثلة لإجمالي الجمهورية مع بيانات المسح السكاني الصحي 2003 حسب محل الإقامة0

      وتنقسم بيانات الدراسة طبقاً للمستوى المعيشي أو دليل الثروة Wealth Index الذي استخدمه البنك الدولي، لاستخراج مؤشر يعبر عن ممتلكات الأسرة0 وقد أجريت بعض الدراسات التي قسمت دليل المستوي المعيشي إلي ثلاثة مستويات، حيث يمثل المستوي المنخفض نسبة 40%، ويمثل المستوي المتوسط نسبة 40% ويمثل المستوي المرتفع نسبة 20%، ومن هنا يأتي تفضيل الباحث إلي تقسيم دليل المستوي المعيشي إلي ثلاثة مستويات المنخفض والمتوسط والمرتفع.

      وقد أظهرت الدراسة أن حوالي 37. 9% من السكان يعيشون بالمستوى المعيشي المنخفض، وحوالي 41. 6% من السكان يعيشون بالمستوى المعيشي المتوسط، أما من يحظون بالمستوى المعيشي المرتفع فتبلغ نسبتهم حوالي 20. 5%. كما أظهرت النتائج التفاوت بين الأقاليم الرئيسية حيث أوضحت أن نسبة كبيرة من سكان ريف الوجه البحري (44%) وسكان ريف الوجه القبلي (43. 9%) يعيشون في المستوى المعيشي المنخفض، أما بالنسبة للمستوي المعيشي المتوسط فنسبة السكان تكاد تكون متساوية في جميع الأقاليم لتتراوح ما بين 18% و12% ما عدا ريف الوجه البحري فتصل إلى أعلى نسبة لها وهى 32%0 ويحظى سكان المحافظات الحضرية بأعلى نسبة للمستوي المعيشي المرتفع حيث تصل تقريباً إلى 50% من إجمالي العينة يليها حضر الوجه القبلي 21. 6% ثم حضر الوجه البحري 19. 6%.

      ومما سبق نستطيع أن نستنتج أن المناطق الريفية سواء بالوجه البحري أو القبلي تنال النصيب الأكبر من انخفاض المستوي المعيشي مقارنة بالمناطق الحضرية، حيث توجد أعلى نسبة للأمية وعدم توافر الخدمات الصحية والمياه النقية والصرف الصحي، وتركز العمالة بالقطاع الزراعي، وزيادة عدد الأطفال الذين تنجبهم السيدة طوال حياتها الإنجابية، وتدنى الظروف البيئة الداخلية للمسكن الخ..

      ولتحديد العلاقات المتبادلة بين الأبعاد البيئية والسكانية والتنمية كان لا بد من إجراء دراسة تحليلية متعمقة لتحليل العلاقة بين المستوي المعيشي والعوامل البيئية والسكانية والاجتماعية والاقتصادية، كما وأيضا تم تحليل العلاقة بين البيئة الداخلية للظروف السكنية والعوامل السكانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئة الخارجية، وذلك باستخدام أسلوب الانحدار اللوجيستى متعدد الحدود والذي يمكن من مقارنة كل القيم التي يأخذها كل متغير بقيمه مرجعية محدده مسبقاً وذلك بافتراض أن العوامل الأخرى ستبقى ثابتة على حالها0

وقد تم تطبيق التحليل اللوجيستي المتعدد الحدود في هيئة أربعة نماذج لاختبار مدى تأثير المتغيرات التابعة في كل نموذج على المستوى المعيشي (المتغير المستقل)0 ويحتوى النموذج الأول على المتغيرات السكانية فقط لتحديد نسبة تفسير هذه المتغيرات التابعة للمتغير المستقل وتبلغ نسبة كفاءة تصنيف النموذج 61. 1%0 والنموذج الثاني يشتمل على المتغيرات السكانية مع إضافة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وتبلغ نسبة كفاءة تصنيف النموذج تبلغ 68. 5%. أما النموذج الثالث فيحتوي علي المتغيرات السكانية، والاجتماعية والاقتصادية، والصحية وتبلغ نسبة كفاءة تصنيف النموذج تبلغ 69. 3%، وأما النموذج الرابع يشتمل على جميع المتغيرات السابقة مع إضافة المتغيرات البيئية لمعرفة مدى تفسيرها للمتغير المستقل مجتمعه حيث بلغت نسبة كفاءة تصنيف النموذج 76. 3%، ويتبقى 23. 7% حتى تصل كفاءة تصنيف النموذج الي100% وقد يرجع هذا إلى السياسات المناسبة التي يجب أن تتبع من قبل الدولة للوصول إلي التنمية المستدامة0

      وبعد استعراض العلاقة - بالتحليل المتعمق - بين التنمية المتمثلة في المستوى المعيشي كبعد اقتصادي وبين الأبعاد السكانية والبيئية، كان لا بد من التعرض لموقع مصر في دليل التنمية البشرية حسب نصيب دخل الفرد من الناتج المحلى الإجمالي لمحاولة الوصول إلى العوامل التي أدت إلى انخفاض ترتيب مصر حسب دليل التنمية البشرية – رغم ارتفاع نصيب الفرد فيها – عن بعض الدول الأخرى التي تحتل ترتيب أعلى من مصر حسب دليل التنمية البشرية – رغم انخفاض نصيب دخل الفرد فيها – مثل سريلانكا وإندونيسيا، وذلك في الفترة منذ أوائل التسعينات وحتى أوائل هذا القرن. وقد أظهرت نتائج المقارنة الآتي:

-    رغم أن النمو الاقتصادي في مصر أكبر حيث حركة التجارة الخارجية مستمرة إلا أن الاهتمام بالأوضاع الصحية في سريلانكا يأخذ وضع أفضل من مصر.

-    كما أن الاهتمام بمستوى معرفة البالغين القراءة والكتابة أيضاً زاد في سريلانكا عن مصر، وذلك لاهتمام الدولة بالناتج البشرى.

-    أيضاً أن وجود التزام سياسي قوى هو الذي دفع الجهود الرامية إلى تحسين التنمية البشرية للمرأة رغم نقص الموارد. فقد رفعت سريلانكا بمواردها القليلة وبالتزام سياسي قوى معدلات معرفة القراءة والكتابة بين النساء البالغات فيها إلى 90٪ عام 2002، وعلى العكس مصر كانت 44٪ في نفس العام.

-    أيضاً بلغ متوسط العمر المتوقع لدى الميلاد للإناث في سريلانكا عام 2002 إلى 76 سنه تقريباً مقابل 71 سنه في مصر، بالإضافة إلى الاهتمام بمساهمة المرأة في القوى العاملة في سريلانكا بلغ 56٪ مقابل 33٪ في مصر.

 

وبناء على الإطار النظري الذي عرضة 1999 Elaine Stover للتنمية المستدامة بالشكل رقم (1) نستطيع القول أنه عن طريق تضافر جهود القيادات المعنية والسياسات الصحيحة تستطيع الدول أن تتقدم أسرع في مجال التنمية البشرية عن النمو الاقتصادي، وإذا ضمنت تفضيل النمو للمستويات المعيشية المنخفضة فإنها تستطيع أن تفعل الكثير بهذا النمو لتعزيز التنمية البشرية. والدخل ليس بالضرورة العامل الحاسم حيث أن الصلة بين النمو الاقتصادي والتقدم البشرى ليست تلقائية، فمن الممكن تحقيق مستويات لائقة إلى حد كبير من التنمية البشرية حتى بمستويات دخل متواضعة.


انشء في: خميس 20 يوليو 2017 13:59
Category:
مشاركة عبر