التحولات الفكرية للعولمة

توفيق مجاهد سالم سليم, ,عين شمس, الآداب الفلسفة ,دكتوراه 2005

اشتملت الدراسة , على بابين في ستة فصول , إضافة إلى فصل تمهيدي ومقدمة وخاتمة عامة للدراسة .

المقدمة : تناولت أهمية دراسة , التحولات الفكرية للعولمة , النابعة من طبيعة الموضوع نفسه , باعتباره موضوعاً يشغل اهتمام مختلف أنواع العلوم الإنسانية في الوقت الراهن , وانطلاقاً من أن معظم الدراسات , التي تناولت ظاهرة العولمة الراهنة , قد أهملت بشكل ملحوظ تناولها من خلال الوقوف عند تلك البواعث التاريخية , الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفلسفية , التي شكلت المسار التاريخي لتبلورها . كما تضمنت الإشارة إلى تبويبها , وأشارة لمنهجيتها .

وتناول الفصل التمهيدي , ظاهرة العولمة , مفهومها , تعريفها , وتجلياتها المتعددة , الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية . معتمداًَ بشكل خاص على مفهوم المنظورية , الذي يعود في أصوله إلى نيتشه , فيما يتعلق بقراءة وتحليل تعريف العولمة الذي جاء متعدداً , بتعدد النظرات التي حاولت تعريف العولمة , على ضوء تعدد الأنساق المعرفية والرؤى الفكرية والأيديولوجية التي انطلق من خلالها الباحثين والكتاب عند تعريفهم لها , وأشار إلى صعوبة إيجاد تعريف جامع مانع لظاهرة العولمة التي لم تكتمل بعد , ولم تستقر على شكل نهائي.

وفي الباب الأول , الذي يحمل عنوان , العولمة والحداثة , جاء الفصل الأول موضحاً ومناقشاً مقدمات العولمة , في ضوء التحولات الحداثية المبكرة , التي تجلت , اقتصادياً وسياسياً في مشروع الرأسمالية التجارية , التي امتدت منذ الاكتشافات الكبرى , نهاية القرن الخامس عشر , حتى نهاية القرن الثامن عشر , وتجلت معرفياً في فلسفة النهضة والتنوير الأوربي التي شكلت الأساس الفلسفي لمختلف التحولات التاريخية للحداثة للرأسمالية اللاحقة .

وجاء الفصل الثاني مناقشاً إشكالية العولمة والمسار الحداثي للرأسمالية , حيث قدم عرضاً تحليلياً ونقدياً , لتلك الطرق والمسالك , التي اتبعتها الرأسمالية لعولمة نمط الإنتاج الرأسمالي من خلال التوسع في الأسواق والمبادلات , وعولمة النقل والموصلات , وناقش ظاهرة الاستعمار وعولمة الرأسمالية بقوة السلاح , من خلال الغزو والاحتلال لبلدان عديدة في أسيا وأفريقيا , وبناء الإمبراطوريات الاستعمارية, التي امتدت إلى مختلف أنحاء الأرض تقريباً ,وناقش ظاهرة العولمة التي ارتبطت بمرحلة الحداثة , التي وصلت ذروتها مع نهاية القرن التاسع عشر , وبداية القرن العشرين , لكنها تعثرت لاسباب بينتها الدراسة قبل أن تعود الرأسمالية مع نهاية الحرب العالمية الثانية لكي تعيد تجديد نفسها , وتتجاوز أزماتها , وتؤسس من خلال ذلك لقيام العولمة الراهنة ,التي ناقشها الباحث في نهاية هذا الفصل من الدراسة , باعتبارها آخر مرحلة في تحولات العولمة عبر مسارها التاريخي منذ بداية نشأتها في المراحل المبكرة من التحول الحداثي إلى مرحلة ما بعد الحداثة , وما بعد المجتمع الحداثي .

وجاء الفصل الثالث , لمناقشة العولمة في الخطاب الفلسفي للحداثة , موضحاً كيف شكلت هذه الأخيرة تأسيساً فلسفياً لخطاب العولمة الراهن , وجاء هذا الفصل على أربعة نماذج من فلاسفة الحداثة , وهم : 1- هيجل , من خلال العودة معه إلى مقولة نهاية التاريخ , وربط هذه المقولة , التي تنتمي تاريخياً , إلى الخطاب الفلسفي للحداثة , مع مقولة نهاية التاريخ عند فوكوياما الذي ينتمي إلى عصر العولمة الراهن وما بعد الحداثة . -2- ماركس من خلال العودة لمناقشة , وتحليل , تلك الرؤى والأفكار المبكرة حول العولمة , موضحاً , كيف عبرت تلك الأفكار عن مرحلة أساسية في التحولات الفكرية للعولمة , في الحداثة .

ـ3ـ وجاءت الدراسة على فيلسوف حداثي آخر , هو مارتن هيدجر , من خلال مناقشة موضوع " الحداثة والتقنية والعولمة " على ضوء كتابه "الفلسفة في مواجهة العلم والتقنية" بشكل خاص . ـ4ـ أخيراً هابرماس من خلال مناقشة نظريته في العقلانية التواصلية , وما تقود إليه من مواقف مدافعة عن مشروع الحداثة , باعتباره مشروع لم يكتمل بعد , وناقش على ضوء ذلك الموقف الفكري والفلسفي الذي يتخذه هابرماس من العولمة الراهنة , بتجلياتها المختلفة , موضحاً أن فلسفة هاربرماس قد تشكل , في نهاية المطاف دعوة إلى عولمة إنسانية بديلة , تقوم على لغة الحوار والتواصل بين الشعوب , قائمة على ما يسميه بـ الإجماع العالمي , وليس الاستبعاد والهيمنة والإقصى للآخر .

 

في الباب الثاني الذي يحمل عنوان : العولمة وما بعد الحداثة , جاء الفصل الأول الموسوم بـ العولمة في ضوء التحول ما بعد الحداثي , لمناقشة وتحليل إشكالية العلاقة بين العولمة وما بعد الحداثة في ضوء التحولات الفكرية الراهنة التي شهدها العالم بشكل عام, خصوصاً بعد انهيار ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي , وتعميم النظام الرأسمالي على المستوى العالمي , فضلاً عن ظهور تيارات فكرية وفلسفية جديدة لها توجهاتها ورهاناتها الفلسفية الجديدة , ومنها فلسفة ما بعد الحداثة , التي كانت الأكثر حضوراً على ساحة الفكر الإنساني , وأوضح كيف شكلت فلسفة ما بعد الحداثة , تأسيساً معرفياً مهماً للخطاب السياسي والفلسفي للعولمة الراهنة .

ثم جاء الفصل الثاني لمناقشة إشكالية التلاقي والاختلاف بين العولمة والخطاب الفلسفي لما بعد الحداثة ,انطلاقاً من أن العولمة , وما بعد الحداثة , قد يلتقيان في نقاط معرفية معينة , ولكنهما قد يفترقان عند نقاط أخرى , وقد جاء هذا الفصل على إثنين من أبرز ممثلي الفكر الفلسفي لما بعد الحداثة وهم جاك دريدا وجان فرانسوا ليوتار.

 

وجاء الفصل الثالث والأخير من الباب الثاني والدراسة عموماً , موضحاً ومناقشاً العولمة من خلال أحد تجلياتها المهمة , وهي ثورة الاتصالات والمعلوماتية, حيث قدم , قراءة تحليلية ونقدية لمشكلة العلاقة بين العولمة والمعلوماتية , وبيَّن كيف شكلت هذه الأخيرة بعداً أيديولوجياً آخر لخطاب العولمة الراهنة , مُوضحاً كيف أن العديد من أقطاب الفكر الفلسفي كانوا قد تنبهوا لهذا الإشكالية منذ منتصف القرن العشرين , تقريباً , كما ناقش مسألة خضوع وسائل الاتصال والإعلام والمعلوماتية الجديدة لمنطق السوق , والسيطرة عليها من قبل أمراء رأس المال المعولم , ليصبح التأثير , في الرأي العام العالمي بأيدي المسيطرين على تكنولوجية الاتصال والمعلوماتية . ليكشف بذلك عن أن تلك التخمة الاتصالية والمعلوماتية , التي وفرتها الثورة التكنولوجيا الهائلة في هذا المجال , لا تعني بالضرورة إعلاماً موضوعياً وديمقراطياً .

 

وقد جاءت خاتمة الرسالة واستنتاجاتها الأخيرة مترجمة ومعبرة عن تلك المعطيات التي قدمتها الدراسة عبر مراحلها المختلفة , وكانت أبرز هذه النتائج التي توصلت إليها الدراسة هي : تقديم تصور جديد بشأن تقسيم مراحل التحولات الفكرية للعولمة , يختلف عن التصورات السابقة , التي كانت قد رأت أن العولمة مرت بست مراحل تاريخية عند البعض , أو خمسة مراحل عند البعض الآخر , في حين أن الدراسة قد توصلت إلى القول : بأن العولمة قد مرت بثلاث مراحل من التحولات الفكرية العامة التي شكلت خط مسار تطورها التاريخي منذ بداية تبلورها , حتى الوقت الراهن .

ترتبط المرحلة الأولى من التحولات الفكرية للعولمة , بالحداثة المبكرة التي تبدأ بعصر النهضة الأوربية وتستمر حتى نهاية عصر التنوير وفلسفة كانط بشكل خاص . في حين أن التحول الفكري الثاني للعولمة هو ما عبرت عنه الحداثة الغربية, بكل تنويعاتها وتجلياتها المختلفة التي اتسمت بالنزوع إلى العالمية وقادت إلى التدويل , وأحدثت تنويعات أو نماذج حداثوية أخرى من صنع الآخر غير الأوربي في مناطق أخرى من العالم .

أما المرحلة الثالثة , من التحولات الفكرية للعولمة , فقد رأينا أنها تبدأ متزامنة مع ظهور تيارات ثقافية جديدة , منها ثقافة ما بعد الحداثة , وعلى ضوء ذلك جاء الباب الثاني من الدراسة مكرساً لمناقشة إشكالية العلاقة بين العولمة وما بعد الحداثة.

وفي ضوء هذا التصور الجديد للتحولات الفكرية للعولمة , فقد توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج العامة الأخرى للبحث , جاءت وفقاً لتلك المقدمات النظرية , التي انطلقت منها الدراسة , واتبعت في تحليلاتها ومناقشاتها لإشكالياتها المختلفة مجموعة من المناهج التي اقتضتها طبيعة موضوع الدراسة من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف الدراسة والوصول إلى النتائج القائمة على الدقة والموضوعية في البحث عبر مراحل وفصول الدراسة المختلفة .


 


انشء في: أحد 1 مارس 2015 16:10
Category:
مشاركة عبر