مفهوم الاسفت في مصر القديمه

علي عبد الحليم علي علي عين شمس الاداب الاثار ماجستير 2004

                                                                مفهوم الاسفت في مصر القديمة

تنقسم الدراسة إلي جزأين؛ الأول هو النصوص، والثاني هو الدراسة التحليلية التي تشمل تسعة فصول: الفصل الأول هو الدراسة اللغوية لكلمتي إسفت وإسفتيو، فالإسفت صفة مستخدمة كاسم، وهي مشتقة من الفعل ""إسف"" بمعني (يخطئ)، ولم تستخدم استخداماً تابعاً، كما لم يأت بعدها نعت إلا نادراً، ولم تسبقها أداة تعريف، ولم تتبعها صفة إشارة، ويمكن تقريبها من الكلمة العربية فساد. وبلغ عدد أشكال كتابة الإسفت والإسفتيو أكثر من مائة وستين شكلاً كتابياً منها الشائع المتكرر ومنها النادر، ويلاحظ تطور هذا الشكل الكتابي تاريخياً بإضافة متممات صوتية ومجموعات كتابية وحروف ليست أصيلة. كما أن للإسفت ثلاثة وعشرين مخصصاً، أهمها العصفور النيلي أو ما يُعرف بطائر الشر. واستُخدمت مع الإسفت تعبيرات أهمها وضع ماعت مكان إسفت وتحريم الإسفت والخلو منها.

يتناول الفصل الثاني المفهوم العام للإسفت أي الشر، وتم التأكيد هنا علي أسبقية الإسفت علي الماعت في خلق الكون المصري؛ فالإله الأول طرد الإسفت وقُواها وحدد مملكته بسور وهو يقوم بتوسيع حدوده بين حين وآخر علي حساب مملكة الإسفتيو الذين يحاولون استعادة حدودهم، وهذا الشيء يذكر المرء بسياسة توسيع حدود مصر وتكوين خطوط دفاعية خارج البلاد.

أما الفصل الثالث فيتحدث عن المفهوم السياسي للإسفت بمعنى التمرد والثورة والانقسام والتفكك السياسي وذلك لعوامل داخلية وخارجية؛ حيث تشير الإسفت إلى عصر الانتقال الأول وفترة أخناتون وعبرت الإسفت أيضاً عن أعداء مصر بشكل واضح في عصر الرعامسة. ويلاحظ ارتباط هذا المفهوم بالنظام الكوني؛ فقد نظر المصري إلى الأجانب على أنهم أعداء هذا النظام وكان يشير دائماً في قضاء الملك على الإسفت إلى أحداث كونية تعود إلى الزمن الأول. وتذكر النصوص أسباب وجود الإسفت ومظاهرها وكيفية التخلص منها.

الفصل الرابع هو عن المفهوم الاجتماعي للإسفت بمعنى الظلم والإجحاف وعدم التكافل والتضامن وكذلك الانقلاب الاجتماعي لغياب المعايير والأعراف، وهذا المفهوم يرتبط أيضاً بالنظام الكوني فبعد أن أخمد الخالق الإسفت فإن قلوب قد أدخلتها إلى الكون المنظم ضد خالقها. ولكي يتم التخلص من الإسفت وتحقيق الماعت فإنه يجب توافر الانسجام بين طبقات وفئات المجتمع.

كان للمجتمع والأسرة دور هام في تربية الأخلاق مما أدى على الحديث عن المفهوم الأخلاقي للإسفت في الفصل الخامس، ويه هنا الذنب والرذيلة والخطيئة. ويعتمد هذا الفصل على شيئين هما المحاكمة والتطهر من الإسفت؛ فالمحاكمة تمثل قمة النمو الأخلاقي، ويؤكد المتوفى قبل وأثناء وبعد هذه المحاكمة أنه خالِ من الإسفت ولم يفعلها وإن فعلها فإنه يأتي إلي الآلهة ليخلصوه منها بأسلوب يعبر عن التطهر الذي كان يتم في أماكن عدة أهمها جزيرة النار وبحيرة النار وإهناسيا حيث البحيرتان الكبيرتان وهو شيء يرتبط بدوره بالتحنيط ونقاء السريرة. ويلاحظ هنا ارتباط المحاكمة والطهارة بشروق الشمس الذي يحدث كل صباح بانتصارها علي الظلام بعد تطهرها فيشرق السماء، لذلك فإن هدف المتوفى دائماً هو الخروج بالنهار أو مثل الشمس.

والفصل السادس عن الإسفت والنظام الكوني؛ فبعد أن أدي كل من الملك والمجتمع والفرد في المفاهيم السابقة دورهم في طرد الإسفت فإنهم يحققون النظام الكوني الماعت. وفي هذا الفصل تعني الإسفت الفوضى السابقة علي الماعت، ويمثلها أبوفيس ثعبان الظلام والذي يحاول اختراق النظام في أوقات معينة مثل الليل وأيام النسيء وفترة التحاريق، وتعبر تقدمة الماعت عن طرد الإسفت بشكل رمزي بالإضافة إلي تصوير المعارك الحربية والاحتفالات واستخدام السحر.

وكما أنه لكل فعل فاعل فإن لكل إسفت إسفتيو لذا يتناول الفصل السابع الإسفتيو وعقابهم، فهم الأشرار والمذنبون والمجرمون، وهم المناهضون للنظام ويمثلهم- علي المستوي الكوني- أبوفيس وأتباعه وعلي المستوي السياسي ست وعصابته. ولهؤلاء الإسفتيو أماكن يسكنونها هي المحيط الأزلي قبل الخلق، وخارج الحدود التي وضعها الخالق. كما تنوعت وسائل عقاب الإسفتيو بين الذبح القتل والطرد ووجدت عقوبة نفسية تمثلت في عدم قبول قربانهم والإعراض عنهم، وأوردت النصوص أن عقابهم يتم في محاكمة رسمية تبدأ بإحضارهم إلي المحكمة وإصدار الحكم عليهم ثم تقييدهم وذبحهم وقتل أرواحهم ليكون فناؤهم أبدياً، وكل هذا يحدث في زمن معين هو يوم حساب السارقين.

والفصل الثامن يتحدث عن الآلهة المرتبطة بالإسفت؛ فالآلهة هم أحد مقاييس الخير والشر وهم يحبون الماعت ويكرهون الإسفت ويطردونها ويعاقبون فاعليها. وأهم هذه الآلهة رع وصورته الليلية أوزير؛ فالإله رع هو رب النور والشمس التي تطرد الظلام والإسفت وهو خالق الماعت، وعدوه هو أبوفيس، أما أوزير فهو يحكم بين الموتى بالماعت، وعدو هو ست.

يناقش الفصل التاسع الأماكن وعناصر الجسم المرتبطة بالإسفت وأهم هذه الأماكن جزيرة النار المرتبطة بنشأة الكون والتطهير والتخلص من الأعداء حيث تذكر النصوص إحلال الماعت مكان الإسفت في جزيرة النار، هذا بالإضافة إلي أماكن أخري أهمها المحكمة والقصر الملكي وإهناسيا وكلها تشترك في القضاء علي الإسفت وترتبط بالشمس المشرقة كل يوم. وعناصر الجسم المرتبطة بالإسفت تمثل الجسد والقلب والروح والاسم وغيرهم ويأتي علي رأسها القلب العنصر المعنوي والذي يمثل ضمير المرء في المحاكمة ويؤكد صاحبه في جميع الحالات أنه خالٍ من الإسفت. وتعبر هذه العناصر بشقيها المادي والمعنوي عن الطهارة والنزاهة في خلوها من الإسفت.

والهدف من كل ذلك هو الخلود: الصفة الأساسية للشمس التي تحيا إلي الأبد بشكل مستمر، فالتواصل هو الماعت والانقطاع هو الإسفت."


انشء في: اثنين 2 يوليو 2012 20:03
Category:
مشاركة عبر