الحياة الفكرية في إقليم فرغانة من الفتح الإسلامي حتى الغزو المغولي (96 – 618هـ/ 714 – 1221م)
نهى إسماعيل عبد الباقي داود, ,عين شمس ا لبنات, التاريخ, دكتوراه 2009
تمخض عن دراسة الحياة الفكرية لإقليم فرغانة من الفتح الإسلامي حتى الغزو المغولي عدة نتائج أهمها:
أن تشجيع الخلفاء، والسلاطين، والأمراء، للعلماء، وطلاب العلم، ومساهمتهم في بناء المدارس، والمساجد والزوايا، والأربطة والإنفاق وعلى طلاب العلم؛ كان له أبلغ الأثر في النهضة العلمية في إقليم فرغانة.
وأوضحت الدراسة أن موقع إقليم فرغانة كثغر إستراتيجي هام من ثغور بلاد ما وراء النهر؛ كان من أهم الأسباب التي دفعت المسلمين إلى فتحها منذ وقت مبكر فتوالت عليه الفتوحات الثغرية التي تمت في العصر الأموي، ثم العباسي.
خلصت الدراسة إلى أن جوار إقليم فرغانة للصين كان له أكبر الأثر في المزج الحضاري العربي- الصيني بين البلدين، ويكفي ما تعلمه المسلمون عن صناعة الورق من الصين؛ التي أدت إلي ظهور المؤلفات العلمية وإثراء الحياة الفكرية.
كما أكد البحث أن سياسة التسامح التي إتبعها الفاتحون، والقادة المسلمون – وعلي رأسهم قتيبة بن مسلم الباهلي- أدت إلى دخول أهالي فرغانة في الإسلام، وتعلمهم اللغة العربية في المساجد التي بناها قتيبة، وغيره من قادة الإسلام، وإستطاع المسلمون بذكاء التقريب بين عناصر السكان المختلفة في فرغانة، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات مما أدى إلى الإستقرار الاجتماعي الذي أدى بدوره إلى الإبداع الفكري والتطور العلمي.
وخلصت الدراسة إلى أن إستقرار فرغانة، وثراءها إقتصادياً كان له أثره في الثراء الفكري.
أثبتت الدراسة أن تضافر مجموعة من العوامل- كموقع إقليم فرغانة، وضعف الخلافة العباسية، وظهور الدويلات المستقلة، والطرق التجارية وغيرها من العوامل مجتمعية- أدت جميعها إلى تهيئة المناخ الملائم للنهضة الفكرية بفرغانة.
كما أثبتت الدراسة أن الضعف، والإنقسام السياسي ليس من الضرورة أن يصحبه إنحطاط فكري، بدليل أن ضعف الخلافة العباسية، وانقسام الدولة إلى دويلات مستقلة كان من أكبر العوامل في النهضة الفكرية للإقليم وذلك لقيام كل دويلة مستقلة باجتذاب العلماء، وتشجيعهم للمفاخرة على الدويلات الأخرى.
وأوضحت الدراسة أن كور، ومدن، وقرى فرغانة كانت مراكز علمية كأخسيكث، وخجنده، وأوش، وقبا، و أوزكند، ومرغينان، وجدغل، وغيرهم، حيث إهتم الأمراء ببناء المساجد، والمدارس، والزوايا، والربط، ونظموا الأسواق التي كثيراً ما عقدت فيها حلقات العلم.
كما أثار البحث مجموعة من الإشكالات المتضاربة خاصة فيما يتعلق بأيهم كان أكثر دوراً في التأثير علي الحياة الفكرية اللغة العربية- كلغة جديدة فرضتها الظروف السياسية- أم الشعوبية التي تمثلت في إعتزاز القوميات التركية، والفارسية بلغاتهم الأصلية ومحاولة النهوض بها وإحيائها في مواجهة التعريب؟.
أثبتت الدراسة أن اللغة العربية قد تغلغلت في المجتمع التركي الفرغاني علي الرغم من أن تعريب الإقليم لم يكن تعريباً تاماً، وعلي الرغم من بقاء الترك في الحكم الداخلي للإقليم تحت إشراف الحكومات الإسلامية. إلا أن اللغة العربية أثبتت وجودها ويتضح ذلك من الكم الهائل من المؤلفات العلمية لعلماء فرغانة التى صيغت بلغة عربية صحيحة وصبغت بالصبغة الإسلامية؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل علي تحقيق نوع من التعايش ، وتوحيد الثقافة كرد فعل للظروف السياسية للإقليم.
كما أوضحت الدراسة أن الصراع المذهبي السني- السني، والسني- الشيعي كان من أكبر عوامل إزدهار الحياة الفكرية، فقد أدى إلى نشاط علمي كبير؛ تمثل في أن فقهاء كل مذهب، وفرقة صنفوا الكتب، وعملوا جاهدين على نشر مذهبهم، وآرائهم عن طريق التأليف والمناظرة، بل أنهم أنشأوا مدارس لخدمة مذاهبهم الفقيهة.
وخلصت الدراسة أن كل كور، ومدن، وقرى فرغانة لم تخل من مؤسسة علمية كالكتاتيب، والمساجد، ولم تخل واحدة منها من علماء في الحديث، أو الفقه، أو التفسير، أو النحو، أو اللغة،.... وغيرها من العلوم.
وأثبتت الدراسة أن علماء فرغانة لم يبخلوا بعلمهم علي غيرهم فقد ارتحلوا يعلمون غيرهم في البلدان الإسلامية الأخرى، ويتعلمون منهم فيفيدون ويستفيدون، فكانوا إرحالة في طلب العلم لم تعوقهم حدود أو رسوم.
أثبتت الدراسة أن النتاج العلمي لعلماء فرغانة كان عظيماً في مجال العلوم النقلية عنه في العلوم العقلية، وهذا أمر حتمي لإمتزاج الثقافات، والتدرج في إستيعاب العلوم، فمن الطبيعي في بلد إسلامي جديد أن يكون كل الإهتمام منصباً علي علوم هذا الدين الجديد؛ للتعرف عليه، وفهمه فهماً صحيحاً؛ حتى يتقنوها ثم يتجهوا إلى العلوم العقلية التي تحتاج إلى الإبداع والاتقان.
أفادت الدراسة إلى أن أكثر علماء فرغانة قد إتجهوا في رحلاتهم العلمية إلى الحواضر الإسلامية في ذلك الوقت كمرو، وسمرقند، وبغداد، وخراسان، حيث أن هذه الحواضر قد مثلت مراكز علمية كبيرة، وسابقة على فرغانة في التقدم الفكري لقربها من مراكز حكم السلاطين، وكثرة المدارس بها، وخاصة النظامية.
خلصت الدراسة إلى أن فرغانة تميزت بشخصية مستقلة في مجال الدراسات الشرعية والدراسات اللغوية والنحوية، ولذلك إنكب عليها علماء البلاد الأخرى، ليأخذوا عن علمائها هذه العلوم التي برعوا فيها.
كما أوضحت الدراسة إلى أن علماء فرغانة قد امتازوا بكثرة الرحلة في طلب العلم فلا تكاد تجد عالما من علمائها إلا وخرج لطلب العلم، وما ذلك إلا سمة علماء ذلك العصر في المشرق والمغرب الإسلامي.
كما أكدت الدراسة على إهتمام علماء فرغانة بالرواية المسندة في الدراسات الشرعية. وتحروا في رواية الحديث خوفاً من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما اهتموا بالفتوى فنجد أن أغلب فقهائها جلسوا للفتوى، والمناظرة، وكانت مساجد فرغانة مليئة بتلك المجالس.
كما أثبتت هذه الدراسة براعة علماء فرغانة في مجالات عدة دون تخصص في علم معين فنجد أحدهم عالماً بالقراءات، والنحو، واللغة، والأدب في آن ، وآخر فقيه، ومحدث، وطبيب، وشاعر، وفيلسوف، وهذا يدل على ثراء العقل الفرغاني، وحبه للعلم، والصبر، والمثابرة على طلبة وتحصيله، وبذل كل غال وثمين في مقابل الإستزادة من العلم والإنتاج الفكري، وما ذلك إلا سمة علماء ذلك العصر بوجه عام.
وخلصت الدراسة إلى أن المراسلات بين علماء فرغانة وعلماء البلدان الأخرى خاصة بلدان ما وراء النهر – كسمرقند، وبخارى، وطشقند، والشاش، وأشروسنه وخراسان- كانت تمثل جانبا من جوانب الحركة الفكرية في فرغانة.
وأكدت الدراسة على براعة الفرغاني في كل المجالات كجندي في جيش الخليفة، أو الأمير، وكحاكم لأحد أقاليم الإسلام كإخشيد مصر، وما يهمنا نجاحه كعالم أثري البشرية بعلمه وعطائه.
كما خلصت الدراسة إلى أنه على الرغم من ضياع جهود علماء فرغانة وإنتاجهم العلمي، والفكري من جراء الغزو المغولي لها، وتدمير مؤسساتها إلا أن بعض آثارها لازالت باقية إلى اليوم، تشهد على براعة هذا الشعب الذي إمتد أثره خارج فرغانة، فنتائج ابن كثير الفرغاني -الفلكية- لازالت تدرس إلي اليوم.
أثبتت الدراسة أن الإسلام هو أكبر العوامل التي أثرت في الازدهار الفكري في فرغانة، ووجه العقل الفرغاني وجهته نحو الإبداع الفكري والحضاري.
أكد البحث بزوغ نجم العلوم النقلية بفرغانة وتخصص الفرغانيون في كافة فروعها وشهدت نهضة فكرية كبيرة إلا أن إجتهاداتهم لم تخرج عن المألوف في المجال المتاح لديهم فقد حرصوا علي الإلمام بقراءات القرآن الكريم المعروفة آنذاك وتدريسها، والتأويل في التفسير كلاً وفق مذهبه وآرائه الفقهية، والإسناد في الحديث وإن إختلفت أسانيدهم بإختلاف مذاهبهم ودارت المؤلفات الفقهية حول رد كل فريق علي الفريق الآخر وإيراد الحجج والأسانيد التي تدعم أفكارهم.
استخلصت الدراسة أن السمة العامة التي غلبت علي العلوم العقلية هي السمة التجريبية العملية، التي تستند علي التجريب العلمي للنظريات المترجمة عن اليونانيين، والسريانيين، وغيرهم، وتجلى ذلك في نتائج علماء فرغانة في الفلك، والعلوم الرياضية، فكلها قامت علي التجربة العملية، فلم يقبلوا هذه النظريات المترجمة كما هي دون التأكد من صحتها. وهنا تجلت براعة الفكر الفرغاني وإعماله للوصول إلي حقائق الأشياء.
كما أكد البحث تميز الفكر الفرغاني بالسيولة؛ فقد إنتشر في معظم أرجاء العالم الإسلامي شرقا، وغرباً بل وامتد أثره خارج حدوده المشرق الإسلامي. مما كان له أكبر الأثر إستمرارية هذا النتاج الذي لولا إنتشاره لفني أثر الغزو المغولي في أقاليم المشرق الإسلامي.
وانتهت الدراسة إلى نتيجة هامة وهي ضياع آلاف المخطوطات التي خطها العلماء الفرغانيون في شتى المجالات؛ نتيجة الغزو المغولي عليه. ولولا هذا الغزو لكان لعلماء فرغانة أثر أكبر وأعمق مما هو عليه الآن، وحتى المتبقي من هذا النتاج مهمل فلا يزال معظمه مخطوط لم تقترب منه يد التحقيق حتى يمكن الإستفادة منه بشكل أكبر.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة