الكفاءة في عقد النكاح دراسة فقهية مقارنة
أحمد إبراهيم يحيى يابس اليمني, ,القاهرة, دار العلوم, الشريعة الإسلامية, ماجستير 2005
هذه الرسالة الموسومة بالكفاءة في عقد النكاح - دراسة فقهية مقارنة، والتي تمت بتوفيق من الله تعالى وفضله وكرمه، وله الحمد والشكر على ذلك، يجدر بي أن أقدم خلاصة هذه الرسالة مع أهم ما وصلت إليه هذه الدراسة من نتائج وهي على النحو الآتي:
1- إن الإسلام أرسى مبدأ المساواة بين الناس، واعتبر أن التقوى والعمل الصالح هما معيار التفاضل بين البشر ، وما دون ذلك فهو دنيا الناس ، والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة . والإسلام قد سوى بين الجميع في الحقوق والواجبات العامة ، لا فرق في ذلك بين الغني والفقير ، أو الحاكم والمحكوم ، كما أعطى لغير المسلم ما أعطاه للمسلمين من حقوق ، وأوجب عليهم ما أوجبه على المسلمين من الواجبات , فالإسلام دين الفطرة، وهو شامل لكل ما يحتاجه الإنسان في حياته الانفرادية والاجتماعية , وهو يهتم بالفرد ويشرع له ما يناسب فطرته ونفسيته , وينظم علاقته بالخالق والمخلوق؛ ليعيش سعيدا في هذه الحياة الدنيا , وليفوز بالجنة في الآخرة , وعبر هذا الإنسان الفرد الذي يمثل اللبنة الأولى في المجتمع ينشأ مجتمع صالح متساوٍ في كافة الحقوق والواجبات ليس لأحد فيه على أحد فضل إلا بالتقوى والعمل الصالح.
2-إن الفقه الإسلامي هو العلم الذي شمل جوانب الحياة كلها عقيدة وعبادات، ومعاملات وأخلاقا وآدابا، وزهدا وورعا، وحدودا وجنايات، وحقوقا زوجية وواجبات عائلية، وهو العلم الذي يقوم أساسا على الشريعة الإسلامية التي هي شريعة الله ? والخلاصة لكل الشرائع السماوية السابقة، وقد اكتسب كثيرا من سمات الشريعة الإسلامية التي مرجعها وحي الله تعالى, فهو أساس التشريع والقضاء والفتوى في العالم الإسلامي كله طيلة ثلاثة عشر قرنا، تبدلت فيه النظم وتغيرت الأوضاع والأحوال، فلم يضق صدره بمشكلة، ولم يقعد عن الوفاء بمطلب، بل كان لديه لكل حادثة حديث، ولكل واقعة حكم، ولكل مسألة حل وعلاج، وما مسألة الكفاءة التي تمثل المساواة بين الزوجين في عقد النكاح إلا واحدة من هذه المسائل الكثر فيه.
3- إن التكافؤ بين الزوجين سبب في دوام الود واستمرار الحياة الزوجية بينهما، وهذا ما يؤيده الواقع فعندما يكون الزوج كفئا لزوجته في الصلاح والتقوى فإن هذا الزواج يغشاه الوئام والتوازن والانسجام، ويكتب له بمشيئة الله تعالى الاستقرار والدوام، ويتكون من خلاله مجتمع متماسك البنيان يسوده الأمن والاستقرار، فما المجتمع إلا مجموعة من الأسر تآزرت فيما بينها وتعاضدت فكان المجتمع, ومتى كان الزوج كفئا لزوجته كان ذلك أدعى لاستقرار الحياة الزوجية وأحفظ لها من الفشل والإخفاق.
ومن هنا جاءت أهمية الكفاءة بين الزوجين في عقد النكاح التي كانت محل اهتمام فقهاء المسلمين وأئمة المذاهب لما لها من أهمية كبيرة في بناء الأسرة المسلمة التي تشكل وحدة اجتماعية واقتصادية وسياسية يقوم عليها المجتمع كله.
4- إن النكاح رابطة مقدسة بين طرفين تقوم على التراضي المتبادل بينهما ليحقق هذا النكاح الأهداف المرجوة من مشروعيته المشتملة على المحافظة على النسل، وإشباع الغريزة الفطرية عند الإنسان، والمحافظة على رابطة النسب بين البشر، وتحقيق السكن النفسي، والطريق الأمثل لغض البصر وتحصين الفرج، ثم ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة، مع الأمل في تكثير الأمة وحفظها من الزوال والإذلال، وبالنكاح تكتمل خصائص الرجولة عند الرجال والأنوثة عند النساء، ثم التأكيد على أن النكاح سبب في الغنى وقد شرع استجابة لنداء الله ?.
ويكون هذا النكاح على مراتب خمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة؛ فيكون واجبا إذا كان الشخص قادرا على مؤن النكاح من المهر والنفقة والحقوق الزوجية، وتأكد له أنه سيقع في الزنا إذا لم يتزوج؛ ويكون مندوبا إذا كان الشخص معتدلا لا يخشى على نفسه من الوقوع في الزنا إن لم يتزوج، ولا يخشى الوقوع في الظلم إذا تزوج؛ ويكون مباحا إذا كان النكاح وعدمه عنده سواء، بحيث لم يكن تائقا إليه مع أنه يجد الأُهْبة وليس به علة وكان مقبلا على العبادة؛ ويكون مكروها إذا خاف على نفسه الوقوع في الظلم إن تزوج؛ ويكون حراما إذا كان الشخص غير قادر على تكاليف الزواج، وكذلك إذا كان قادرا عليها ولكنه موقن بأنه سيقع في الظلم لزوجته إن تزوج، والحكم سواء إذا علم أنه سيظلم إحدى زوجاته بهضم حقوقها وسوء معاشرته لها، إذا أراد التعدد في الزوجات، وذلك بميله إلى واحدة منهن وإعراضه عن الأخريات، فالنكاح في هذه يكون حراما؛ لأنه يؤدي إلى الظلم، وما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.
5- وجود ترابط وصلة بين المصطلحات الأصولية السبعة وبين الكفاءة في عقد النكاح.
6- الكفاءة في عقد النكاح تعني أن يكون الزوج مساويا لزوجته في أمور مخصوصة كالدين والخلق والتعليم والسلامة من العيوب أو مقاربا لها في اليسار والحرفة والحرية والنسب.
7- إن التكييف الفقهي للكفاءة في عقد النكاح عند الفقهاء لا يخرج عن كون الكفاءة شرطا في صحة عقد النكاح، وبهذا قالت الحنفية في رواية الحسن المختارة للفتوى وبعض المالكية , ورواية عند الإمام أحمد وأحد قولين للشافعية؛ أو كون الكفاءة شرط لزوم لعقد النكاح، وبهذا قال جمهرة أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة؛ أو كونها شرط لزوم ولكنها محصورة بالدين والحرية والسلامة من العيوب المنفرة ولا يدخل فيها كفاءة النسب ولا الحرفة ولا المال، وبهذا قالت المالكية وهو الأولى؛ أو أنها معتبرة في أصلها ولكنها ليست شرطا في عقد النكاح، وبهذا قال الإمام الكَرْخِي والإمام الجَصَّاص من الحنفية وهو قول عند الحنابلة رجحه الإمام ابن قدامة , ورأي ابن حزم، وعليه جمع من الصحابة والتابعين كعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعائشة وعمر بن عبد العزيز وسفيان الثوري والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم.
8- إن وقت اعتبار الكفاءة يكون منذ تعارف الأسرتين وارتباط العلاقة بينهما إلى أن ينتهي مجلس العقد، فيدخل في ذلك مقدمات الزواج من الخطوبة وما يتعلق بها، وكذا تحديد المهر والكلام فيه ومعرفة أسس اختيار الزوج والزوجة؛ بغية عدم التدليس والغرر من قبل الزوج أو الزوجة أو أوليائهما، فإذا حدث مثل هذا يحق بعد ذلك فسخ النكاح من قبل ولي المرأة,كما أن صاحب الحق فيها عن كونه حقا للرجل على المرأة أم حقا للمرأة على الرجل ,في حين لا يمنع أن يكون هذا الحق يشترك فيه الأولياء,ويحق لكل من الرجل إسقاط حقه في الكفاءة ,كما يحق للمرأة إسقاط حقها كذلك ,أما الأولياء على تفصيل في إسقاط حقهم في الكفاءة ,وفي الجملة يحق إسقاط الكفاءة من قبل الرجل والمرأة والأولياء ,أما الكفاءة الخاصة بالله عزوجل فلا يحق إسقاطها .
9- إن الكفاءة تنقسم إلى نوعين في العموم كفاءة ذاتية وكفاءة مكتسبة، فالذاتية هي التي تلازم الإنسان وتختص بذاته وهي أربعة أنواع:
الكفاءة في الحرية: وهي التي يتحدث عنها في ذات الشخص هل هو حر أصلا يرجع إلى أصول أحرار لم يمس أحدهم الرق من قبل أم أنه عبد رقيق بأي نوع من أنواع الرق ثم أصبح حرا.
الكفاءة في العمر: وهي ما يختص بالزوج من حيث كونه مساويا للزوجة في العمر بحيث لا يكون صغيرا لا يتناسب مع المرأة المتزوج لها ولا يكون كبيرا لا تدوم معه الحياة الزوجية.
الكفاءة في الصحة: بحيث يكون الزوجان صحيحين ليس بأحدهما مرض ينفر الآخر منه سواء كان المرض خاصا بالرجل أو المرأة وسواء شمل البدن أم لا.
الكفاءة في النسب: وهي ما يختص بكون الزوج مساويا للمرأة في أصول آبائها وأجدادها.
أما الكفاءة المكتسبة فهي الكفاءة التي يمكن الحصول عليها عن طريق البيئة أو المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الفرد وهي التي يمكن أن تختص بالإنسان ذاته, وهي عدة أنواع: كفاءة دينية وهي تعني أن يكون الزوج مساويا لزوجته في الدين والاستقامة والصلاح والامتناع عن المحرمات، وكفاءة مهنية وتعني مساواة الزوجة وأهلها في الحرفة أو يكون الزوج قريبا من ذلك، أما الكفاءة المالية فهي تعني قدرة الزوج على المهر والنفقة على الزوجة ولا ينظر إلى ثراء المرأة وأهلها.
10- -إن الحرية هي الثمرة والترجمة المثالية والعملية للدين الذي ينشد تحرير الإنسان من كل ألوان القيود والعبودية لغير الله تعالى الخالق ، ولذا قدّر الإسلام معنى الحرية وأهميتها وضرورتها لكل إنسان، وجعل الأصل في الإنسان هو الحرية،أما الرق فقد ألغاه, وهيأ أسبابا كثيرة للقضاء عليه ، وحرم سائر مصادره ما عدا رق الأسر ، والرق بسبب الوراثة؛ لأن الرق بسبب الحرب يكون نتيجة لحرب عادلة بين المسلمين وغيرهم وذلك لدفع العدوان عنهم، وحفظ التوازن والعلاقات المتداخلة أو المتشابكة مع الأمم الأخرى، أما الرق بسبب الوراثة فإنه ينتهي إذا ولدت الأمة من سيدها أو مالكها ، وقد انتهى هذا النوع ولا أثر له الآن. ثم إن الشرع الإسلامي لم يبح أن يسترق مسلم أصلا ولا شخص حر وإن كان غير مسلم. وإلغاء الرق كان تدريجيا ، ولم يمحه أو يعجل بالقضاء عليه دفعة واحدة كما فعل ذلك في التدرج بتحريم الخمر؛ لأن التدرج في التشريع سمة من سمات الشريعة الإسلامية، تخفيفا على الناس ومراعاة لظروفهم وأحوالهم وحفزا لهم على الاستجابة والطاعة.
11-إن العمر من أكبر نعم الله على الإنسان ، وهو أثمن شيء عنده في هذا الوجود ؛ لأنه خلاصة حياته التي مر بها أو التي سيمر بها في مستقبل عمره، وهذا العمر يمر بمراحل أو أدوار عدة منها ما يكون العمل فيه كعدمه لعدم أهلية فاعله ، فإذا كان الإنسان في بداية عمره قبل بلوغه فلا يحاسب على عمله فإذا انتقل من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة أصبح مكلفا يجب عليه القيام بالتكاليف التي كلفه الله بها، ويصح منه جميع تصرفاته بيعا وشراء، وهبة ووصية، وزواجا وطلاقا، ونحو ذلك. لكن قد ينتقل من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة وعمله غير مقبول منه حتى يأذن له غيره إما في الإقدام على العمل والاستمرار فيه، وإما أن يمنع من التصرف فيه نظرا لعجزه أو كِبَر سنه أو لغير ذلك من عوارض الأهلية .ومن هنا مُنع الصغير من التصرفات حفاظا على مصلحته, ومن مصلحته ألا يعقد النكاح لنفسه بنفسه ، بل إذا دعا الأمر إلى نكاحه فإن وليه يتولاه على رأي من يرى صحة هذا النكاح , في حين منع هذا النكاح جَمْع من العلماء .
12- الصحة عنصر أساسي للمحافظة على الحياة وتنمية المجتمع وتطوره ، وهي نعمة من الله، و مهداة منه ? يمن بها على من يشاء من عباده، ومع هذا لم تكن مقتصرة على هذا العنصر فقط؛ بل هي تشمل كل ما يتمتع به الإنسان سواء أكان ظاهرا على جسمه يراه الناس أم باطنا لا يراه إلا هو ومن يحق له الاطلاع عليه كزوجه، فإذا حصل العكس وانتُزعت منه هذه الصحة أو بعضا منها وكان للغير الحق في الاستمتاع بها سواء أكان الاستمتاع بالنظر إلى ظاهر هذه النعمة ، أو كان الاستمتاع يختص بباطنها كالجماع ونحوه، وهذا هو ما تعرض له فقهاؤنا رحمهم الله تعالى،وأطلقوا عليه عيوب النكاح بحيث يعرف من خلال هذه العيوب من يصلح للنكاح ومن لا يصلح له؛ لأن العيب غالبا يكون مانعا للنكاح، ولا تدوم بسببه العشرة الزوجية،ولذلك حرصت الشريعة الإسلامية على أن تكون علاقة الزوجين موسومة بالألفة والمحبة ، بحيث يكون الزوجان صحيحين ؛لأن عدم الصحة قد تكون ناتجة عن مرض من الأمراض الخاصة بالبدن أو عيوب من أصل الخِلْقة ،مما قد تعوق الزوج عن واجباته الزوجية التي بها تتحقق الثمرة من عقد النكاح ، وقد لا تكون كذلك ولكنها سبب في ضرر الزوجة بنقل المرض إليها أو بكونه منفرا بحكم الفطرة..
13- إن اعتبار النسب ليس صحيحا على إطلاقه, وإنما يعتبر إذا حافظ المسلم على شرف النسب بأن يكون تقيا صالحا خلوقا, وما لم يكن كذلك فإنه لا يكون جديرا به , وفي هذه الحالة يُقدَّم عليه من لم يَرْقَ إلى شرف النسب إذا كان تقيا ؛ لأن الصلاح والتقوى يرتقيان بصاحبهما إلى ما فوق النسب من الشرف والكرامة , وعلى هذا يكون التفاضل بالنسب بين تقيين فالتقي النسيب يكون أفضل من التقي غير النسيب إكراما لمكانة رسول الله ? ,أما إذا لم يكن التفاضل بين تقيين نسيبين فإن التقي غير النسيب أفضل من النسيب غير التقي؛ لأن التفاخر بالنسب منفردا دون تقوى وصلاح يعتبر من نَخْوة الجاهلية التي نهى عنها النبي ?؛ بل إن الكلام في التكافؤ في النسب بين الزوجين مما لا يليق بمحاسن الإسلام الحنيف؛ لأن الأدلة التي وردت في النسب لم يثبت منها شيء كحديث «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ» وحديث «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» وأثر عمر ? (لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء) وغيرها, بل ثبت خلاف ذلك عن سيد البشر ?, بل التمسك بشرط الكفاءة في النسب قد أدى إلى تعطيل الزواج وعَضْل النساء.
14-إن الكفاءة المالية لا عبرة فيها بكثرة المال، وإنما يكفي فيها القدرة على المهر المتعارف تعجيله، ونفقة شهر إذا كان الزوج غير محترف، أو القدرة على كفاية المرأة بتكسبه كل يوم إن كان محترفا، فمن كان كذلك كان كفئا للغنية ولو كانت ذات أموال طائلة.
والقول بكفاية المهر والنفقة فقط يتناسب مع يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها؛ لأن المهر بدل البُضْع فلا بد من إيفائه، وأما النفقة فهي قوام الزواج ودوامه، فالمرأة محبوسة لحق الزوج وممنوعة بحسب الشرع عن الاكتساب لأَجْله فيكون حبسها عائدا إليه، من أجل ذلك صارت كفايتها عليه؛ لأنها إذا كانت ممنوعة من الخروج ولم تكن كفايتها عليه لهلكت من الجوع, والدين يأبى ذلك والعقل يرفضه. وهذا ما عليه الشافعية والحنابلة وما يفهم من كلام المالكية ، بل رأى بعض الحنفية أن المعتبر في اليسار هو النفقة دون المهر؛ لأنه تجري المساهلة في المهور، ويعد المرء قادرا عليها بيسار أبيه، والمراد بالمهر هو المعجل منه دون المؤجل؛ لأن هذا هو ما جرى عليه عرف الناس واعتادوا فعله والعمل به، أما المؤجل فلا يشترط تواجده وقت العقد؛ لأن العرف جرى على التسامح فيه بالتأخير إلى وقت اليسار,ولأن المال غادٍ ورائح، وهو عارية مستردة، وفقير اليوم قد يكون غني الغد، والله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، ثم إن عدم الغنى لا يترتب عليه إخلال بمقاصد العقد .
15-الدين هو النظام الإلهي الذي يسلك بمن اتبعه سبيل الاستقامة والصلاح في الدنيا ، والنجاة والفلاح في الآخرة فالمراد بالدين الصلاح والتقوى والامتناع عن المحرمات, وليس المراد به هنا الإسلام ؛ إذ أن الإسلام شرط في صحة نكاح المسلم بالمسلمة بالاتفاق ، فلو كان العاقد على المسلمة كافرا فإن العقد يكون باطلا ويجب التفريق بينهما، وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء وإذا كان المراد بالدين هو التقوى, فلا يكون الفاجر الفاسق كفئا للمرأة الصالحة؛ لأن الفاجر الفاسق مردود الشهادة والرواية وغير مأمون على النفس والمال, وذلك نقض في إنسانيته, ويؤيده قوله تعالى : ? أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ? ثم إن المرأة تُعَيَّر بفسق زوجها فوق ما تعير بضِعَة نسبِهِ ، وأن الاعتزاز بالدين والتقوى فوق الاعتزاز بالنسب والمال .
16-لا ريب أن بعض ما ذكره الفقهاء لا يزال معتبرا في مجتمعاتنا الحاضرة، وهو خاضع للتغيير والتجديد، ومع هذا كله فليس صحيحا القول بأن جمهور الفقهاء يعتمد الكفاءة في النسب أو المال أو الحرفة كشرط لصحة النكاح أو لزومه , مع أن هذا الكلام هو الشائع في كتب الفقهاء، وهو غير دقيق كما مضى،لأنك ترى في كل مذهب خلافا كبيرا حول هذا الأنواع حتى إنك لا تكاد تجد مذهبا اتفق فقهاؤه على رأي واحد, فعند الإمام أحمد مثلا تجد روايتين والصحيح عدم الاشتراط ,والرواية عن الإمام الشافعي أن الكفاءة في الدين فقط , وعند الأحناف خالفهم الكَرْخِيّ والجَصَّاص في اعتبار الكفاءة، فضلا عن أن المالكية لا يعتبرون الكفاءة إلا في الدين فقط. لكن لا يحكم على هذا الأقوال بالتضارب، بل هي اجتهادات لكل إمام مذهب , لذا ينبغي أن تحترم؛ لأنها لم تأت من فراغ ,بل لعل الباعث على القول بها هو الأخذ بالأحوط خاصة فيما يتعلق بالفروج, وعلى هذا يكون حسن ظننا بعلمائنا الأئمة الأعلام رضي الله عنهم جميعا، وعباراتهم تدل على عدم وقوعهم في الخطأ عمدا, يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ويقول الإمام مالك رحمه الله: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه, وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: (ما من أحد إلا وتذهب عنه سنة لرسول الله r ، فمهما قلتُ من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله r خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله r وهو قولي) وفي موضع آخر قال (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ? فقولوا بسنة رسول الله ? ودعوا ما قلت) أما الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: فهو أكثر الأئمة تمسكا بالسنة وقد قال (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأيي وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار). هذه هي أقوال سادتنا الأئمة الأعلام رضي اله عنهم جميعا في الأمر بالتمسك بالسنة الصحيحة , والنهي عن تقليدهم دون بصيرة, وقد أوردتها حتى لا يظن ظانٌّ أن البحث في المسائل الفقهية خاصة التي تحتاج إلى نظر فيها يعد مخالفة للمذاهب الأربعة المعتمدة؛ لأن في اعتقادي أن مثل هذا العمل لا يعد خروجا على مذاهبهم بل يكون تأيدا لها.
والله أعلم.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة