الاغتراب الاجتماعي لدي طلاب التعليم الثانوي العام دراسة ميدانيه

ماجده هاشم خليل عين شمس البنات أصول التربية دكتوراه 2004

ملخص الدراسة:

يعد الاغتراب سمة مميزة لإنسان القرن الحادي والعشرين، الذى اتسم بالتغير السريع والمتلاحق في كل ما يحيط به، وخاصة بعد التطور الهائل في تكنولوجيا علوم ووسائل الاتصال والتي جعلت العالم بكل ما فيه من متناقضات بين يدى الفرد، فأحدثت لديه حالة من عدم الاتزان والتأرجح بين القبول والرفض لما يرى ويسمع.

      وتُستخدم لفظة الاغتراب الاجتماعي للتعبير عما يستشره الإنسان الحديث من غربة وزيف الحياة، وما يلمسه فى علاقات الأفراد بعضهم البعض من سطحية واستغلال ولا إنسانية .. إلى آخر هذه المظاهر من الفساد والتفسخ الاجتماعى التى تستشرى فى عالمنا الحديث بصورة تكاد تهدد وجود الإنسان وصحته النفسية.

      وطلاب التعليم الثانوى العام هم إحدى شرائح فئة المراهقين التى تعانى الاغتراب عن المجتمع وعن النفس بحكم المرحلة العمرية التى يمرون بها، فالأزمة الاقتصادية تزداد يوماً بعد يوم، تصاحبها مشكلات ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية والبطالة والعنف والجريمة، وفى الوقت ذاته يعيش هؤلاء عبر وسائل الاتصال والإعلام أحلام الرفاهية والتى لا يستطيع تحقيقها سوى نسبة ضئيلة منهم مما يصيبهم باليأس والإحباط.

      كما انشغلت معظم الأسر المصرية بتوفير ضروريات الحياة عن الاهتمام بالتنشئة السليمة للأبناء، فظهرت من المشكلات التربوية والتى انعكست فى عدة مظاهر أهمها :–

      العنف والتمرد، أو العزلة والانسحاب، وكذلك إدمان المواد المخدرة الذى يلجأ إليه الشباب والمراهقون هرباً من الواقع بمشكلاته.

      كما يسهم المجتمع المدرسى أيضاً فى اغتراب المراهقين، حيث يؤدى المناخ المدرسى غير السليم إلى مشاعر الاغتراب الاجتماعى لدى الطالب من خلال العلاقات السيئة مع الزملاء والمعلمين وغيرهم ومن خلال المناهج الدراسية والخفية والتى كثيراً ما تتعارض مع القيم والمعايير الرسمية للمجتمع فقد تعمد بعض مدارس اللغات من خلالها مناهجها إلى تمثل ثقافة وقيم الغرب مما يزيد من اغتراب الطلاب عن مجتمعهم.

      وترى الباحثة أنه من الأهمية بمكان دراسة ظاهرة الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام، وأهم أسبابه ومظاهره داخل وخارج المدرسة، حيث أن طلاب هذا النوع من التعليم هم المؤهلون للتعليم الجامعى الذى يعد السبيل الأوحد لتبؤ أهم وأخطر الوظائف فى المجتمع مما قد يؤثر تأثيراً بالغاً فيمن سيأتى من أجيال قادمة.

      وقد جاءت الدراسة فى ستة فصول :–

الفصل الأول :

      ويتضمن تمهيد تستعرض فيه الباحثة مظاهر الاغتراب التى عاشها الإنسان على مر العصور والتغيرات التى طرأت على حياته من تقدم صناعى وتكنولوجى، وما صاحب تلك التغيرات من مظاهر اغتراب كان سببها ما صنع الإنسان بيده من آلات وصناعات، وكذلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى عاشها المجتمع المصرى إبان فترة الاحتلال الإنجليزى وما قبل ثورة يوليو، مروراً بسياسة الانفتاح الاقتصادى وتداعياتها السلبية على الفرد والمجتمع وصولاً إلى العولمة، وما تهدف إليه من سحق الهوية العربية وتحويل الأفراد إلى كائنات بلا هوية تميزها عن غيرها باسم اللحاق بركب الحضارة، تستخدم فى ذلك وسائل الإعلام والاتصال وبذلك تجتمع العوامل التى أدت إلى ظهور المشكلة موضوع الدراسة السابق عرضها فى التمهيد والتى انبثقت عنها التساؤلات الآتية :–

1–   ما مفهوم الاغتراب الاجتماعى ؟

2–   ما العوامل المجتمعية المؤثرة فى الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام ؟

3–   ما العوامل المدرسية المؤثرة فى الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام ؟

4–   وما واقع ظاهرة الاغتراب الاجتماعى بين طلاب التعليم الثانوى العام ؟

5–   ما السبل والوسائل التى تساعد على الحد من ظاهرة الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام ؟

      وكانت أهداف الدراسة بناءً على ذلك :

1–   تعريف وتحليل مفهوم الاغتراب الاجتماعى والمفاهيم المرتبطة به تحليلاً فلسفياً.

2–   تحديد بعض العوامل المجتمعية المؤثرة فى الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام.

3–   تحديد بعض العوامل المدرسية المؤثرة فى الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام.

4–   التعرف إلى واقع ظاهرة الاغتراب الاجتماعى بين طلاب التعليم الثانوى العام – دراسة ميدانية.

5–   اقتراح رؤية مناسبة لمواجهة ظاهرة الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام.

الفصل الثانى :

      ويتضمن تعريفاً بأهم أبعاد وخصائص الاغتراب الاجتماعى، وكذلك يتضمن تحليلاً فلسفياً لمفهوم الاغتراب الاجتماعى وبعض المفاهيم المرتبطة به، حيث تناولت الباحثة المفهوم من منظور كل من علم الاجتماع، والفلسفة، والسياسة، وعلم النفس وكذلك من منظور الفكر العربى الإسلامى، وأعقب ذلك تعليقاً على تلك النظريات. كما تناولت الدراسة تحليلاً لمفاهيم الانتماء للمجتمع بوصفه الوجه الإيجابى للاغتراب الاجتماعى، وللهوية القومية بوصفها عامل مساعد على ترسيخ مشاعر وقيم الانتماء للمجتمع وللوطن فى النفوس.

      وقدمت الدراسة كذلك تحليل لمفهوم التغريب الذى يعبر عن تبنى مظاهر حضارة الغرب وتقليدها دون فهم أو وعى، فيصبح هؤلاء المقلدون بلا هوية أو انتماء لمجتمعهم أو حتى لمجتمع الغرب.

الفصل الثالث :

      ويتضمن عرضاً لبعض العوامل المجتمعية ذات الأثر الواضح فى تعميق مشاعر الاغتراب عن المجتمع لدى المراهقين من طلاب التعليم الثانوى العام ومن أهمها :

–     الأزمة الاقتصادية التى أصبحت عائقاً فى سبيل النجاح والتفوق بسبب ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية، وأيضاً عقبة أمام تلبية احتياجاتهم التى تكثر وتتعدد فى هذه السن.

–     وهناك وسائل الاتصال والإعلام التى تبث من البرامج ما لا يتناسب مع قيم ومعايير المجتمع المصرى.

–     يساعد فى ذلك ضعف التوجيه والإرشاد من قبل الأسرة التى انشغلت فى كثير من الأحيان عن ذلك بالسعى لتوفير أسباب المعيشة للأبناء فغاب الوعى الدينى المستنير وزاد الاغتراب عن المجتمع.

      وكانت نتيجة كل ذلك ظهور العديد من المظاهر التى تعكس زيادة الاغتراب الاجتماعى أهمها العنف الذى تطالعنا الصحف كل صباح بأخباره من سرقة وقتل واختطاف واغتصاب وهناك العزلة الاجتماعية كنتيجة لضعف العلاقات الحميمة بين أفراد الأسرة وبين الأصدقاء والأقرباء، وأخيراً الإدمان .. ذلك الخطر الذى يهدد أبناءنا من المراهقين حيث يجدون مهرباً لمشكلاتهم.

الفصل الرابع :

      ويتضمن بعض العوامل المدرسية التى تؤثر فى اغتراب الطلاب عن المجتمع المدرسى أيضاً مثل المناخ المدرسى المتمثل فى سوء العلاقات بين الطالب وزملائه، ومعلميه وكذلك تشدد الإدارة المدرسية فى بعض الأحيان، وعدم فاعلية دور الأخصائى الاجتماعى فى حل مشكلات الطلاب، وضعف الاهتمام بالأنشطة المدرسية التى تعمل على الترويح عن النفس وتنمى مشاعر الانتماء للمدرسة.

      وهناك أيضاً المناهج الدراسية التى يشعر الكثير من الطلاب إزائها بالملل حيث أنها لا تشبع احتياجاتهم ولا تلبى رغباتهم فى إظهار مواهب الإبداع أو الخلق والابتكار.

      كما أن أساليب التدريس التقليدية هى أساليب عقيمة هدفها التلقين والإلقاء فقط فلا مجال للتفاعل الاجتماعى السليم بين الطالب وزملائه ومعلميه.

      وهناك المناهج الخفية التى تتمثل فى بعض القيم والمعايير غير المنظورة، لكنها تستشعر من خلال التفاعل الاجتماعى بين الطالب ومن حوله، يساعد فى ذلك دراسة القصص الأجنبية فى بعض مدارس اللغات والتى قد تؤدى إلى تشرب ثقافة المجتمعات الغربية والإعجاب بها ونبذ ثقافة المجتمع الشرقى.

الفصل الخامس :

      ويتضمن إجراءات الدراسة الميدانية، والتى يقصد بها وضع الإطار النظرى موضع الاختبار لكى تتضح قدرته على تفسير الواقع وتشخيص المشكلة تمهيداً للعلاج وكانت أهم أهداف الدراسة الميدانية هى :–

1–   الوقوف على مدى انتشار ظاهرة الاغتراب الاجتماعى بين طلاب التعليم الثانوى العام.

2–   الوقوف على أكثر العوامل تأثيراً فى الاغتراب الاجتماعى لطلاب التعليم الثانوى العام داخل المدرسة وخارجها.

3–   الوقوف على مدى تأثير المستوى الاجتماعى الاقتصادى للطلاب (مرتفع–متوسط–منخفض) فى شعورهم بالاغتراب الاجتماعى.

4–   الوقوف على مدى تأثير نوع التعليم (حكومى/حكومى لغات/خاص لغات) للطلاب فى شعورهم بالاغتراب الاجتماعى.

5–   الوقوف على تأثير نوع الطالب (بنين–بنات) فى شعوره بالاغتراب الاجتماعى.

      وكانت أداة المدرسة الميدانية هى استبانة مكونة من ثلاثة أقسام :

أولاً : استمارة بيانات أولية.

ثانياً : القسم الثانى يشمل عبارات للكشف عن مدى انتشار ظاهرة الاغتراب الاجتماعى بين طلاب التعليم الثانوى العام.

ثالثاً : القسم الثالث ويشمل بعض العوامل المجتمعية والمدرسية التى يمكن أن تؤثر فى شعور طلاب التعليم الثانوى العام بالاغتراب الاجتماعى.

      وقد تم التحقق من صدق الاستبانة عن طريق تحكيمها بواسطة محكمين من أساتذة الجامعة فى تخصص أصول التربية والصحة النفسية من عدة جامعات.

      كما تم التحقق من ثبات الاستبانة عن طريق تطبيقها على عينة قوامها 24 طالبة، ثم إعادتها بعد مدة خمسة عشر يوماً على نفس العينة، ثم إيجاد نسبة الثبات بواسطة معامل ارتباط بيرسون.

      وتم التطبيق على عينة عشوائية (قدرها 610 طالب وطالبة) من مدارس مختلفة روعى فيها اختلاف الحى السكنى ونوع التعليم، ونوع الطلاب.

      ثم أجريت معالجة إحصائية للبيانات للحصول على النتائج التى وردت بالفصل السادس.

الفصل السادس :

      وقد توصلت الدراسة للعديد من النتائج منها :–

1–   من أبرز مظاهر الاغتراب الاجتماعى لدى طلاب التعليم الثانوى العام، سوء التوافق الاجتماعى، والسلوك غير الاجتماعى الذى يتسم بالعنف والتمرد.

2–   لا يميل معظم المراهقون إلى إظهار اغترابهم الاجتماعى من خلال مظاهره الهادئة كالانسحاب والانطواء والعزلة بل من خلال العنف فى كثير من الأحيان.

3–   من أبرز العوامل المجتمعية المسببة للاغتراب الاجتماعى للمراهقين الخلل القيمى واللامعيارية وتفاقم الأزمة الاقتصادية فى المجتمع المصرى.

4–   كان للعوامل المدرسية أثر واضح فى شعور طلاب التعليم الثانوى العام وعلى رأسها المناهج الدراسية العقيمة وأسلوب التدريس التلقينى.

5–   يتسبب فى شعور الطلاب بالاغتراب الاجتماعى كذلك نوع المناخ المدرسى السائد من حيث العلاقات بين الأفراد وبعضهم البعض ومدى الاهتمام بالأنشطة المدرسية وكذلك النمط الإدارى الذى ينظم العمل بالمدرسة.

6–   تؤثر وسائل الاتصال والإعلام فى تشكيل هوية المراهق وتكوين شخصيته بصورة لا تناسب الواقع الذى يعيشه المجتمع المصرى مما يساهم فى زيادة اغترابه الاجتماعى حين تبتعد أهداف الفرد عن واقعه وواقع مجتمعه.

7–   يضعف تأثير الأسرة المصرية على أبنائها المراهقين نظراً لضعف العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة وانشغال كل منهم بأموره الخاصة.

      ومما تقدم توصى الباحثة بما يلى :

1–   الاهتمام بتغيير نظرة الطلاب إلى العمل باعتباره مجرد وظيفة، فلم يعد هناك مجال لذلك بل للعمل المنتج الحر، وذلك بإدخال بعض المهارات ليتعلمها الطالب ضمن خطط تطوير مناهج المرحلة الثانوية العامة وضمن برامج التليفزيون حتى يعلم الطالب الاتجاه الصحيح للعمل والحياة.

2–   الاهتمام بتدريب المعلمين على أساليب وطرائق للتدريس تناسب التطورات والاتجاهات المعاصرة، حيث لا تقوم الأساليب القديمة بتحقيق ما يهدف إليه التعليم حالياً من إبداع وابتكار واكتشاف مواهب الطلاب حتى يمكن الإفادة منها.

3–   يجب تدريب الطلاب – من خلال مناخ مدرسى سليم – على ممارسة الحياة الديمقراطية السليمة، ويجب تدريبهم على الاهتمام بقضايا مجتمعهم ومشكلاته حتى يتوحد الطالب مع بيئته ومجتمعه، ويغير نظرته الشخصية للأمور، ويتخلى عن قيم الأنانية والفردية.

4–   يجب أن تنتقى وسائل الإعلام – وبخاصة التليفزيون – البرامج المقدمة وأن تركز على قضايا المجتمع من خلال الأعمال الدرامية المقدمة، وأن تتخلى عن تقديم الأعمال السطحية الخالية من القيم والاتجاهات الإيجابية.

5–   يجب أن يعيد أولياء الأمور النظر فى أسلوب التنشئة الذى يعنى فى المقام الأول بتوفير الاحتياجات المادية، وأن يعلوا من قيمة التوجيه السليم وغرس قيم الانتماء والولاء للمجتمع الذى يعيش فيه الأبناء، وذلك من خلال الحوار والتواصل الأسرى، الذى اندثر واختفى أمام طوفان القنوات الأرضية والفضائية وبرامجها الممتدة على مدار الأربع وعشرين ساعة، وأمام

أجهزة الكمبيوتر.


انشء في: ثلاثاء 18 يوليو 2017 13:39
Category:
مشاركة عبر