الإطار القانوني لعقود إعداد البرامج الإلكترونية دراسة في أحكام القانون المدني والقوانين النموذجية
أحمد السعيد شرف الدين عين شمس الحقوق القانون المدني الدكتوراه 2009
ملخص الدراسة:
غني عن الذكر أن دراستنا هذه دارت حول الإطار القانوني لعقود إعداد البرامج الإلكترونية، وكان طريقنا فيها محاولة معالجة، هذه العقود من حيث النظم القانونية التي تتم من خلالها والآثار التي تترتب عليها، ولعل الصعوبات الجمة التي تكتنف هذا الموضوع، وحداثة العهد باستخدام عقود البرامج النمطية منها والعادية، ولعدم وجود نصوص قانونية مباشرة تنظم هذه المسالة، من ناحية أخري، ولحداثة وجدة هذا الموضوع على المجتمع الفلسطيني وأهميته، كانت أسبابا مجتمعة، شكلت دافعا لاختيارنا، للبحث والدراسة في هذا المجال، مستلهمين كما أسلفنا سابقا، تجربة الشقيقة الكبرى مصر في هذا المجال وتجارب الدول الرائدة فيه.
وقد قمنا بتقسيم هذا البحث إلى بابين، يسبقهما فصل تمهيدي، بحثنا من خلاله التعريف ببرامج الحاسب من الناحية التقنية والقانونية، كمدخل لهذه الدراسة، وبينا كيف ان المشرع سواء في مصر أم في الأردن أو قي اغلب التشريعات العربية، لم يضعوا تعريفا مقترنا بحماية قانونية لبرامج الحاسب الآلي على شكل منظومة متكاملة، تتضمن مفهوما لتلك الحماية، سواء الأدبية أو المالية، فهذه التشريعات في اغلبها تركت للوزارات حتى القيام بهذا التعريف.
ومن ثم بحثنا في اشهر الصور التي يتم بها التعاقد على البرامج، وتبين لنا ان مجال تحديد الطبيعة القانونية لهذا العقود، قد اشبع بحثا، واتفقنا انه إذا كان الهدف من التعاقد على البرامج هو تصميم وإنتاج البرامج لحساب مستخدم معين للقيام بوظائف محددة لديه، فقد اتفق الفقه على اعتبار هذا النوع من العقود من قبيل عقد المقاولة.
وإذا كان بعض الفقه يرى أن ليس هناك ما يمنع من التعامل على البرامج انطلاقا من أحكام عقد البيع، إلا أن الواقع العملي، قد بين لنا ومن خلال دراستنا هذه ان غاية ما يهدف إليه مبرمج أو منتج البرنامج، هو تمكين المستخدم من استعمال البرنامج، مع الإبقاء لنفسه على السلطات الاستئثارية، التي تمكنه من استغلال البرنامج، وبالتالي فان اغلب واشهر صور العقود في هذا المجال هي عقود الترخيص بالاستعمال، وبالرغم من اختلاف بعض الفقه أيضا حول طبيعتها إلا أن الرأي الراجح فيه أنها من قبيل عقود إيجار الأموال المعنوية، ويرجح هذا التوجه ما تبين لدينا من أن المستخدم لا يملك في مواجهة المنتج أو المبرمج، إلا حقا شخصيا يتمثل في تمكينه من استعمال البرنامج دون منحه القدرة أو الإمكانية على التصرف أو الاستغلال.
وبحثنا في هذه الصور العقد الأشهر في عقود الإعداد والذي يشكل راحة وسهولة عملية للمستخدم والمبرمج في نفس الوقت، انطلاقا من وحدة العقد وعدم قابلية الالتزامات فيه للتجزئة، بحيث يبني المصمم أو المبرمج للمستخدم نظاما معلوماتيا كاملا، يشمل البرامج والأجهزة، ويسمى عقد تسليم المفتاح، وكيف أن الفقه قد اجمع أيضا على اعتباره عقدا من عقود المقاولة، انطلاقا من تبعية الأجهزة للبرامج التي تشكل المحل الأساسي للتعاقد بهدف القيام بوظائف معينة في مثل هذه العقود، وباعتبار الأجهزة من ملحقاتها.
وانتهينا بذلك إلى ان البرنامج يمكن ان يكون محلا للكثير من التصرفات القانونية، رغم ان بحثنا قد اقتصر على مقاولة الإعداد للبرامج وبعض أحكام عقد البيع التي ارتأى الفقهاء وجوب تطبيقها على مقاولة الإعداد.
ومن ثم قمنا ببحث انعقاد عقد الإعداد على ضوء الأحكام العامة في النظرية العامة للعقد في الباب الأول من هذه الدراسة، وتبين لنا أن عقود إعداد البرامج هي من العقود الرضائية، وان الكتابة في هذا المجال هي ضرورة عملية، أكثر منها شرائط قانونية، تستوجبها طبيعة المحل وكثرة الوثائق المرفقة، وهي معتادة في هذه العقود ومطلوبة لضرورات عملية أيضا منها سهولة إثبات الالتزامات المنطوية على تقنية عالية ومصطلحات فنية، على أنها رغم ذلك لا تشكل شرطا من شروط انعقاد هذا العقد. ومن ثم فقد اتضح لنا من خلال دراسة التعبير عن الإرادة ان التعقيدات الفنية التي تميز محل العقد وتحيط بعملية التعاقد، تجعل من الأطراف في وضع غير متساو من حيث المعلومات والقدرة الفنية والعلمية للمستخدم في مواجهة المبرمج، وعليه فقد تبين لنا ان الغلط في مواصفات البرنامج هو من الأمور الشائعة في هذه العقود، وتبين لنا على اثر ذلك ضرورة استعانة المستخدم بمشورة فنية في هذا المجال، وكيف ان القواعد التقليدية في الأحكام العامة قد تسعف في بعض الأحيان المستخدم في محاولة لرد جزء من التوازن للعقد إلا أنها غير كافية، ولابد من إعمال قواعد قانونية أخرى إلى جانبها كقوانين حماية المستهلك.. الخ.
وعلى ضوء ذلك تبين لنا أيضا ان السكوت من قبل المبرمج أو المنتج في مثل هذه العقود يكاد يعتبر تدليسا بشقيه (الايجابي كالكذب في البيانات والمواصفات أو السلبي كالكتمان) حيث ان ضعف خبرة المستخدم الفنية وعدم التكافؤ فيها قد أشاع مثل هذه العيوب في هذه العقود والتي تسمح للمستخدم انطلاقا من أهميتها بالنسبة له بإبطال العقد، وكان سببا في الاتجاه نحو ترسيخ الالتزامات قبل التعاقدية في مثل هذه العقود مثل ضرورة الاستعلام والتوصيف المستندي للبرامج وعقد المشورة الفنية، وتقديم النصح والإعلام.. الخ.
وقد بحثنا في الفصل الثاني من الباب الأول البرنامج كمحل للعقد، انطلاقا من تطبيق شروط المحل علية، وتبين لنا انه وان كان كيانا منطقيا غير مادي الا ان التعبير عنه يجب ان يكون بوساطة مادية وهو بذلك تنطبق عليه شروط المحل، فان كان البرنامج من المستحيل إعداده مثلا فان العقد يكون باطلا لاستحالة المحل، على عكس فيما لو كانت هذه الاستحالة نسبية، أي على شخص معين. مثلا. واتفقنا ان المحل في هذه العقود حتى يتم تواجده لابد أن يمر بعدة مراحل، وشبهنا ذلك بقضية مقاولة بناء منزل (أفكار، تصاميم. مواد، بداية العمل.. الخ)
وفي قضية البرنامج كمحل لهذا العقد ميزنا بين نوعين من البرامج، برامج نمطية متاحة للجميع، وبرامج ذي مواصفات معينة يتم بناءها بناء على طلب مستخدم معين لتلبي وظائف معينة لديه، وتبين لنا من خلال دراسة النوعين أنهما يصلحان ليكونا محلا متوافقا مع شروط المحل التقليدية في النظرية العامة للعقد، وان البرنامج الذي يتم إعداده بناء على طلب يتم التعامل معه وفقا لأحكام المحل في عقد المقاولة، أما البرامج النمطية فهي تباع على أساس بيع الحق بالاستعمال إن جاز لنا هذا التعبير.
ويتبقى في هذا المجال برامج التشغيل، فقد توصلنا لنتيجة بخصوصها تتمحور
في اختلاف العلماء في تكيف التصرف القانوني المباشر عليها، فقال البعض أنها من ملحقات الأجهزة المادية وبالتالي يسري عليها أحكام بيع الأجهزة. وقال البعض الآخر أنها لا تختلف عن البرامج النمطية أو البرامج التي يتم إعدادها بناء على طلب المستخدم. وبالتالي فعندما يتم شراء جهاز فان البرنامج الذي عليه (برنامج التشغيل) يعطي صاحبه الحق باستعمالة هم فقط ولا يعطيه الحق باستغلاله أو بالتصرف فيه مستندين في ذلك إلى نصوص قوانين حماية حقوق الملكية الفكرية التي لم تميز بين أنواع البرامج، واعتبرتها كلها مؤلفات أدبية تخضع للحماية بموجب قوانين حقوق المؤلف. والتي بدورها لا تبيح التنازل عن ملكية البرنامج ونسبته لغير مؤلفه، وفقط هي تسمح بالاستعمال أو بالاستغلال المادي له.
ثم ناقشنا الثمن كمحل مقابل للبرنامج في هذا العقد وتبين لنا أن هذا المقابل للبرنامج تنطبق عليه شروط الأجر في عقد المقاولة إن كنا أمام عقد إعداد، وتنطبق عليه أحكام بدل الايجار ان كنا أمام عقد يتم به إيجار البرنامج لمدة معينة، وحتى شروط وأحكام الثمن في المبيع إن كنا أمام بيع حق الاستغلال... الخ. من أسس تعيين هذا المقابل.
ثم قمنا بالفصل الثالث بدراسة بعض العقود النموذجية لاعداد البرامج (سواء تلك العقود النمطية الموجودة بالأسواق لبرامج معدة سلفا، أو اهم الشروط والاحكام التي تتضمنها مقاولات الإعداد عادة)، وذلك في محاولة لتفسير عقد الإعداد، فبحثنا في وثائق هذه العقود ولاحقها التي عادة ما تكون أجزاء مهمة من العقد وتشمل المواصفات الفنية واليات التنفيذ، وبحثنا في الشكل، وفي الشروط الشائعة للعقود النمطية، وفي كيفية انطباق عقد الإذعان بمفهومه الواسع على هذه العقود، الذي يكتفي بكون العقد قد تم تجهيزه مسبقا من قبل الطرف القوي (الموجب مثلا) ولا يقبل أي مناقشة فيه للشروط الواردة فيه، ففي هذه العقود تبدو قوة الموجب عبر قيامه بأعمال متكررة ومتشابهة توافرت لديه الخبرة فيها والتي تمنه من إعداد العقد استقلالا عن الطرف الاخر، فيما يبدو ضعف المستخدم في عدم قدرته التقنية أو العملية على مناقشة المبرمج.
وكيف أن هذه الأسباب قد دفعت المشرعين في الدول المتقدمة إلى مواجهة الشروط التعسفية في العقود التي يتضح فيها عدم تساوي المتعاقدين من حيث القدرة أو الخبرة، وهو في نفس الوقت ما دفعنا لمطالبة المشرع المصري والأردني والفلسطيني مستقبلا، بالأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات وتضمين القوانين الخاصة بهذه العقود وما شابهها الكثير من النصوص التي تسمح بمواجهة الشروط التعسفية، التي يضعها مقتدر في مواجهة ضعيف أو محترف في مواجهة غير محترف.
وكذلك تبين لنا انه حتى قوانين حماية المستهلك تكاد لا تسعف في بعض الأحيان الإنصاف من الشروط المجحفة هذه وخصوصا إذا ماتم إعمال المفهوم الضيق لمن هو المستهلك بموجب نص القانون، والذي يأخذ باشتراط ان تكون السلعة للاستخدام الشخصي أو العائلي فقط، وهذا ما أثبتنا من خلال هذه الدراسة انه لاا ينطبق على عقود الإعداد في رأي الكثير من الفقه لان الشخص الذي يطلب إعداد برنامج لتلبية أغراض عمله (سواء مصنع أو منشاة) هو أيضا مستهلك ضعيف في الخبرة والقدرة في مواجهة المحترف، فما بالنا في فلسطين التي لا يوجد بها لغاية الآن قانون لحماية المستهلك.
وبان لنا أن في القواعد العامة ما يحمي الطرف الضعيف فيما لو تعسف القضاء في تطبيق المفهوم الضيق على تعريف المستهلك ولم يأخذ بالمفهوم الواسع، ففي عقد أحكام عقد الإذعان أو نظرية التعسف في استعمال الحق. أو حتى في استغلال بعض عيوب الإرادة ما ينصف هذا الطرف الضعيف. مع تأكيدنا والذي اتضح لنا من خلال معطيات هذه الدراسة انه آن الأوان لوضع نظام قانوني كامل يحكم التصرفات التي تقع على برامج الحاسب وكيف تتم حمايتها وحماية المتعاقد عليها في نفس الوقت وذلك لأهميتها القصوى في حياتنا اليومية والتي لا يكاد يخلو بيتا ولا تخلو مؤسسة من وجودها فقد أصبح كل شيء في حياتنا محوسبا.
ومن ثم وفي إطار تفسير عقد الإعداد أيضا بحثنا في العقود فورية التنفيذ والعقود الزمنية وبينا كيفيا استئجار نظام معلوماتي كامل وشروطه وأحكامه والفرق بينه وبين شراء الحق باستعمال برنامج من على رفوف احد المحلات، وكيف أن المشتري يملك فقط الاسطوانة التي تضمنت البرنامج. وناقشنا في هذا المجال القوانين واجبة التطبيق من حيث الزمان والمكان وموقف القوانين النموذجية والاتفاقيات الدولية في هذا الشأن. وخصوصا عندما يكون العقد دوليا، وكيف يحمي المشرع الوطني (في أحكام عقود نقل التكنولوجيا في قانون التجارة المصري الجديد مثلا) المواطن من شروط الشركات الكبرى، وخصوصا في إلزامها له بالتحكيم عبر اشتراط إجراءات معينة والتبعية لتعليمات غرف تحكيم محددة. وأكثر من ذلك لإبطال التشريعات الوطنية للكثير من الشروط المجحفة في هذا المجال، وطالبنا بالإقتداء بالتوجيهات الأوروبية والتي تضمنتها القوانين الفرنسية والإنجليزية بخصوص شروط القوانين واجبة التطبيق على هذه العقود سواء من حيث المكان أو من حيث الزمان.
ومن ثم انتقلنا في الباب الثاني من هذه الدراسة لبحث آثار عقود إعداد البرامج وانتهائها، ورغم أن نقل الملكية يشكل التزاما من التزامات الأطراف ويجب بحثه معها إلا أننا خصصنا له فصلا أوليا في هذا الباب لوحده وذلك بسبب ان نقل الملكية في عقود الإعداد ذي طبيعة خاصة، وان هذه الملكية لا تنتقل إلى احد وتبقى لصيقة بشخص مؤلفها ومبدعها.
ولتبيان ذلك على أوضح صورة بحثنا في مبحث أول نقل ملكية الأشياء المادية سواء المعينة بالنوع أو المعينة بالذات، ومدى انطباق أحكامها على الأجهزة المعلوماتية، وناقشنا فيه موقف القانون المدني من الأموال وتقسيماتها، وحالات التعامل مع الأجهزة سواء عبر التوصية مباشرة بإنشائها أو عبر شرائها مع نظام معلوماتي متكامل، أو بشرائها منفردة ومن ثم الاتفاق مع مبرمج على وضع برامج تتفق معها.
ومن ثم بحثنا في حقوق الملكية الفكرية ومدى اعتبار البرنامج مصنفا أدبيا في ضوء توجه التشريعات الحديثة والاتفاقيات الدولية لحماية برامج الحاسب الآلي عبر تشريعات حماية حقوق المؤلف. فتطرقنا لمن هو المؤلف للبرنامج في ضوء هذه القوانين ثم تناولنا بحث الأشخاص القائمين بإعداد البرامج سواء كان المؤلف في شكل منفرد أو في شكل جماعي، أو في شكل مصنف مشترك.
وبعد ذلك بحثنا في حقوق المؤلف على مصنفه أي حقوق المبرمج أو المنتج لهذا البرنامج عليه، انطلاقا مما تمنحه إياه تشريعات الملكية الفكرية، فناقشنا كيف ان البداية كانت عند حقوق براءات الاختراع، في التعامل مع البرامج، وكيف ان التطور السريع فيها والنقلات النوعية التي حدثت لها ووطول مدة وصعوبة الحصول على البراءة، قد حذت بالفقه للمطالبة بإخراج البرامج من هذه الدائرة لصعوبة انطباق أحكامها على البرامج الالكترونية خصوصا فما كان من التشريعات المعنية الحديثة إلا أن أخرجت المؤلفات التي محورها معادلات رياضية من انطباق نظام براءات الاختراع عليها، وتوصلنا لنتيجة مفادها أولا أن المشرع قد أحسن صنعا باعتبار البرنامج مؤلفا أدبيا يخضع للحماية بموجب تشريعات حماية حقوق المؤلفين، وثانيا انه لا ضير من انطباق أحكام البراءة على البرنامج أن كان البرنامج نفسه جزءا من جهاز حصل على البراءة، كما سار عليه القضاء والعمل في الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى ضوء التوصل لتلك النتيجة تناولنا حقوق المؤلف على برنامج الحاسب الآلي، فناقشنا الحقوق المالية للمؤلف، كحقه في استغلال برنامجه إلى أقصى الدرجات، وحقه في منح الترخيص بالاستعمال، والاستثناءات الواردة عليهما، وكذلك حقه في المطالبة بتعديل الاتفاق في ظل حالات معينة كفلها له القانون، وسائر التصرفات الأخرى كحقه في تأجير برنامجه، واشتراط عدم نسخه أو تعديله...
وبعد ذلك وفي الإطار نفسه بحثنا في الحق الأدبي لمؤلف البرنامج من حيث حقه في الأبوة ونسبة البرنامج إليه وكيف ان هذا الحق ابدي لا يجوز التصرف فيه ولا تسري التصرفات القانونية الأخرى، وعن حقه في سحب برنامجه من الأسواق وتعديله وتحويره، وحقه في احترام برنامجه وعدم تقليده أو تعديله أو نسخه... الخ من الحقوق المتفرعة عن حقه في ملكية برنامجه ونسبته إليه طال الزمان ام قصر. وفي نفس الإطار أيضا بحثنا في الشروط التي يضعها مؤلف البرنامج انطلاقا من هذه الحقوق، ويضمنها في عقد الإعداد والتي تشكل محاولة منه لحماية برنامجه زيادة على الحماية المدنية بشقيها العقدية والتقصيرية التي توفرها هذه القوانين.
وبعد ان تحدثنا في ملكية البرامج وكيفية التعامل معها انتقلنا في الفصل الذي يليه وبالتفصيل إلى الالتزامات المتبادلة بين المتعاقدين في عقد الإعداد، والتي تتعلق بصفة خاصة في هذا النوع من العقود متأثرة بالطبيعة الخاصة لمحل هذا العقد أصلا، أي بالتحديد بحثنا في الالتزامات المتبادلة التي تنبثق عن طبيعة هذا العقد فقط، وذلك انطلاقا مما يتميز به التعامل على برامج الحاسب من الحاجة إلى الخبرات الفنية والتقنية، والتي في اغلبها كانت مصادرها توجهات قضائية سببها طبيعة محل العقد، فبحثنا في التزامات المبرمج أو المتعهد انطلاقا من كونه الطرف الأقوى من ناحية الخبرة والقدرة وذلك عبر إلزامه بتقديم المعلومات الحقيقية عن برنامجه وقدراته، وفرض المواصفات التي قدمها عبر مراسلاته وعروضه علية كالتزامات لولاها لما تعاقد المستخدم.
ورأينا كيف أن القضاء قد فرض على المبرمج أو المتعهد أيضا القيام بنصيحة المستخدم، لا بل والزمه بدراسة احتياجات المستخدم، وتقديم النصيحة على أساس هذه الدراسة، ومعونته بطريقة تسمح له بالتعبير عن احتياجاته، ووضعه في صورة المشكلات والعقبات المتوقع حدوثها للبرنامج محل التعاقد وسلبياته، وبعد ذلك بحثنا في التزام المبرمج بان يكون برنامجه مطابقا لحيثيات طلب المستخدم، وكيف ان هذه العقود وبمساعدة القضاء تعطي المستخدم الحق في الفحص والاختبار للبرنامج عبر تجارب وفحوص على عينات قبل صدور قبوله النهائي للبرنامج، فالعبرة ليست هنا بالمواصفات التي يتمتع بها البرنامج ولكن العبرة في عقود الإعداد بقيام البرنامج بالوظائف المناطة به أصلا والتي من اجلها تم التعاقد على إعداده، حيث ان التعاقد كمن في حاجة المستخدم لاستخدام البرنامج لحقيق أغراض محددة.
وقد ركزت هذه الدراسة أيضا على تقييم مدى إمكانية التمسك بالعيب الخفي في عقود الإعداد علما بأنه ينبع أساسا من عقد البيع، وارتأينا أن لا مانع قانوني من إعمال أحكامه على عقد مقاولة الإعداد، مع استنتاجنا بصعوبة تطبيق شروط تحققه على البرنامج انطلاقا من الطبيعة التقنية والفنية الخاصة للبرنامج (تكلفة عالية للكشف عنه، سبب العيب وتاريخ نشوئه) كلها أمور بحاجة إلى امهر الخبراء لذلك اقترحنا التمسك بشرائط تعاقدية كفترات التجربة وعقود الصيانة المرافقة واختبارات القبول، وإلزام المبرمج بالضمان لفترات معينة لكونها أسهل تطبيقا في هذا المجال وأسرع معالجة، ولكونها خير نصير للمستخدم في مواجهة خبرة المبرمج.
وعلى الجانب الاخر من الالتزامات وهي التي تقع على عاتق المستخدم، فقد ركزتا في هذه الدراسة على أهم التزامات المستخدم في عقود الإعداد، وهي التزامه بالتعاون والإفصاح بمنتهى حسن النية والتي تبين لنا من خلال دراسة هذا الالتزام أن على المستخدم اتخاذ ما يلزم من مساعدة وإجراءات لتحديد احتياجاته بدقة، والتعاون مع المبرمج بإعطائه كافة المعلومات التي يحتاجها والتي يسال عنها أو تلك التي لم يسال عنها بمنتهى الصدق والأمانة وخصوصا بالنسبة لتحديد الأغراض من البرنامج، تحت طائلة المسؤولية، والتي تتعاظم في حقه فيما لو استعان بخبراء ومشورة فنية
وكذلك بصدد التزامات المستخدم بحثنا في موضوع التزامه بتسلم البرنامج، وميزنا بين التسلم الذي يقع على عقد الترخيص بالاستعمال مثلا وبين التسلم في عقود مقاولة الإعداد والتي يكون التسلم بها باتا بعد قيام المستخدم بقبول البرنامج مبينين كيف يتم القبول في العقود الدولية بحيث يقترن باختبارات على عينات ومدد زمنية وتجارب، وكيف أن هناك من الأخطاء والعيوب التي جرى العرف في مجال البرمجيات على التسامح فيها انطلاقا من التعقيدات الفنية والتقنية لطبيعة المحل.
وبخصوص الالتزام التقليدي بدفع المقابل (ثمن أو اجر) بحثنا في كيفية الدفع في عقود الإعداد تاركين شروط الثمن للقواعد العامة ولما قلناه في الباب الأول من هذه الدراسة.
وعلى اثر بحث هذه الالتزامات والنتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة انتقلنا
للبحث في المسؤولية عن الإخلال بهذه الالتزامات، سواء من الناحية القانونية، أي موقف القانون والإمكانيات التي يمنحها للأطراف انطلاقا من النظرية العامة للالتزامات وتطبيقها على عقود الإعداد، أو من ناحية اتفاق الأطراف عينهم على تعويضات معينة فيما لو تم الإخلال بالالتزامات المتبادلة، فبحثنا في التعويض الاتفاقي، الذي عادة ما تقترن به هذه العقود، وفي الشروط الجزائية التي يتم وضعها وسلطة القضاء في التعامل معها، والوضع القانوني لشرط الإعفاء من المسؤولية في ضوء قوانين حماية المستهلك والقانون التجاري الجديد الذي أبطل مثل هذا الشرط وكذلك في ظل التشريعات المدنية التي تبيح إلى حد معين ذلك، وكان رأينا أن شرط الإعفاء من المسؤولية فيما لو اشترطه الطرف الأقوى بالخبرة والمعرفة (المبرمج) يقع باطلا في اغلب الحالات إذا كان أمام مستهلك وكذلك إن كان عقدا دوليا والمبرمج أجنبيا والمتعاقد وطنيا.
وتحدثنا في الفصل الثالث والأخير من هذه الدراسة عن انتهاء عقود الإعداد، فبحثنا في الأسباب العادية للانتهاء كالتنفيذ، وطرقه في هذه العقود، سواء كانت من العقود زمنية ام من العقود الفورية، وكيفية أجبار المدين على التنفيذ، منطلقين من القواعد والأحكام العامة في القانون، محاولين تطبيقها على عقود إعداد برامج الحاسب، وذلك وللأسف لكون المشرع المصري لم يعالج كما ذكرنا سابقا عقود إعداد البرامج في ظل نظام قانوني خاصا بها.
وبنفس النهج بحثنا في الوسائل غير العادية للانتهاء في هذه العقود، فقد درسنا الفسخ بالنسبة لعقد الإعداد وتبين لنا اختلاف مفهومه في هذه العقود بين العقد الزمني من جهة والعقد الفوري، والعقد المؤجل التنفيذ من جهة أخرى، وذلك من حيث الأثر الرجعي للفسخ على كل منهما، بحيث أن فسخ العقد الفوري ينتهي أثره بالنسبة للمستقبل والماضي وكذلك العقد مؤجل النفاذ، أي يسري بأثر رجعي، على عكس عقود الإعداد الزمنية، والتي مناطها المدة فان تم الفسخ، فلا يكون له اثر الا على المستقبل أي منذ لحظة إقراره.
وهذا ما دفعنا لتمييز فسخ عقود الإعداد الزمنية (العقود مستمرة التنفيذ) عن
غيرها، مقترحين استعمال مصطلح الانحلال بالنسبة للعقد المستمر التنفيذ إذا ما اخل احد الأطراف بالتزام جوهري من التزاماته، فقام الطرف الاخر باستعمال حقه بطلب فسخ العقد بسبب ذلك، وكان قد مضى على البدء بتنفيذه زمنا، فالزمن هذا هو وحدة قياس بالنسبة للالتزامات والحقوق المتقابلة، لذلك قلنا ان تقرير الفسخ سوف يسري على المستقبل والحاضر فقط، أما الماضي أو الوقت الذي استغرقه العقد نافذا، والمقابل الذي تم دفعه(للانتفاع بالبرنامج مثلا) فكيف سيسري عليه فسخ، وهو فقط يسري عليه انحلالا للعقد بالنسبة للمستقبل أي منذ لحظة تقريره، والمقابل الذي تم دفعه عن تلك المدة يأخذ صفة الأجر (بدل الايجار مثلا) وليس التعويض عن الفسخ الذي لا يمكن معه إعادة الحال إلى ما كانت عليه.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة