السجع القرآني - دراسه اسلوبيه

عين شمس الآداب اللغة العربية وآدابها الماجستير 2001 هدي عطيه عبد الغفَّار

            "يعد النص القرآنى أصلح النصوص لرصد ملامح التوظيف النموذجى لبنية السجع، الأمر الذى فتح أمام هذا البحث بوابة الدخول فى نقاش مع ملاحظات البلاغة وأحكام النقد.  ولقد كان لكشوفات الرصد الأسلوبى واستبصارها الوصفى فاعليتها فى استجلاء التنفيذ الخاص للنص القرآنى فى استخدامه لهذه البنية البلاغية المنتجة للصوتية، وتوظيفها بما يخدم النص فى كل مستوياته، وجاء البحث ممارسة تعتمد الإحصاء بالقدر الذى يتيح للملاحظات التخلُّص من الانطباعيّة، ويعين من خلال استقراء الدلالات الإحصائية على إيضاح نتائج ربما اختفت وراء الحكم الذاتى المعتمد على الحدس.

ولقد توصل البحث إلى نتائج أذكر بعضها ليكون دليلا على بعضها الآخر غير المذكور إلا فى متن البحث؛ منها:

1- أن هناك مجموعة من الخلفيات التى وجهت الفكر البلاغى فى تحركه  على مستوى رصد تقنيات السجع والشرح والتقعيد له، ومن هذه الخلفيات، تعريفه بالإحالة على القافية، وتعدد المفاهيم الخاصة به فى التراث العربى، فلكل من الأمرين فاعليته فى صياغة قواعد السجع وتحديد أنواعه.

2- كشفت الدراسة عن نزعة شكلية تحكم التناول البلاغى لبنية السجع، ويدل على ذلك التقعيدات التى تؤخذ عن القدامى بالتقنين للسجع من جهة الطول والقصر وضبط الحدود المسموح بها لكل منهما.

3- تغلغلت الدراسة إلى قلب قضية السجع والفواصل وقد أظهرت أن الباحثين فى قضية الإعجاز سلكوا فى تفريقهم بين السجع والفاصلة طرقا باعدت بينهم وبين إثارة القضية بشكل موضوعى.

4- كشفت دراسة الوحدة السجعية باعتماد المعنى إجراءً تحليلياً للسجع القرآنى عن الحد الأدنى والأقصى لعدد الآيات المشتركة فى وحدة سجعية قرآنية، وكانت أكثر الوحدات السجعية شيوعا فى النص القرآنى الوحدة المكونة من زوج من الآيات، وبدا أن سورة النجم تسجل أكبر وحدة سجعية فى القرآن الكريم مكونة من أربع وعشرين آية، هى بمثابة عائلة واحدة من التراكيب السجعية، تنتهى بصوت ختامى موحد كما تقوم حركة المعنى بوصفها علاقة تحتية بالربط بين هذه التراكيب صانعة منها وحدة دلالية.  ومن ثم يتكشف أن نظام الوحدة السجعية القرآنية تجلى منفردًا بأسلوب خاص يتجاوز محاذير بلاغية ظلت قارة فى مؤلفات البلاغيين العرب، ومن بين هذه المحاذير: أن الوحدة السجعية ينبغى ألا تطول درءاً للملل.

5- كشفت الدراسة الأسلوبية الإحصائية عن سيطرة البنى السجعية على مساحة الأداء فى النص القرآنى، فنسبة السجع إلى الترسُّل تساوى تقريبا     4: 1، وهذا يشى على المستوى الأسلوبى بسيطرة الإيقاع التكرارى أو ما يطلق عليه ""المؤالفة"" على المخالفة، كما يؤكد تشديد النص القرآنى على شكل الرسالة، فالبنى السجعية التى تنتج الصوتية من خلال توحد صوت الروى هى القاعدة بحيث لا يرد الترسُّل –غالبا- إلا عرضا بين آيات كثيرة مسجوعة.  ويكون لكل من السجع والترسُّل دوره الوظيفى فى النص على النحو الذى تكشف للبحث.

6- أظهرت الدراسة الأسلوبية عددًا من التوازنات الصوتية المتصلة بالسجع القرآنى، والتى نتجت عن عمليات تكرار أو تراكم أو تشابه.  من هذه التوازنات، الحضور اللافت للحروف الصامتة فى منطقة الثقل السجعى، فقد بلغت نسبة ظهورها فى أواخر الفاصلة القرآنية 6و92%، بينما لم تتجاوز نسبة ظهور الحروف الصائتة (الألف، والياء) نحو 42و7% وقد أرجعنا هذه الكثافة إلى أمور منها؛ ثراء العطاء المعجمى المنتهى بالصوامت، وأن الصوامت تمثل قوة ارتكاز إيقاعى.

7- قادنا البحث إلى ملاحظة ثمانية حروف تتكرر فى نهايات الفواصل بوصفها رويّا، هى على الترتيب حسب درجة شيوعها: النون، الراء، 

الميم، الألف، الدال، الباء، الياء، اللام، وهذه الحروف هى أشد الأصوات العربية وضوحًا فى السمع، وأكثرها إسهاما فى الإيقاع.  وتتعدد طرق النص القرآنى فى إحداث توازنات صوتية، وهو يبنى معماره على نحو فائق من التنظيم المهيئ لخلق الإيقاع وتصعيده، فإذا لم يكن روىّ السجع موحدًا فى السورة بكاملها فإن النص يعمد فى تلوينه الإيقاعى إلى أصوات متقاربة فى مخارجها وصفاتها مما يمد بناء النص بطابع سمعى مميز كفلته له التوازنات المؤسسة على علاقة القربى الصوتية.

8- كشفت الدراسة الأسلوبية عن مؤازرة ""الالتزام"" الصوتى للسجع، والالتزام يمثل نظامًا فى النص القرآنى.  وقد دلّ على ذلك أن الآيات المسجوعة التى تخلّت عن الالتزام واعتدّت بالجرس السجعى وحده لا تتجاوز نسبتها عن 74و8%، وقد بدا للبحث أن هناك نسقا أساسيا فى تكوين نظام الالتزام فى النص القرآنى، وذلك النسق يتمثل فى تكرار حرف مدٍّ أو لين يسبق مباشرة روى السجع.

9- كشفت الدراسة عن أن السجع القرآنى جاء مغايرًا من حيث طول فقراته للسجع العربى، فالنص يتوخى فى طول العبارة المسجوعة أن يكون مناسبا لطول السورة وطبيعة المخاطبين، ويعد هذا مظهرًا من مظاهر الإعجاز فى القرآن الكريم.  كما تثنى للبحث النظر فى القانون الذى يحكم هندسة المسافات فى النص القرآنى والمؤلفات العربية المسجوعة، وخرج من ذلك بأن للقرآن قانونه الخاص؛ إذ يعتمد على (مبدأ الوقت) لا مبدأ ""النفَس"" الذى تبدّى كعنصر تكوينى وضح فعله فى طول العبارات المسجوعة فى المقامات وأسجاع الجاهلية.

10- كما كشفت دراسة السجع القرآنى عن عدم مصداقية أحكام القيمة التى أطلقتها البلاغة العربية فيما يتصل بالطول الأمثل للعبارة المسجوعة وأطول الآيات داخل الوحدة، فمثلا وجدنا عدد الوحدات السجعية القرآنية التى جاءت متساوية الطول قليلة بشكل ملحوظ.  الأمر الذى يخالف حكمهم القيمى بأن السجع المتساوى الأطوال هو أحسن أنواع السجع منزلة.

11- أظهرت متابعة العلاقات التكوينية الرابطة بين المفردات المسجوعة والتراكيب على المستويات: (النحوى، الصرفى، الدلالى) عددًا من الظواهر التى تهيئ لاستقرار الروى فى منطقة الثقل السجعى؛ فعلى المستوى النحوى بدا ميل النص إلى استخدام مركبات اسمية تقر فى ختام الآيات، تمثلت فى تراكيب وصفية وأخرى إضافية، وفى هذا إشارة إلى أن النص يستبطن الدلالة التأسيسية فى بنية تشكله اللغوى، حيث يضيف زائدًا دلاليا إلى الناتج، وتجلت بعض ظواهر العدول، مثل: التقديم، والتأخير، والحذف، وهى ظواهر هيّأت لاستقرار الفاصلة فى موضعها مؤدية الدورين: الإيقاعى والدلالى على خير وجه.

12- ومن الظواهر الأسلوبية النحوية التى تجلت ملازمة للسجع القرآنى سيطرة دينامية الحدث على الدال المسجوع الذى تتعين داخله بنية السجع، فكثيراً ما اختتمت الآيات بجملة فعلية، كما أن معظم الجمل الاسمية الواقعة فى ختام الآية سواء أكانت منسوخة أو غير منسوخة جاء خبرها إما جملة أو اسماً مشتقاً.  ولأن الخطاب الموجه فى النص القرآنى يخاطب الذات الجماعية لذلك كانت واو الجماعة أكثر اللواحق التى لحقت بالأفعال من حيث الحضور الكمى داخلة فى سياقها الذاتى، كما دخلت ""الواو"" فى السياق الذاتى للأسماء المشتقة بوصفها علامة محضة على الجمع، فيما كان السماح لوسائل تعبيرية –كالتقديم والتأخير والحذف– بإيتاء فعلها فى ختام الصياغة عاملاً أساسياً فى أن النون -التى تأتى عوضاً عن التنوين فى الأسماء المجموعة جمع السلامة والمثنَّاة، وعوضاً عن حركة الإعراب فى الأفعال الخمسة– كانت أكثر الحروف تكراراً فى منطقة الثقل السجعى.

13- كشف البحث عن عدد من ظواهر الترخّص فى علاقة اللفظة المسجوعة بسياقها وتجلى ذلك على مستوى كل من العلاقات السياقية الدلالية، والعلاقات السياقية الصرفية."

 

 

 


انشء في: سبت 4 فبراير 2012 18:41
Category:
مشاركة عبر