اسطوره ايو في مصر رمز العلاقات المصريه- اليونانيه الحضارة الأوروبية القديمة

ايمن عبد التواب حسن سيد الماجستير 2003

"إن عالم الأساطير اليونانية بما يحمله من سحر وخيال لم يكن مجرد وسيلة للتسلية والإمتاع، وإنما أخفى بين سطوره تاريخ أمة وتراث شعب، فى الوقت الذى لم يعرف فيه الإنسان اليونانى التدوين.

   إن موضوع البحث الذى تناولناه ينتمى إلى هذا العالم الأسطورى محوره إيو Io كاهنة هيراHera ، التى عشقها زيوسZeus  وعندما اكتشفت هيرا أمرهما حولت إيو إلى بقرة، وأوكلت لأرجوس Argos حراستها، أرجوس كان له أعين كثيرة تغطى جسده، لذلك فإنه كان يقظاً لا ينام، لكن زيوس أرسل هيرميس Hermes ليخلص إيو ويقتل أرجوس. وتنطلق البقرة هرباً، إلا أن هيرا ترسل عليها ذبابة الماشية، التى تنخس البقرة فتدفعها للتجوال فى كل مكان حتى تصل إلى مصر وتستعيد بلمسة من زيوس صورتها الآدمية مرة أخرى وتعبد على أنها إيزيس وتنجب ابنا من لمسة زيوس هو إبافوس Epaphos الذى كان له شكل العجل والذى تمت مطابقته بالعجل آبيس Apis وقد أنجب إبافوس ليبيا Lybia التى أنجبت بيلوس Belus وكان لبيلوس ولدان هما أيجيبتوس Aegiptus ودناؤوس Danaus كان للأول خمسون ولداً وللثانى خمسون بنتاً أراد أيجيبتوس أن يستأثر لنفسه بالحكم بأن يزوج أولاده من بنات داناؤس لكن دناؤس رفض الزواج وهرب ببناته إلى بلاد اليونان وهناك أنشأ مدناً وجلب لليونانيين مقومات الحضارة.

   كانت أسطورة إيو موضع اهتمام عدد لا بأس به من الباحثين الأجانب، فى حين تخلو المكتبة العربية من أى دراسة لهذه الأسطورة.

   وقد أخترنا لهذا العمل المتواضع الذى نتقدم به عنوان ""أسطورة إيو فى مصر رمز العلاقات المصرية-اليونانية"" ونقصد بأسطورة إيو هذه الأسطورة التى كانت الشخصية المحورية فيها والمحرك الرئيسى لأحداثها تدعى إيو. وهذه الأسطورة تمتد حتى الجيل الرابع من سلالة إيو، الذى يمثله أيجبتوس ودناؤوس حيث يعود دناؤوس بنا مرة أخرى إلى اليونان. وقد حددنا أننا سوف نتناول احداث الأسطورة فى مصر ومن ثم الخلفيات التى أدت إلى انتقال إيو من اليونان إلى مصر. وقد ألقينا الضوء بشكل مستمر على تأثير العلاقات المصرية-اليونانية على تطور أحداث الأسطورة .

   وإن أمكن للبحث أن يتعامل مع الأسطورة بشكل جديد فهو التناول الشامل للأسطورة أفقياً ورأسياً من خلال المصادر وتحليل ما ورد بها. ونقصد بأفقى أننا تناولنا جل ما روته المصادر عن كل شخصية ونقصد برأسى أننا تناولنا الأسطورة منذ وصول إيو إلى مصر حتى عودة داناؤوس إلى اليونان، كذلك بحثنا أثر تطور العلاقات المصرية-اليونانية على أحداث الأسطورة.

 

وقد قسمنا البحث إلى خمسة فصول :

الفصل الأول : الأسطورة قبل وصول إيو لمصر

أ) الروايات الأسطورية

ب)      الروايات التاريخية

ويتناول الروايات الشعرية والنثرية والأثرية للأسطورة قبل وصول إيو إلى مصر ويتخلل عرض الروايات محاولات الباحثين تفسير الأسطورة تمهيدا لتناول أحداث الأسطورة فى مصر.

الفصل الثانى : تفسير الأسطورة

يتناول محاولة الباحث لتحليل الأسطورة إلى نواتها الأصلية وتفسير رموزها وعناصرها الأسطورية.

الفصل الثالث : العلاقة بين إيو وإيزيس

ويتناول أحداث الأسطورة بعد وصول إيو إلى مصر وربطها بإيزيس المصرية والتناسب الطردى بين علاقة إيو بإيزيس وتطور العلاقات المصرية-اليونانية.

الفصل الرابع : العلاقة بين إبافوس وآبيس

ويتناول شخصية إبافوس العجل الذى ولد فى مصر وربط بالعجل المصرى آبيس والتناسب الطردى  بين علاقة إبافوس وآبيس وتطور العلاقات المصرية-اليونانية.

 

الفصل الخامس : هجرة دناؤوس بين الأسطورة والتاريخ

ويتناول الجانب التاريخ من أسطورة إيو المتمثل فى شخصية دناؤوس الذى ربط بهجرته بين المصريين والإغريق.

 

وقد خلصنا من طرح هذه القضايا إلى مجموعة من النتائج منها ما نزعم أنه جديد، ومنها ما سبقنا إليه الباحثون وقمنا بتعضيده. توصلنا إلى أن أسطورة إيو لم تكن أسطورة محلية وإنما كانت أسطورة يونانية عامة تناولها كتاب وفنانون من كآفة أنحاء اليونان.

أسطورة إيو بما تحمله من عناصر أسطورية- كالتحول، وخيانة زيوس، وعقاب هيرا، والتجوال- تشكل نموذجا مثالياً لمن يريد أن يتعرف على الأساطير اليونانية، لكن علاقة إيو بالقمر والبقرة والتجوال جعلنا نخرج بنتيجة، نظن أنها جديدة، أن إيو كانت الإلاهة الأصلية التى عبدها أهل أرجوس من السكان البحرمتوسطيين، وكانت إلاهة أرضية أم لها شكل البقرة، اندمجت فى وقت ما مع هيرا إلاهة الوافدين الجدد المتحدثين باليونانية، والتى كانت إلاهة عذراء سماوية لها شكل ناسوتى، حيث انفردت الأخيرة تدريجياً بالعبادة، وظلت محتفظة بسماتها وما تميزت به إيو، فأصبحت هيرا فى العصر القديم والكلاسيكى تجمع بين سمات الإلهة الأرضية والإلهة السماوية فى ذات الوقت، وهو الأمر الذى أدى إلى الإرتباك وتضارب الآراء فى تحديد ماهية هيرا بين الباحثين.

وعندما تناولنا علاقة إيو بإيزيسIsis  ودور العلاقات المصرية اليونانية فى تطور أسطورة إيو، قدمنا دلائل جديدة، تدعم ما سبقنا إليه الباحثون، توضح أن أيسخيلوسAeschylus  وهو يتحدث عن إيو كان متأثراً بما وصل إليه من البحارة والتجار والجنود المرتزقة الذين زاروا مصر، عن الإلاهة المصرية إيزيس أعظم الإلاهات فى مصر فى تلك الفترة، فسعى إلى تطويع أسطورة إيو ليضيف إليها بعضاً مما عرف عن إيزيس المصرية، وشاركه فى ذلك معاصره باكخيليديسBacchylides  فجعلوا إيو تذهب فى تجوال مدفوعة بلدغات ذبابة الماشية، إلى أن تصل إلى مصر، ليفتحوا الباب بذلك لمطابقة إيو بإيزيس، فبعد أن كانت تلميحاً عند أيسخيلوس وباكخيليديس، صارت تصريحاً بالمشابهة عند هيرودوتوسHerodotus ، ثم أمراً واقعاً عند كاليماخوسCallimachus ، ثم الحديث عن أساطير إيزيس بوصفها تخص إيو، ثم أدعى اليونانيون بعد ذلك أن إيو كانت سبباً فى تبجيل إيزيس من قبل المصريين.

ما سبق وحدث مع إيو حدث مع إبافوس، حيث رسم أيسخيلوس ملامح شخصيته لتناسب شخصية العجل آبيس المصرى، الذى رأه الإغريق فى مصر وظنوا أنه ابن إيزيس ومن ثم كان لابد وأن يكون هناك ابن لإيو، له هيئة العجل. وقد قع الاختيار على شخصية إبافوس. وقد أيدنا الرأى السابق القائل بأن إبافوس كان بطلاً أرجوسياً ارتبطت أسطورته، التى سقطت من الذاكرة اليونانية، بمصر. 

كذلك فقد خلصنا إلى أن أيسخيلوس، الذى كان له أكبر الأثر على تطور الأسطورة محل البحث، قد أنشأ سلالة تكميلية ليربط بين إيو ودناؤوس، فجعل من ليبيا التى تمثل الساحل الشمالى لأفريقيا ابنة لإيو، وجعل من بيلوس الذى يعتبر إلهاً سامياً عاماً ابنا لليبيا.

   وقد أنشأ أيسخيلوس هذه السلالة التكميلية حتى يصل إلى دناؤوس، الذى تجرح سيرته الكبرياء اليونانى، لما قام به من أعمال مجيدة فى بلاد اليونان وما علمه لليونانيين أنفسهم وما جلبه من مقومات الحضارة وما أنشأه من مدن والأكثر من ذلك كونه الجد البعيد لمعظم اليونانيين، قد يكون كل ذلك مقبولاً لكن غير المقبول أو الأمر الصعب على الذات الهيللينية هو القبول بأن دناؤوس كان مصرياً. لقد حاول أيسخيلوس التقليل من شأن دناؤوس، وهدم أسطورته، فجعل أصله يونانياً وجعل مقدمه إلى اليونان مجرد لجوءاً سياسياً، بل ورافضاً لكونه مصرياً، كذلك فقد حاول بعض الشراح إثبات أن دناؤوس كان يونانياً خالصاً فجعلوه ابناً لإيو التى أنجبته فى اليونان. ولكن النتيجة التى نخرج بها من بحثنا أن دناؤوس كان يرمز إلى هجرة أو غزو استيطانى قامت به عناصر مصرية وأن الشواهد الأثرية المصرية واليونانية توضح أن افتراض مثل هذا التحرك من مصر إلى اليونان أمر وارد.

    ومن خلال مناقشة ما ورد فى الأسطورة وتطوراتها نجد أن علاقة اليونانيين بمصر كان لها أثر واضح على تطور أحداث الأسطورة، وأنه كلما زادت العلاقات المصرية-اليونانية زادت العناصر المصرية فى الأسطورة . وقد اكتشفنا كذلك أن الإغريق فى ظل انبهارهم بالحضارة المصرية القديمة كانوا يسعون إلى مطابقة آلهتهم بآلهة المصريين، فى حين يقفون بالمرصاد ضد التشكيك فى نقاء جنسهم أو دفن نعرتهم القومية، بجعل جذورهم غير أصيلة، حتى ولو كانت مصرية."


انشء في: ثلاثاء 16 أكتوبر 2012 16:36
Category:
مشاركة عبر