العلاقة بين العوامل البيئية ووباء حمى الوادى المتصدع فى مصر باستخدام تكنولوجيا نظم المعلومات

مارى كمــال حليــم عين شمس مـعهد الدراســات والبحــوث البيئيـــة العلوم الأساسية البيئية الماجستير 2006

 

الملخص

إن مرض حمى الوادى المتصدع هو مرض فيروسى خطير قد يؤدى الى الموت وهو ينتقل بواسطة البعوض ويصيب الإنسان والحيوان.  والفيروس المسبب للمرض ينتمى الى عائلة  Bunyaviridae من جنس  .Phlebovirusومن المعروف أن مرض حمى الوادى المتصدع من الأمراض التى تتأثر بالعوامل البيئية ويرتبط بمناطق توالد البعوض.  وهناك العديد من أنواع البعوض الناقل للمرض فى المناطق المختلفة. من أشهر هذه الأنواع هى بعوضة Culex pipiens  المنتشرة بكثرة فى وادى النيل والدلتا والذى ثبت أنها النوع الأساسي إن لم يكن النوع الوحيد الناقل للمرض فى مصـر.  ويصيب مرض حمى الوادى المتصدع كثيراً من الحيوانات بالأخص الخراف والماشية والماعز والجمال حيث يحدث إجهاض ونفوق للحيوانات حديثى الولادة. وظل الإعتقاد السائد أن هذا المرض هو مرض حيوانى فقط لايصيب الإنسان حتى ظهور وباء عام 1977 فى مصر والذى أصاب الإنسان والحيوان.  أما أعراض المرض فى الإنسان فهى تبدأ كحالات حمى بسيطة تشبه الإنفلونزة ثم تتطور فى الحالات الحادة الى نزيف وإلتهاب فى الكبد والمخ وإلتهاب فى الشبكية المؤدى الى فقد البصر بالكامل.  ويكون الإنسان معرضاً للإصابه بالتلامس مع الحيوانات المصابه أو باستنشاق الفيروس المنتشر فى الهواء أثناء ذبح الحيوانات أو بواسطة البعوض الناقل للفيروس.

وقد كانت القارة الأفريقية هى الموطن الرئيسى للمرض منذ أن تم فصل الفيروس من حالات الحمى فى كينيا عام 1930.  ومنذ ذلك الوقت وحتى عام 1977 اقتصر المرض على المناطق الواقعة جنوب صحراء أفريقيا ثم ظهر المرض للمرة الأولى فى صورة وبائية فى مصر عام 1977 وتكرر حدوثه فى عام 1993 ثم فى عام 2003.   وفى سبتمبر عام 2000 بدأ وباء حمى الوادى المتصدع فى الانتشار للمرة الأولى خارج القارة الأفريقية حيث وصل الى المملكة العربية السعودية واليمن.   وقد أصاب الوباء أكثر من عشرين دولة حتى الآن منذ بداية معرفته.  وينتشر مرض حمى الوادى المتصدع حاليا فى أماكن كثيرة بالقارة الأفريقية على مسافة حوالى 7000 كم من أقصى جنوب القارة الأفريقية ممتداً شمالاً حتى القاهرة ودلتا النيل ، مما يشكل خطراً كبيراً على دول أخرى شمال أفريقيا وغرب آسيا وجنوب أوروبا.  ويشكل تكرارية حدوث هذا المرض فى مصر قلقاً كبيراً حيث أن القاهرة تعتبر مفترق طرق بين القارة الأفريقية وباقى القارات. 

وقد ثبت أن الأمطار فى القارة الأفريقية تكون دائماً مصاحبة لحدوث المرض بطريقة وبائية حادة.  وحيث أن مراقبة المتغيرات البيئية وروابطها المتشابكة بالعوامل الحشرية والوبائية فى مصر هو أمر صعب، لذلك فلم تكن هناك وفرة فى الدراسات التى تمت فى هذا المجال.  من هنا كان هدف الدراسة هو  تحديد العوامل المنذرة بالخطر والمؤشرات البيئية التى تتنبأ بحدوثه فى مصر.  وكان المدخل الرئيسى للدراسة هو وضع تصور عام يربط بين وباء حمى الوادى المتصدع كمتغير يعتمد على باقى العوامل البيئية موضوع الدراسة،  والتى تم اختيارها بناء على دراسة تاريخ الأوبئة السابقة وإيكولوجية البيئة المصرية. وتم استخدام تكنولوجيا نظم المعلومات والنماذج الإحصائية المناسبة لتحليل هذه العلاقات المترابطة 

وتوضح البيانات التى تم تجميعها على مدار ثلاثين عاماً (1975 – 2005)  أن مرض حمى الوادى المتصدع يرتبط ارتباطا وثيقاً بحزمة من العوامل الهيدرولوجية والحشرية والاجتماعية الاقتصادية التى أتخذت كحجر الزاوية فى بناء النموذج الافتراضي فى هذه الدراسة.  ويمثل البعوض الناقل والفيروس والحيوانات المصابة الأضلاع الثلاث للمثلث، فإذا تصادف تواجدهم فى نفس المكان والزمان فى ظروف ملائمة بيئياً تزداد فرصة ظهور الوباء. 

وفى ضوء طبيعة المرض موضوع الدراسة والذى يتأثر بالتغيرات المائية، فقد تم التركيز فى هذه الدراسة على العوامل الهيدرولوجية والتى ثبت أنها تؤدى الى زيادة أماكن توالد البعوض وبالتالى زيادة فرص انتشار المرض.  لذلك فقد تم متابعة الظواهر الهيدرولوجية المتغيرة فى أفريقيا والتى تتحكم فى زيادة أو نقصان مناسيب المياه فى مجرى نهر النيل أمام وخلف السد العالى بهدف التعرف على تأثير هذه التغيرات الهيدرولوجية على ظهور الوباء فى مصر.  وعلى هذا فقد تم تقسيم المتغيرات الهيدرولوجية المستخدمة فى الدراسة الى أربعة أقسام جغرافية على طول مجرى نهر النيل كالآتى:

 

 

 

 

•             قياسات الأمطار فى جنوب وشرق أفريقيا (متمثلة فى قياسات محطة منجلا فى الهضبة الاستوائية ومحطة جامبيلا فى الهضبة الإثيوبية).

•             قياسات التصرفات ومناسيب المياه أمام السد العالى (متمثلة فى قياسات محطة ملاكال جنوب السودان ودنقلا شمال السودان).

•             قياسات التصرفات ومناسيب المياه فى أسوان (متمثلة فى الإيراد الطبيعى للنهر والمياه الواصلة الى أسوان ومناسيب بحيرة ناصر).

•             قياسات التصرفات ومناسيب المياه خلف السد العالى (متمثلة فى قياسات محطة الجعافرة بأسوان ومحطات دمياط ورشيد فى دلتا النيل).

 

وقد أكدت الدراسات السابقة أن فترات انتشار البعوض تتراوح من شهر مايو الى شهر نوفمبر من كل عام،  لذلك فقد تم إتخاذ هذا المتغير كممثل للعوامل الحشرية فى الدراسة.  أما بخصوص العوامل الاجتماعية الاقتصادية، فقد تم إعتبار أشهر عيد الأضحى والأشهر الثلاثة التى تسبقه والتى يتم فيها استيراد الحيوانات استعدادا للعيد من كل عام كمتغير أساسى فى الدراسة. 

وقد مرت مراحل إعداد البيانات بعدة خطوات متمثلة فى تصميم قاعدة البيانات وتجميع وإدخال ومعالجة البيانات باستخدام برنامج EXCEL والتحليلات الإحصائية باستخدام برنامج SPSS وأخيرا إجراء نماذج التحليل التمييزى. 

وتم دراسة العلاقات المترابطة بين المتغيرات المختارة على ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى توضح نمط التغيير بالأخص فى العوامل الهيدرولوجية على مدار سنوات الدراسة وأيضاً على مدار كل عام.  والمرحلة الثانية توضح الوصف الكمى ودرجة الثقة لكل من المتغيرات الهيدرولوجية فى سنوات المرض الموجبة مقارنة بالسنوات السالبة.  والمرحلة الثالثة تشمل إجراء نماذج التحليل التمييزى لتحديد المؤشرات البيئية المنذرة بظهور وباء حمى الوادى المتصدع. 

أوضحت نتائج التحليلات الإحصائية والنمذجة أن هناك أحد عشر متغيراً من مجموع عشرين متغيراً لها علاقة وثيقة بوباء حمى الوادى المتصدع. وهذه تتضمن أغلب المتغيرات الهيدرولوجية أمام السد العالى وأيضاً كثافة البعوض بالأخص إذا تزامن مع فترة عيد الأضحى.  

وباستخدام نماذج التحليل التمييزى أمكن أيضاً التنبؤ بمرض حمى الوادى المتصدع فى مصر على أساس اثنين من المتغيرات  البيئية ألا وهما الأمطار التى تسقط على الهضبة الاستوائية المتمثلة فى هذه الدراسة بقياسات الأمطار فى محطة منجلا على النيل الأبيض (بمتوسط شهرى 104.6  ± 42.3 مم)، وأيضا على أساس كثافة البعوض الناقل وعلاقته بالمرض. وقد نجح نموذج التحليل التمييزى فى التنبؤ بالمرض بنسبة 2و99% من المجموعتين المدروستين (سنوات حدوث المرض وسنوات عدم حدوثه) .  وبما أن فترة انتقال مياه الأمطار بين منجلا فى الهضبة الاستوائية حتى تصل أسوان هى 27 يوماً تقريباً، فعلى هذا الأساس يمكن التنبؤ بالمرض قبل حدوثه بحوالى شهر تقريباً بالأخص إذا تزامن هذا الموعد مع فترة انتشار البعوض وفترة الاستعداد لعيد الأضحى 

ومن هذه الدراسة يتضح أن الإنذار المبكر بحدوث الوباء والاستعداد المسبق لمقاومته أمر لا بد منه للتقليل من خطره المتعلق بالصحة العامة والتأثير السلبى على الاقتصاد القومى.  وقد أكدت الدراسة على ضرورة إنشاء قاعدة بيانات شاملة تكون أساس لمتخذى القرار وأيضاً أوصت بضرورة التنسيق المتكامل بين العاملين فى مجال الصحة والهيدرولوجيا والحشرات لمقاومة هذا المرض الذى يشكل خطراً كبيراً ليس فقط على الصحة العامة بل وأيضاً على الاقتصاد القومى.  

***"


انشء في: سبت 7 يوليو 2012 15:47
Category:
مشاركة عبر