ماهر رائف : الرؤية الفنية والخلفية الفكرية فى أعماله
شريف محمد حسنى شكرى, ,الإسكندرية ,الفنون الجميلة, التصميمات المطبوعة ( تخصص الطبعة الفنية ) ,الماجستير 2006
تعد الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى مرت بها مصر خلال العقد الرابع والخامس من القرن العشرين لها أثراً كبيراً على تشكيل فكر الفنان أحمد ماهر رائف وأعماله .
وعلى غرار ما يقول هربرت ريد " إن نشأة الفن فى مجتمع ما والقضية المرتبطة بظروف نشأة هذا الفن يستوجب بالضرورة دراسة كاملة ومراجعة دقيقة لتاريخ نشأة هذا الفن مما يستدعى معرفة النموذج العام للثقافة السائدة عند هذا المجتمع والتى تفترض فى الواقع تفسيراً وتوضيحاً للتاريخ من جميع جوانبه "
ولذلك فلقد جاء الباب الأول يهتم بدراسة تحليلية لأربعينيات وخمسينيات القرن العشرين لمعرفة النموذج والقالب الثقافى السائد فى تلك الفترة التاريخية كمنطلق لمعرفة الثقافة التى أفرزت فكر الفنان أحمد ماهر رائف.
اهتم الفصل الأول بتعريف الفنان .
ثم جاء الفصل الثانى ليتناول تأثير فترة الأربعينيات على فكر الفنان أحمد ماهر رائف والتى كانت فيها ظروف البلاد خلال العقد الرابع من القرن العشرين والمعاناة لعصر الإستعمار والإستبداد والإقطاع والفقر والظلم جاءت نبرة الصدق الذى تسلح بها الفنان أحمد ماهر رائف وإنضم لجماعة الفن المعاصر وكان منطلقهم الى الموضوع الشعبى حيث استحالوا الى ما وراء الظواهر الخارجية فى الحياة اليومية وأنماط السلوك ، وأن يرجعوا الى مخزون العقل الباطن الجمعى وليس الفردى ، واقتربوا من عالم المعتقدات والأساطير الشعبية والرؤى الغيبية المتأصلة فيها ، كل ذلك يشكل من زاوية إجتماعية وجهاً للتخلف والبؤس فى حياة الطبقات الفقيرة وذلك بغرض التطبع مع الشخصيات القومية والموضوعات الشعبية مما كان له عظيم الأثر لتحويل الفكر والموضوع نحو التعمق فى جوهر الظواهر الاجتماعية وما تمثل ذلك من الخرافة والسحر والموت والأسطورة وكلها تنشأ وتترعرع داخل النفوس والعقول فى عالم ملىء بالرموز والأحداث والغيبيات كلها تدعو للتأمل والتعمق فى أغوار النفس البشرية وفى ميادين الشخصية الشعبية ، المعتمة ، الدرامية ، القاسية والسوداوية ، وتحول الإنتاج عند ناصية الضمير الاجتماعى فى مقدمة الرسالة ليكون فناً أصيلاً وليد زمانه وبيئته .
وجاء الفصل الثالث ليتناول تأثير فترة الخمسينيات على فكر الفنان أحمد ماهر رائف وأعماله وفيها تحولت الروح الثورية المتمردة التى انطلقت فى الأربعينيات الى طاقة معلقة خاصة أن المناخ السياسى آنذاك لم يسمح بالصراع الفكرى أوالتجمعات الثقافية أياً كان لونها مما كان له الأثر فى ركود التيارات الفكرية والفنية على عكس ما كان فى الأربعينيات ، وجاءت الثورة لتغير النظام الاجتماعى الى رفعة الإنسان المصرى وخرجت مصر من حالة العدوان الثلاثى تتحدى العالم بقوانين التأميم مما يساعد على تأكيد الشخصية المصرية ورفع هامة الإنسان المصرى على كافة المستويات المحلية والاقليمية والعالمية .
وبذلك تغيرت النظرة التشاؤمية والمأساوية التى كانت تغلف أعمال الفنان وهدأت النظرة الفلسفية المتمردة واكتسبت أعماله مزجاً جديداً بين الأثر الفرعونى والموروث الشعبى .
أما الباب الثانى فيتناول مراحل التطور فى التجربة التشكيلية للفنان أحمد ماهر رائف بدءاً من المراحل المبكرة لدراسته
ويتناول الفصل الأول المرحلة المبكرة للفنان أحمد ماهر رائف والمرحلة الأولى أثناء انضمامه لجماعة الفن المعاصر من عام 1945 إلى عام 1956 حيث جاءت أولى التعبيرات الفنيه عند الفنان أحمد ماهر رائف من التعاليم الأكاديمية الأولى بكلية الفنون الجميلة فأحدثت تفاعله مع البيئة السطحية الخارجية الطبيعية للأشكال والموجودات فجاءت محاولاته الأولى لاعتصار ملامحها كي تتحول لمضمون تعبيري ، بعيدا عن ربقة الجمود والمسلمات ، وقد بدأ التحوير لديه بهدف البحث عن إستحداث شكل ممتزج فى نسيج قائم بالدرجة الأولى على الانفعال النفسي ومرتبط بالتعبير عن مضمون داخلى ساخن ، فراح الفنان أحمد ماهر رائف يصهر أحاسيسه الداخلية بالأشكال الكائنة في البيئة الشعبية
ولعل المرحلة الأولى فى إنتاجه الفني والمرتبطة بانضمامه لجماعة الفن المعاصر ودارسته للفلسفة والتحاقه بمرسم الأقصر كان له عظيم الأثر في النبرة التحررية التي نستشعرها في أعماله ، فتخلص الفنان أحمد ماهر رائف من القوالب القديمة التي تدعو لنقل العالم الخارجى كما هو برؤية سطحية لطبيعة الموجودات فوضع نصب عينيه سبر أغوار اللاشعور والوجدان والبحث عن كيفية خلق نتاج جديد ، وكيف يكون نتاجاً متوافقا في اتساق بين الشكل والمضمون معا ؟ أو بين الشكل الجديد المستحدث و المضمون الفكري والوجداني الذي يتسع لتصورات العقل واحتمالات المشاعر بحيث يصبح السطح المطروح ، ليس حاملا لصورة إدراكية أوتخيلية فحسب ، وإنما حامل (لفعل) أقرب في مفهومه من (الحدس) الذي تحدثه إفرازات العقل وإنفعالات المشاعر ، وبراعة الأداء معاَ ، أما مفاهيم الصياغة التقنية فلقد أخذت تستقى طبيعتها عند الفنان من كلية الفنون الجميلة التي كان لها الأثر منذ البداية في الحرفية العالية في إستخدام اللون والخامات والأدوات ومن توجيهات الفنان حسين يوسف أمين .
ولقد صنع الفنان عالمه الخاص من خلال الفكر الفلسفى وعلى الأخص الفلسفة التشاؤمية والتراجيدية التى تعكس الإسقاطات النفسية لحالته وقتئذ ولمصير الإنسان المصرى الذى يعبر به بلغة شديدة الأسى والحزن نابعة من نظرة تشاؤمية تحيط به وبالمجتمع المصرى ، فنجدها شديدة الغم ولها سخرية محزنة وقد أخذت إتجاهاً ديناميكياً فيزيقياً وتجنح للتهكم والسخرية وتعبر بطريقة سريالية عن وضع الإنسان المطحون وإعتباره جزء من بيئة مهمشة نلمح فيها الفوضى والفساد والخراب .
وفى بداية الخمسينيات يتحول أسلوب الفنان الى الرمزية بعد أن حصل على بعثة داخلية لمرسم الأقصر منذ 1952 الى 1954 وهى الفترة التى يتطور فيها فكر وأسلوب الفنان تطوراً ملحوظاً نظراً لقيام الثورة ورفع هامة الإنسان المصرى وتحت شعار الثورة الذى ينادى "إرفع رأسك يا أخى" نلاحظ أن تلك الفلسفة التشاؤمية تتراجع وتنكمش فى أعماله وتتحول أعماله الى موضوعات تستمد طاقتها من قراءات الفنان الفلسفية والدينية وامتلأت الأعمال بالمفردات والرموز التى تمثل ما يفكر به لا ما يراه بعينيه وأعماله فى هذه الفترة تستجيب لها مشاعرنا الدقيقة وأحاسيسنا غير البصرية ، فجميع أعماله تحمل مضموناً لا يمكن شرحه بالكلمات ، كأنه يولد لدينا إحساساً لا نتبين نكهته إلا بعد قليل من التأمل وبعدها تظل تلك المحتويات البصرية عالقة برموزها فى نفوسنا وذلك لأن تلك الأعمال قد إكتسبت طاقة نفسية دفينة امتلأت بها ثناياه .
وهكذا تتحقق فى الأعمال الرسالة الفلسفية والعاطفية مسطورة بلغة الخطوط والتسجيل التصويرى ولا شك أن الرحلة المعرفية فى المكتبة الفلسفية والفكرية مع الفرعونية وواقع الحياة فى جنوب مصر فى تلك الفترة كان لها الأثر فى إنضاج أعماله بمحتوياتها الرمزية ، وهكذا كان الأثر فى إمتزاج الأثر الفرعونى بالموروث الشعبى وهكذا كان التحول فى فكر الفنان ورؤيته الفنية .
ولكن ما أحدث قفزة كاملة في تطور الأداء التقني عند ماهر رائف هو دراسته في ألمانيا في الفترة من 1956ـ 1960 بديسلدورف وفى الفترة من 1960 ـ 1961 بفوبرتال حيث تعرف على العديد من التقنيات الجرافيكية وخصوصاً في معالجة الأسطح الطباعية.
ويتناول الفصل الثانى دراسة للمرحلة الثانية للفنان منذ عام 1956 إلى عام 1961إستكمالاً لما بدأ فيه الفنان أحمد ماهر رائف في استخلاص المضمون في اعماله فكان نتاجاً لكيفية معالجة الشكل والموضوع المطروح معاً ، وكيف كان يقدمه في سياق أعماله بدرجة عالية من الوعي الجمعي ، وبكيفية امتلاكه لأدواته الأدائية ودرجة سيطرته عليها بحيث تصبح التقنية والفكر شيئاً واحداً له هيئة متفردة ، وبالتالي فإن مقومات اللغة التشكيلية عند الفنان أحمد ماهر رائف قد توهجت فيها حدود التعبير وعلى حين تظهر ذاتيه الفنان ووجهة نظره من خلال لغة مـعبرة يتجاوز فيها المـوضوع المـطروح ، بـسبيل الإيـحـاء بمضمون يكتسب عمومية ، وفقاً لوعي الفنان وقدرته على طرح ذلك المضمون دون تعسف ، من خلال شكل متفرد ، وهذا الشكل لا يأتى بهدف الوصف بينما التعبير يتأتى عن قدرة الشكل على تكثيف المشاعر في هيئات متفردة قادرة على التواصل وإثارة الحوار الإنساني مع العمل الفني .
وتمثل هذه المرحلة أهمية كبيرة فى إمتلاك الفنان زمام التحكم فى التقنيات الجرافيكية المتعددة و التعرف على العديد من التقنيات المستحدثة فى ذلك الوقت والتى استهلك من خلالها العديد من التجارب التى خلفت وراءها العشرات من النسخ الطباعية بطريقة الليثوجراف من أسطح الحجر والطباعة البارزة من خلال أسطح خشبية ذات مساحات كبيرة .
ويتحول الفنان فى هذه المرحلة نحو إستحداث علاقات جديدة فى توافق دقيق محكم بين الشكل والمضمون ، وجاءت العلاقات فى قالبها الجديد فى هيئات تصنع شكلاً مستحدثاً يرتبط به المضمون إرتباطاً عضوياً ويصنعان نسيجاً واحداً قادراً على التعبير فى بلاغة ودون مباشرة .
ولقد إستلهم الفنان التجربة من مصادرها وقام بتبسيطها إلى معدلاتها الأولى من خلال وعى الفنان ودرجة حساسيته الجمالية ودرجة المهارة الأدائية معاً ، حيث تشكلت له وفق ذلك رؤية إبداعية خاصة .
ومن خلال الأعمال لتلك الفترة نلاحظ أن التحولات فى مراحل النضج فى الأعمال التجريدية للفنان جاءت كلها فى تطورها المنطقى دون تعسف .
أما عن الفلسفة التشاؤمية التى كان محورها أوضاع البلاد قبل سفر الفنان لألمانيا فـقــد تلاشت نتيجة التحول الإجتماعى الذى شهدته مصر منذ 1952 بعد قيام الثورة والتغير الشامل فى أوضاع المجتمع المصرى وخروج مصر من أزمة العدوان الثلاثى لتتحدى العالم بقوانين التأميم وغيرها من القوانين الثورية التى ساعدت على تأكيد الشخصية المصرية ورفع هامة الإنسان المصرى على كافة المستويات المحلية والإقليمية و العالمية فى نفس الوقت ، فجاءت الأجواء ممهدة ليتحول نحو فلسفة جديدة فى بناء موضوعاته و التى إنتزعت شخوصه البائسة والكادحة والمقهورة والمهمشة من أعماله فى تلك الفترة واستبدالها بشخوص من ريف الأقصر ، التحطيب ، الزمار الكفيف ، عازف الربابة ، حاملات الجرار وغيرها من الأعمال التى تحمل هوية قومية تفاخرية جاءت على غرار شعار الثورة " إرفع رأسك يا أخى "
ولم ينتزع رائف الفلسفة التشاؤمية من شخوصه بل إنتزع شخوصه أنفسهم من أعماله تدريجياَ بترسيب جوهر الأشياء و الموجودات بتبخير كل المواد البصرية العالقة للشكل وتحميل العمل الفنى بإيجاز لجوهرها لتحقيق الانفعال المناسب لكل عمل ، فأخذت شخوصه تأذن بالتلاشى تدريجيا ليحل مكانها علاقات من اللون والخطوط والمساحات تنوعت فى طبيعة تجريداتها ، كالتجريدية الطبيعية و النقائية والإيجازية الرمزية وقليلا ما كان يجنح للتجريدية الهجائية التى سرعان ما ستكون مرحلة كاملة فيما بعد " المرحلة الرابعة " فى الفترة ما بعد 1975
إلا أننا قد نبلغ مقصدنا بدراسة تلك المرحلة فى إثبات أن مراحل النضج فى الأعمال التجريدية للفنان أحمد ماهر رائف لم تأت إلا من رؤية واعية وتكثيف لخبرات أدائية وفلسفية وذات خصوصية يظهر فيها ذاتية الفنان وعمومية موضوعاته المرتبطة بالبيئة ومن خلال فكر منظم ولغة معبرة شقت طريقها من البداية قوية وثابتة .
ويتناول الفصل الثالث دراسة للمرحلة الثالثة للفنان أحمد ماهر رائف منذ عام 1962 إلى عام 1967 وتتمثل أهمية تلك المرحلة فى الاسهامات التقنية والخبرات العملية التى قدمها الفنان أحمد ماهر رائف لقسم الحفر بالأسكندرية بعد عودته من ألمانيا منذ عام 1962 بعد أن طلب منه الفنان الكبير أحمد عثمان مؤسس الكلية بالأسكندرية ليساهم فى إرساء دعائم الكلية الجديدة الشابة فرحب بذلك لتبدأ مرحلة جديدة من حياة الفنان لتحقيق رؤياه الخاصة بتحقيق ما مارسه وشاهده أثناء إقامته بالخارج .
ويشهد أستاتذتنا الأستاذ الدكتور / سعيد حافظ حداية والأستاذ الدكتور / عطية محمد حسين والأستاذ الدكتور / فاروق إبراهيم شحاتة والأستاذ الدكتور / صبرى محمد حجازى بالكثير من العرفان و الوفاء لما قدمه أستاذنا الجليل / أحمد ماهر رائف من اسهامات تقنية استفادوا بها كثيراً فى مرحلتهم الدراسية الأولى كالطباعة البارزة من أسطح خشبية كبيرة وأسلوب الدمج بين أكثر من طريقة طباعية والأساليب التى يقوم فيها الفنان بتحويل الأسطح الطباعية لمناطق حساسة للضوء بفرش المستحلبات الحساسة وتغطية أسطحها بالطرق المناسبة كالطباعة النافذة بالشبكات الحريرية و الليثوجراف و الأساليب المختلفة لحفر المعادن ودمجها مع الطباعة المسطحة و البارزة .
وعن فناننا الذى انتمى لبيئته وتفاعل معها فى كل الظروف نجده يتفاعل مع معركة 1967 والتى ساهمت فيها كلية الفنون الجميلة بالأسكندرية، فيسافر مع تلاميذه بمعرض فى بارجودسبرج كمظاهرة دبلوماسية ومشاركة لتأييد مصر فى ظروفها ولاحتواء تلاميذه وبث القومية و الأصالة فى مشاعرهم .
أما عن أعمال الفنان أثناء تلك الفترة فبدت فيها الإرهاصات الأولى نحو إستخدام الحروفية لتصبح تلك الفترة التاريخية كمرحلة إنتقالية بين التصوير التشخيصى والهجائيات والتى بدأ يحقق فيها أعماله بحروف لاتينية وعربية وحتى الرموز الفرعونية والكتابات المختلفة ولكنها كانت فى البداية شحيحة ومتوارية بين ثنايا العناصر فبدت عناصر اللوحة عبارة عن بقع لونية يحكمها نسيج عضوى مترابط وتبدو المساحات اللونية كجزر متناثرة أو متجاورة تتخللها رموز أشبه بحروف الكتابة .
ثم بدأت تظهر على نحو محدود الخطوط الحروفية دون اللجوء لمدلولها اللفظى فتارة يزاوج بين الحروف والمساحات اللونية وتارة يخفيها فى ثنايا التأثيرات والمساحات الملونة وتارة يبرزها ويؤكدها ولكن فى أعمال محدودة للغاية .
وجاء الفصل الرابع بدراسة للمرحلة الرابعة للفنان من عام 1975 إلى عام 1992والمحور الذى تقوم عليه هذه المرحلة هى رسالة الدكتوراة التى أعدها الفنان أحمد ماهر رائف بجامعة كولونيا بقسم تاريخ الفن للدراسات الشرقية وكان موضوعها عن جماليات الكتابة العربية فى القرن العاشر تركيزاً على ابن مقلة والتى درس من خلالها نظرية الهندسة المستوية لإقليدس بالألمانية وحقق من خلالها العلاقة بين الهندسة والفلسفة عند ابن مقلة و إقليدس من خلال ترجمات ابن اسحاق وأثبت فيها أن إخوان الصفا رسموا النسب الإنسانية قبل دافنشى " نجمة قرون " وبدقة أكثر .
فجاءت دعوته لإقامة منهجاً يقوم على استلهام الخطوط العربية و التراث الإسلامى للبحث عن القالب الإنسانى فى تأمل فلسفى وعلمى متصوف بعلاقة متوازية بين هندسة الشكل وفلسفة الجوهر .
واتخذ لنفسه أسلوباً اتبعه لتطبيق أفكاره ونشر مبادئه بعد أن اعتلى منصب رئاسة القسم فوضع منهجاً دراسياً صارماً أدخل فيه الكتابة العربية بل وجاءت محاضراته داخل الكلية وخارجها بالمراكز الثقافية ومقالاته بالصحف دعوة مباشرة وصريحة لركب ذلك الدرب .
ولكن المناهج لم تخل تماماً من استقاء الموضوعات من الطبيعة ، فأدرج فى الصف الثالث والرابع مجموعة من الدراسات الخاصة بالتسجيلات الطبيعية المستخلصة من الطبيعة بتصويرها فوتوغرافياً ثم محاولة إستخلاص القانون الهندسى الكامن وراء المظهر التسجيلى للعنصر الطبيعى ثم عمل تأليف من أشكال خطية تتآلف فى قانونها الهندسى مع القانون المستخلص فى الموضوع المسجل بحيث يتداخل الشكل الخطى معه.
ودفع الطلبة للبحث فى توظيف ما استخلصوه من نتائج وعلاقات فى الإنتاج الطباعى ومجال الإنتاج الطباعى و مجال الإتصال والنشر كالملصقات ليتماشى مع التسمية الجديدة للقسم الذى حوله من قسم الحفر إلى قسم التصميمات المطبوعة خلال فترة رئاسته للقسم .
فنجد الطلبة يدرسون حشرة الصرصور أو الذبابة لتكون فى النهاية ملصق عن التلوث أو دراسة لحصان عربى لعمل ملصق عن التضامن العربى .
ومن هنا جاءت الدعوة للارتباط بالبيئة فأخذ الطلبة يتناولون موضوعات تهم المجتمع كالأزمة الإقتصادية بينما كانت هناك دعوة أخرى للتأمل الفلسفى والصوفى كالبحث حول قدرة الخالق باستهلاك العديد من التجارب والملاحظات والتسجيلات الفوتوغرافية والتحليلات الهندسية ثم تنتهى بالطباعة من خلال الطرق الطباعية المناسبة والمقترحة .
ولقد أقام الفنان أحمد ماهر رائف العديد من المعارض للطلبة داخل البلاد وخارجها وتتصدر الهجائيات والحروفية مقدمة الموضوعات التى نفذها هو والطلبة فى هذه المعارض كمحاولة لنشر دعوته لركب ذلك الإتجاه ولاستلهام الفنون الإسلامية .
ولقد قسمنا هذه المرحلة إلى ثلاثة تحولات أساسية فى تطور الرؤية الفنية بأعماله كما يلى :
1- أدخل الفنان أحمد ماهر رائف الحروف العربية والزخارف الإسلامية كمثير بصرى الذى بدأ فى صورة غير مقروءة وبعيدة عن أى مدلولات لمعانى الكتابات والحروف وذلك فى الفترة من 1975 وحتى 1980 .
2- تتحول الكتابات داخل أعماله بصورة أكبر وأصبحت خاضعة لنظام بصرى مقروء ، فنلمح كتابات كاسم الجلالة والطغراء ولكنها مازالت تسبح فى وسيط تجريدى بعيداً عن النص المكتوب وظهرت تنويعات من الخط الكوفى والخط الحر وتمثل ذلك فى الفترة من 1980 وحتى 1987 .
3- وأخيراً ينتهى الفنان أحمد ماهر رائف بقيمة جديدة لإستخدام الحروف والكتابات العربية بإسقاط كل القيم المجردة ليتمكن من كتابة آيات الله من كتابه المطهر كالفاتحة وسورة البقرة وسورة آل عمران ، وتمثل ذلك فى الفترة منذ عام 1987 .
وبذلك كانت هذه المرحلة إجهاض كامل لكل شخوصه التى كانت تمثل محوراً أساسياً فى موضوعاته خلال المرحلة الأولى والثانية واستبدلت بالحروف والكتابات على نحو صريح .
أما الفصل الخامس فيتناول دراسة للمرحلة الخامسة " إرتداد الفنان للتصوير التشخيصى فى أعماله"من عام 1993 إلى عام 1999 وتعد الدراسة التحليلية لأعمال المرحلة الخامسة للفنان أحمد ماهر رائف من أهم الدراسات لأعمال الفنان لأنها تكشف لنا فكر الفنان ورؤيته الفنية المتجددة والتى يتحول فيها مرة أخرى إلى التصوير والتشخيص فى أعماله برؤية جديدة وفكر جديد مستنبطاً ومستوحياً أفكار ذات خصوصية شديدة من سحر آيات كلام الله من القرآن الكريم ومن القصص النبوى وخصوصاً قصة نبى الله موسى عليه السلام مع بنى إسرائيل التى دعته أن يسترجع العديد من الرموز الفرعونية التى كان يستلهمها من الفترة التى قضاها فى البعثة الداخلية لمرسم الأقصر كعبدة الصنم وهى مجموعة من الأوانى الخزفية والقوارير والبلاليص وتبدو كأنها ترفع أيديها للعبادة .
وخلال تلك الفترة التى قضاها الفنان منذ 1993 – 1999 مع ابنه كريم بالولايات المتحدة الأمريكية حاصر الفنان مرض السكر وأحال الفنان بعيداً عن الأعمال التى تحتاج للمجهود كالأعمال الطباعية التى تحتاج الحفر والطبع فلجأ إلى التصوير من خلال أقلام حبر ملونة ذات أحبار مائية كثيراً ما كان يلون بها ثم يبلل أجزاء منها لتذوب وتتداخل لتنسجم تدرجاتها وألوانها .
وتبحر الفنان فى بطون الكتب الدينية وأخذ يقرأ فى التفاسير والمناظرات الدينية حتى يستطيع أن يتم بحثه حول موقف الأديان السماوية من الفن التشكيلى والذى دعاه أن يهتم بإخراج مجموعة من الأعمال التصويرية التى تدور حول إثبات أن الصورة أشد دلالة من الكلمة .
ومن هنا لجأ الفنان للعودة إلى شخوصه وأن ينهى فترة الخصام التى استبدل فيها الفنان تلك الشخوص بالحروف والكتابات العربية والزخارف الإسلامية .
وهكذا تغير موقف الفنان من التصوير التشخيصى وارتد للصورة التشخيصية التى أجهضها سابقاً فى أعماله ليكون هذا التحول هو الثالث فى التحولات الرئيسية فى فكر الفنان ، فنراه يعتمد فى أعماله على عدة مصادر لاستلهام الصورة التشخيصية كما يلى :
1- استلهم الفنان من وحى سحر آيات الله من القرآن الكريم .
2- استلهم الفنان من وحى القصص النبوى .
3- استلهم الفنان من وحى المواضوعات الشعبية أعماله التى نفذها أثناء إنضمامه لجماعة الفن المعاصر .
4- استلهم الفنان من مخزون رؤيته أثناء البعثة الداخلية لمرسم الأقصر .
5- استلهم الفنان من وحى القضايا العامة .
6- استلهم الفنان من وحى الرؤية الأخيرة بالمرحلة الخامسة مستخلصاً رؤية مصورة لعلم اليقين وعين اليقين .
7- استلهم الفنان من وحى المرحلة الرابعة للحروف والكتابات (الحروفية) .
وربما كان ارتداد الفنان نحو التشخيص فى أعماله مرة أخرى يحقق مفاجأة لدى جميع من عاصره وجميع من يعرفه ولكن ما لا يحقق أى نوع من الدهشة هى روعة أعماله الفنية ودرجة الوعى التى تغلف أفكاره ومشاعره الرقيقة التى تنبض فيها محتويات اللغة التشكيلية لأعماله ، وعلى ذلك فإن الفنان نفسه لم يمنعه اعتكافه على الحروفيات من العدول مرة أخرى لعالم التشخيص التصويرى ، وقد نلاحظ روعة ذلك عندما تتدفق فجأة ذكريات الماضى للشيخ القعيد أحمد ماهر رائف وتتفجر فجأة فى محتويات صفحات بحثه فكراً يحمل ثقافة عشرات السنوات قضاها الفنان باحثاً عن الحقيقة فى الفن وعن حقيقة الفن .
ويوضح الفنان فى آخر أعماله موقفه من الصورة والكلمة .
"إن إعتبار الصورة المشخصة أى الصورة المضاهية للشىء المصور أشد دلالة على المعنى من الكلمة المكتوبة فهى تحمل معناها فى ذاتها فلا تلجأ إلى ترجمة هذا المعنى إلى لغة أخرى إذا جاءت لغة هذه الكلمة المكتوبة ، الأمر الذى يحدث فى لغات البشر جميعاً القديم منها والجديد" .
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة