الشعارات الإدارية ( الرنوك ) و دورها كوسيلة إتصال مرئى فى الشرق العربى

نجوى عبد الحميد إبراهيم خضرجى , ,الإســكندرية, الفنـون الجميلة التصميمات المطبوعة, ماﭽستير 2008

إن العلم والفن ضروريان لبناء مجتمع راقٍ متطور كما يتطوران تبعاً لتطور العصر – بالرغم من أن كل منهم يختلف عن الآخر- فالعلم يُخاطب العقل أما الفن فهو يُخاطب الوجدان و مع أن الفن الحديث لا يلغى ما قبله من فنون إلا أن العلم و نظرياته المستحدثة قد تلغى ما قبلها .

 

و من أهم الوسائل الفنية " الرمز " و هو وسيلة لخدمه العقل حيث أنه أداه ذهنية أو مظهر من مظاهر فاعلية العقل البشرى , وحينما ينجح الإنسان فى توصيل فكرته إلى الآخرين عن طريق بعض الرموز فإننا نقول عنه إنه أحسن التعبير عن تلك الفكرة . ومن هنا يكون الرمز عنصراً مهما ً للتفاهم , حيث يحلم كثير من البشر بعالم واحد يتجنب حدود التقسيمات الطبيعية , فالرياضة رموز , وعلم الطبيعة رموز , والعقائد إشارات رمزية , والأدب قوامه الرمز بالتشبيه والتصوير , والفن كله رموز صوتيه , لونية , حركية......إلخ .

 

و قد ظهرت الأشكال الرمزية والزخارف التى أتخذت من أشكال الحيوانات والطيور والأزهار رموزاً تُعبر عن المضمون بمجرد الرؤية , دون الحاجة إلى تعريف كلامى , فهذه الرموز استُخدمت كقاعدة بيانات للتعبير عن المشاعر والأفكار تلميحاً دون تصريح .

 

ولقد نتج عن استخدام مصطلحى الرمز " symbol  " والعلامة " sign " - فى كثير من الأبحاث والمراجع - كمترادفين كثير من اللبس , فأغلب الباحثين الذين تعرضوا لهذه الجزئية يرون أن الرمز يتميز عن العلامة بأنه يُشير إلى مفاهيم وتصورات وأفكار مجردة , بينما تُشير العلامة إلى أشياء مفهومه ومتفق عليها ,على اعتبار أنها لا تفعل شيئاً أكثر من مجرد الإشارة إلى تلك الأشياء التى ترتبط بها .

 

فالرمز فى نهاية الأمر هو نقش أو رسم أو إشارة , كما أنه أفضل طريقة لتلخيص كل ما نريد أن نعبر عنه , وقد انتهى كثير ممن تعرضوا لتعريف الرمز بأنه إشارة قد عُرف مدلولها عن طريق الاصطلاح العام كما هو الحال فى " إشارات المرور " , والرموز العلمية و الاجتماعية كاللغة التى نستخدمها نطقاً وكتابة حتى أصبحت هذه الرموز كلما توقف المرء عندها استيقظت مدلولاتها الرمزية فى نفسه .

 

وعلى مر التاريخ استخدمت الحضارات المختلفة الرموز كوسيلة من وسائل الاتصال تأكدت من خلال تعبيراتهم ومعتقداتهم وكتاباتهم و على سبيل المثال الحضارة الفرعونية التى كانت تستخدم الرموز استخداماً جيداً فى مجالات شتى من مجالات الحياة , فظهرت الأشكال الرمزية التى تجمع بين قوة الأسد وعقل الإنسان كما هو الحال فى تمثال ( أبو الهول ) فالفنان المصرى القديم قدم الكثير لإثراء اللغة الرمزية وأهمها رموز الآلهه مثل رع , أوزوريس ....إلخ .

 

وفى عصرنا الحالى احتل البعد المعلوماتى و الاتصالى دوراً هاما ً فى تحقيق تقدم الشعوب , ذلك البعد الاتصالى الذى يتجاوز فى حجمه ونوعيته وأثاره ما سبق أن أنجزته البشرية من اختراعات وإبداعات و ابتكارات طوال تاريخها الأمر الذى أنعكس على أشكال النظام والتفكير التقليدية , فوجدنا الرمز يطل علينا فى كل وسائل التقنية الحديثة . فكل شخص قد اتخذ لنفسه رمز يعرف به سواء أكان هذا الرمز رقماً أو رسماً مبتكراً أو مقلداً , وكذلك الحال فى المجتمع فلكل محافظة رمز يعبر عنها , وأصبح لكل منطقة رمز بريدى تُعرف به , والأندية المختلفة لكل منها رمزاً , والمرور له رموز تُخبر عن جوهرها بمجرد النظر إليها دون الحاجة إلى تعريف كتابى .

 

و لو ألقينا الضوء على فرع من فنون الاتصال التى نشأت فى الزمن القديم ألا و هو فن تصميم الشعارات الإدارية " الرنوك " التى ظهرت للتعبير عن الوظائف الإدارية المملوكية و التى تزامنت مع المحتوى الجمالى فى إطار العصر و الطراز التشكيلى السائد فيه فما نراه من تغير فى الفكر يتبعه تغير فى الاتجاه التشكيلى لتلك الشعارات والغرض منها ويبدو ذلك واضحاً مع ظهور الفن الحديث بمحتواه ومفاهيمه فلقد لعبت الرنوك دوراً هاماً فى العصور القديمة وانتشرت زمن سلاطين المماليك , وسُجلت بكثرة على التحف و المبانى و الأسلحة و الملابس بأمر سلاطين و أمراء هذه الدولة .

 

و " الرنك " لفظ فارسى معناه اللون واستُخدم بمعنى الإشارة أو الشعار أو الرمز الذى يتخذه الأمير أو السلطان المملوكى لنفسه , وقد استعمل المماليك هذه الكلمة فى مصر خلال فتره الحكم المملوكى , وكان اللون يلعب دوراً أساسياً فى تصميم هذه الشعارات ويُستخدم للتمييز بين الشعارات من حيث الشكل ( * ) .

 

و لكى تكون الفكرة أكثر قرباً حول تغير الهدف من هذه الشعارات على مدار العصور , فإن تلك الشعارات عبرت عن وظيفة أو مكانة اجتماعية أو قيادية كما كانت وقف على الأمراء , كما جرت العادة عند تأمير المملوك أن يُمنح رنكاً يُشير إلى وظيفته ويُستخدم كشعار شخصى يتخذه القائد أو الحاكم أو الأمير أو السلطان لنفسه مثل رنك زهرة اللوتس , و رنك السبع .

 

أما بالنسبة للغرب فقد منح مصممو الشعارات رسومهم محتوىً جمالياً عن طريق الألوان والخطوط والرسوم قديماً حيث ظهرت هذه الشعارات فى الغرب نتيجة الحروب و خاصة الصليبية التى كانت تضم أكثر من بلد فكانت هذه هى وسيلة التعريف بين فرق كل بلد .

 

وتكمن أهمية هذا البحث فى كونه دراسة تاريخية تظهر أهمية الرموز و الشعارات و التعرف على وسائل الاتصال فى العصور المختلفة والحضارات المتعددة حتى العصر الحديث , فهو يلقى الضوء على هذه الرموز و على الشعارات فى الحضارات المختلفة ابتداءاً من الحضارة المصرية القديمة ومروراً بالحضارة البابلية ثم الآشورية و بالحضارة الصينية , فيجعل هذا البحث القارئ يلتقى مع الدلالات الرمزية والفكرية للشعارات المختلفة لأنه يُنير الطريق أمامه لمعرفة ظهور الرموز والشعارات تاريخياً و علمياً.

 

و تلقى مشكلة البحث الضوء على الرموز و الشعارات فى الشرق و التعرف على أحد هذه الظواهر البارزه فى عهد المماليك و هى " الرنوك " و مقارنة بينها و بين مثيلاتها فى تلك الفترة فى الغرب من حيث الظروف التى ظهرت فيها و قيمتها التاريخية و الفنية و دورها كوسيلة فعالة فى الاتصال الاجتماعى .

 

* - إبراهيم على طرخان , مصر فى عصر دولة المماليك الجراكسة , القاهرة, مكتبة النهضة المصرية , مطبعة لجنة التالية والترجمة والنشر 1960 سلسلة الآلف كتاب القديم 279 , صـ324ـ .

 

و كان الهدف من ذلك إحياء أسلوب من أساليب الاتصال فى الشرق العربى و التى لم تحظ بالدراسة التى تعطيها حقها حتى إن المراجع التى تذكر هذا الأسلوب الفنى قليلة جداً بل نادرة .

 

و تكمن أهمية هذه المشكلة فى دراسة أساليب الاتصال أثناء فترة المماليك فى الشرق و التى استُخدمت فيها " الرنوك " و إظهار مدى تأثرها و تأثيرها فى الغرب .

 

ويتم ذلك من خلال استخدام المنهج التاريخى التحليلى فى الباب الأول لتحديد ماهية العوامل التى بلورت الأسلوب الفنى الذى استخدم فى تصميم و معالجه الرموز , و توضيح الفرق بين الرمز والعلامة, ووضحنا الفرق بين الرمز و دوره ووظيفته فى المجتمع , وتطور الرموز عبر التاريخ و استعرضنا بعض أنواع العلامات , والفن فى الحضارة الصينية وغيرها من الحضارات .

 

وكذلك المنهج التاريخى فى الباب الثانى لنشأة الرنوك وأنواعها و استخداماتها لتوضيح الأسس الفنية والجمالية التى أتُبِعت فى تصميمها مما يُعزز دور الرسوم الرمزية كوسيلة للاتصال ولتفهم وجهات النظر الفكرية والثقافية و المعانى الجمالية لكل رمز , وتناولنا التعريف بالرنوك تلك الظاهرة الفنية الهامة التى سادت و انتشرت زمن حكم سلاطين المماليك , و قد ظهرت بكثرة على التحف والآثار التى صنعت وشيدت بأمر سلاطين وأمراء هذه الدولة و التى ميزنا بين أربعة أنواع منها وهى الرنوك البسيطة , و الرنوك المركبة , و الرنوك الكتابية , و التمغا ( * ) .

وسوف نتحدث عن دلالات الرنوك الوظيفية و أسباب ظهورها و أنواعها , كما تحدثنا عن أسباب ظهور ومراحل تطور شعارات النبالة فى أوروبا , وتصميمها الهندسى , ومدلولها فى العصور الوسطى , و تعريفاتها , كما قامت الباحثة بعمل دراسة تحليلية لدور عناصر التصميم الأخرى كاللون والكتابة والحروف فى تصميم الرنوك , أما عن الباب الثالث فهو دراسة تحليلية لشعارات النبالة الغربية ومراحل تطورها , فعقدنا بينها و بين الرنوك الشرقية دراسة مقارنه للشكل والوظيفة , ثم ألقينا الضوء على الأسباب التى أدت إلى عدم تطور الرنوك الشرقية .


 


انشء في: سبت 28 فبراير 2015 15:47
Category:
مشاركة عبر