"مساله الرق وتجارته في ممتلكات مصر الافريقيه (1820 ـ 1863)"

غباشي عامر العليمي ماجستير 2001

    

                "الرق كدراسة اجتماعية نجد أنها مست جوانب عديدة للحكم المصرى ، فلم تكن المسألة مجرد طبقة لها اعتبارات خاصة ، قامت على خدمة طبقات المجتمع الأخرى ، بل يجب أن ينظر إليها على أنها شكلت وجود عددى كبير يكاد يقترب من ثلث المجتمع ، وتعدى تأثيرها الجوانب الاجتماعية إلى حركة المجتمع الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، قبل الحكم المصرى وفى ظله بشكل واضح وفعال ، ولا يمكن إغفاله بأية صورة من الصور ، وما ساعد على ظهور هذه الصورة هو الحكم المصرى نفسه الذى جعل من الرقيق مادة جديرة بالبحث ، عندما عُنونت الكثير من مراسلات النظام المصرى فى القاهرة والخرطوم بهم . ومن هنا كان اختيار مسألة الرق وتجارته فى الفترة من عام 1820 عندما بدأ محمد على يعد العدة لضم السودان ، حتى عام 1863 عندما تولى الخديو إسماعيل حكم مصر ، ليبدأ عصر جديد شهدت فيه هذه المسألة توجهاً آخر ، ويقصد به مناهضة الرق ، وهذه الجزئية تناولتها دراسات أخرى لها قيمتها التاريخية الكبيرة .

وقد آثر البحث أن يتخذ من ممتلكات مصر الأفريقية عنواناً بدلاً من مصطلح السودان ؛ لما فى الأول من شمولية تغنى البحث عن مرادفات جغرافية يصعب تحديدها إبان هذه الفترة ، فلم تكن هناك حدود بالمعنى المعروف ، بل أن السودان نفسها كانت فضفاضة بدرجة كبيرة ، حيث شملت أجزاء واسعة من أفريقيا بعيدة كل البعد عن السودان الحالى ، منها السودان الغربى ، الذى وصل إلى نيجيريا والسنغال ، وهناك السودان الأوسط ، وكذلك الغربى ، بل أن دارفور التى هى جزء لا يتجزأ من السودان الحالى ظلت بمنأى عن الحكم المصرى طوال فترة البحث ، فى الوقت الذى دخلت فيه أجزاء أخرى تحت السيادة المصرية لا تنتمى إلى السودان الحالى كمصوع وأجزاء أخرى من أرتريا الحالية .

ولم يكن اتجاه محمد على ناحية أفريقيا وليداً لطموحات سياسية ، بقدر ما هو اتجاه طبيعى أملته الظروف التاريخية والجغرافية على حكام مصر منذ فجر التاريخ ، وما تكشفه الآثار فى منطقة النوبة العليا خير دليل على ذلك ، وكان موضوع هذا البحث أحد الأسباب التى دفعت بالعديد منهم نحو الجنوب ليتزود برجاله جنوداً فى جيوشهم ، فلم يخرج محمد على عن هذه القاعدة ، ولكن جرت العادة على تبرير الأحداث التاريخية ، أو النيل منها ، وكذلك كان ضمه للسودان ، وهو ما أفرد له البحث الفصل الأول منه ، وهو يتناول بالإضافة إلى تحليل العوامل التى كان للرق نصيب وافر منها ، الأسلوب الذى اتبعه الجيش المصرى للحصول على الرقيق فى الفترة التى صاحبت عمليات ضم السودان ، وأهمها الاستيلاء على رقيق القوات المنهزمة ، وتلك الأعداد التى جاءتها على شكل هدايا من أصحاب النفوذ القديم ، ثم الضرائب التى كانت تحصل على شكل رقيق ، ودور الرق فى قيام الثورة على الحكم المصرى والتى تمخض عنها مقتل إسماعيل بن محمد على . وتناول كذلك وسائل الإدارة فى الحفاظ على سلامة الرقيق أثناء نقلهم حتى معسكرات التدريب فى أسوان .

أما الفصل الثانى من هذه الدراسة فيتناول العلاقة بين مسألة الرق وطبيعة النظام الإدارى ، وهى فى العديد من جوانبها علاقة إيجابية ، فقد ارتبط الرقيق بحملات الحكومة على الجهات التى ظلت مناوئة للحكم المصرى ، وخاصة مناطق الحدود مع القبائل الزنجية فى الجنوب والغرب أو السودان الشرقى ، وبقايا المتمردين من أتباع المك نمر ، كما كان للرق دوره فى العلاقة مع دارفور ومحاولة الإدارة استمالتها للحصول على المعادن والرقيق منها ، وتطور مسألة الرق على مدار الفترات المتعاقبة لحكمدارى السودان ، بدايةً من عهد عثمان بك ، حتى حكمدارية موسى باشا حمدى ، مروراً بحكمدارية خورشيد باشا وأحمد باشا أبو ودان ، وأحمد باشا المنكلى ، وغيرهم فى عهود محمد على وعباس باشا وسعيد باشا .

ويتناول الفصل الثالث تجارة الرقيق فى ممتلكات مصر الأفريقية فى ظل الحكم المصرى ، مقسماً مصادر الرقيق إلى ثلاثة مصادر ، وهى الغرب والشرق والجنوب ، كما يؤكد على دور النظام المصرى فى انحراف مؤشر هذه التجارة تصاعداً وهبوطاً مع تحليل للعوامل التى أدت إلى ذلك . فلا يُنسى ما كان لافتتاح النيل الأبيض من أثر على مد رقعة الرق على مساحة شاسعة من الجنوب السودانى على يد التجار من الأجانب ثم العرب من منظور الحرية الاقتصادية . كما يشير هذا الفصل إلى الرقيق فى المعاملات التجارية من حيث أسعارهم فى أسواق السودان والعوامل المؤثرة عليها ، وطبيعة التعامل فى هذه الأسواق ، وتطور الجمارك على الرقيق .

وفى الفصل الرابع وهو بعنوان الرقيق والجندية فى السودان ، يسطع بجلاء نجاح تجربة تجنيد الرقيق ، وهو ما ظل متوارياً بحجة موت الرقيق فى مصر ، ومن ثم فشل محمد على فى تجنيدهم ، ومن خلال التجربة التى خاضها الجيش المصرى فى السودان كان الرقيق هم وقود العمليات العسكرية ، ولم يكن الرقيق بعامل مساعد على استقرار النظام العسكرى فقط ، بل استعانت بهم الحكومة فى مناطق أخرى مثل شبه الجزيرة العربية لفترات ليست بالقصيرة ، فارتبطوا ارتباطاً وثيقاً بعجلة الحياة العسكرية المصرية ، ولم تهملهم الحكومة ، بل فتحت أمامهم أبواب الحياة الحرة ، والترقيات إلى الرتب الأعلى ، وهو ما لم يتح لأمثالهم من الجنود المصريين ، رغم الفتور الذى اعترى علاقتهم بهذه الحياة فى بعض الفترات التى تردى فيها النظام الإدارى .

أما الفصل الخامس فيتناول العلاقات الاجتماعية التى ربطت بين السودانيين ورقيقهم ، والدور الذى لعبه الرقيق فى الكثير من البنى الاجتماعية والاقتصادية من منظور حجم الرقيق العددى فى إطار المجتمع السودانى . ومن أهم هذه الأدوار ما ينسب إلى الرقيق كمكون رئيسى لمفردات صداق المرأة السودانية ، وما تلعبه الجارية أو العبد فى تشكيل منزل الزوجية . وأثر علاقة التسرى بالجوارى الحبشيات والزنجيات على التركيب الجنسى للسكان وهو ما يتضح من خصائص السكان فى بعض المناطق دون غيرها . ولا ينسى أن الرقيق عاش كأسرة فى معظمهم وليسوا مجرد أفراد ، فى كنف أسر مواليهم التى أفردت لهم أماكن يعيشون فيها كأفراد من الأسرة السودانية ، وسار الوافدون من المصريين وغيرهم ، ويتناول هذا الفصل كذلك موقف الرقيق من المجتمع  والجرائم التى نسبت إليهم وأخلاقهم وصفاتهم التى تباينت بتباين المناطق التى وفدوا منها . وكما لعب الرقيق دوراً فى النشاط الاجتماعى كانوا هم عصب الحياة الاقتصادية فى المرعى والحقل ، ثم فى الساقية والمصنع اللذين أدخلهما الحكم المصرى فى السودان .

أما الفصل السادس والأخير فيتناول بالتفصيل تلك البوادر التى شهدتها فترة الدراسة من 1820 إلى 1863 أى قبل عهد الخديو إسماعيل الذى خطى بهذا العمل ما تحمده له الإنسانية . ولكن ما قام به الخديو إسماعيل لم يأت من فراغ ، فقد سبقته جهود جده وعمه ، وكان من أثر هذه الجهود أن بدأ المجتمع تدريجياً يعى ما يلحق المناطق التى يقع عليها عبء الاسترقاق ، وهو العامل الرئيسى فى إعاقة مصر عن اتخاذ خطوات حاسمة على طريق مناهضة الرق وتجارته طوال هذه الفترة ، فتحملت مصر رغبات متباينة آثرت على وجودها فى السودان ، فكان للضغوط الخارجية التى تحث على مناهضة الرق من جهة ، وضغوط داخلية ترى أنه من غبر العدل أن تتخلى عن هذا الامتياز من جهة أخرى ."


انشء في: ثلاثاء 30 أكتوبر 2012 18:33
Category:
مشاركة عبر