المواكب المقدسة للمعبود آمون- رع في طيبة الغربية من عصر الدولة الحديثة حتى نهاية العصر المتأخر (دراسة تحليلية مقارنة )
منى محمود محمد الجندي , ,القاهرة, الآثار المصرية, ماجستير 2009
المعبود آمون ودوره فى العقائد المصرية القديمة
يعد المعبود آمون واحداً من أهم المعبودات المصرية القديمة – وذلك ابتداءً من عصر الدولة الوسطى- إن لم يكن أهمها على الأطلاق، وهو ما عبرت عنه ألقابه والتى كان أبرزها:
آمون ملك الأرباب Imn nsw-nTrw
آمون سيد عروش الأرضين Imn- nb- nsw-tAwy
آمون على رأس كل الأرباب Imn- Hry-tp –nTrw-nbw
وقد وردت كلمة "Imn" فى اللغة المصرية القديمة كفعل بمعنى (يخفى –يختفى) ويكتب بالأشكال:
دولة قديمة ( )
دولة وسطى ( )
دولة حديثة ( ) ,
كذلك وردت كصفة بمعنى (الخفى – الباطن – السرى – الغيبى) وتكتب غالباً بنفس أشكال كتابة الفعل( )، كما وردت كلمة – Imn – من عصر الدولة القديمة بمعنى (الأيمن – الغربى) كصفة، أو(اليمين)كإسم وتكتب بالأشكال:
- - - ( )
ومن الصفة (الخفى) إتخذ آمون إسمه ليعبر عن طبيعته التى يمثلها من خلال دوره كأحد أعضاء ثامون الأشمونين، والذى ورد ذكره لأول مره فى متون الأهرام فى الفقرة رقم (446):
( )
Dd mdw pAt.k n.k Imn Hna Imnt
"تلاوة ، إن أزليتك( ) لك يا آمون مع أمونت".
وفى عصر الدولة الوسطى ورد اسم هذا المعبود على لوح من عصر الأسرة الحادية عشرة، عُثر عليه فى مقبرة أمير طيبة – إنتف عا – بالقرنه، حيث وردت به عبارة pr-Imn أى (بيت = معبد آمون) ( )، كما وردت نفس العبارة على عمود عثر عليه بالكرنك ومحفوظ بمتحف الأقصر من عهد نفس الملك ، ومن عهد الملك واح عنخ – إنتف الثانى، عثر علي لوح بجبانة ذراع أبو النجا ومحفوظ بمتحف المتروبوليتان سجل عليه أنشودة موجهة لكل من الإلهة حتحور والإله آمون( ) - ومن عهد الملك منتوحتب الرابع – نب تاوى رع – سجل نقش بوادى الحمامات ورد فيه إسم الوزير – أمنمحات ( Imn-m-HAt) ( ) والذى إنتسب فيه صاحبه إلى الإله آمون، إذ يعنى اسمه (آمون فى المقدمة) والذي سوف يؤسس الأسرة الثانية عشرة وسوف يحمل اسمه عدداً من ملوك الأسرة الثانية عشرة.
هذا وقد تبوأ آمون مكانه المعبود الرسمى فى مصر ، عندما تمكن الملك أمنمحات الأول – سحتب ايب رع – من تأسيس الأسرة الثانية عشرة، فجعل منه المعبود الأول والرسمى للدولة. ( )
وقد مزج آمون برع منذ عصر الأسرة الحادية عشرة، ظهر ذلك للمرة الأولى على لوح الملك واح عنخ – انتف الثانى – كما ذكر فى أكثر من موضع فى نقوش معبد الملك
نب حبت رع – منتوحتب الثانى( ) - ليكتسب بذلك صفات رع ونفوذه القوى بين الناس، وليمكن تقبل عبادته وتفهم طبيعته كرع، أى كرب الشمس، إذ كان من العسير على الناس تفهم معانى الخفاء والغموض التى يشير إليها إسمه. ( )
أما H. Frankfort – فيرى أن سبب المزج بين رع و آمون يرجع إلى طبيعة آمون كمعبود للهواء، إذ أن القوة الخلاقة فى الهواء ومثيلتها فى الشمس كانتا واحدة، وأن رفع آمون-رع إلى مرتبة المعبود الأعظم كان على أساس أنه لا توجد قوة فى الكون يمكن أن تبارى مزج الشمس بالهواء( ).
فى حين تجدر الإشارة إلى أن صفة آمون كرب للهواء لم تنسب إليه إلا فى عصر الدولة الحديثة، كما أن الريشتين المستقيمتين العاليتين فوق رأس آمون المصور بهما فى مناظر الدولة الوسطى لا تعبر عنه كرب للهواء، إذ لم تنفرد بتلك الريشتين معبودات الهواء مثل (شو وإينحرت)، أو المعبودات التى تحلق فى الهواء مثل (حورس ومونتو)، بل شاركتهم فى ذلك معبودات أخرىمثل: مين وأوزير ولم يكن أى منهما رباً للهواء، فمين كان رباً للخصوبة فى المقام الأول وكان أوزير رباً للبعث – وإن لم تخل صفاته من الخصوبة أيضاً.
ولذا فإن تصوير الريشتين المستقيمتين العاليتين فوق رأس آمون يعد ضمن الرموز والشارات التى إنتقلت إليه من المعبود مين، الذى إرتبط به آمون منذ عصر الدولة الوسطى وإتخذ هيئته الإخصابيه التى يظهر فيها – أسوة بمين – فى هيئة رجل ملتف برداء حابك بينما يبرز قضيبه المنتصب وذراعه المرفوعة يعلوها السوط ذو الثلاث جدائل ولباس الرأس المكون من القلنسوة (الطاقيه) والريشتين المستقيمتين العاليتين، والشريط المتدلى من مؤخرة القلنسوة (الطاقية) حتى القاعدة التى يقف عليها. ( ) (شكل 1-أ )
ولم يقتصر هذا الإمتزاج بين آمون ومين على الهيئة فقط، بل إمتد إلى الخصائص والألقاب( )، وهو ما أطلقت عليه بعض الدراسات اسم Synkretismus – بمعنى الإندماج أو الإئتلاف( ) والتى حاول بعض العلماء تفسيرها من خلال علاقة الجوار المكانى بين قفط وطيبة والتى جعلوا منها مبرراً لقيام العلاقة بين الألوهيتين. ( )
ويطرح محمد حسون رأياً أخر بهذا الصدد وذلك فى ضوء دراسته عن المعبود مين، ودوره في العقائد المصرية القديمة، حيث يرى أن هناك عدة أسباب دينية قوية ومقنعة لقيام تلك العلاقة بين الألوهتين، يأتى على رأسها: أن الإله مين كإله رئيسى للخصوبة كان يلعب دوراً كونياً بالغ الأهمية فى تجديد دورة الحياة فى مظاهر الكون والطبيعة، ويبلغ هذا الدور ذروته فى قدرة ذلك الإله على تحقيق الديمومة الزمنية دون إنقطاع.( ) وعلى الجانب الأخر، فإن كهنة الإله الجديد آمون أرادوا أن يسبغوا على إلههم المحلى فى بداية عصر الدولة الوسطى من الخصائص والصفات الكونية ما يؤهله للقيام بدور الإله الرسمى للدولة، فأضافوا إلى إسمه اسم الإله الكونى القديم رع واختاروا له هيئة وخصائص وألقاب إله الإخصاب الرئيسى مين ليؤدى من خلال ذلك نفس الدور الحيوى لإله الخصوبة فى تحقيق التواصل الدائم لدورة الزمن، وهو العنصر الأساسى للحياه فى الكون، وليحقق من خلال ذلك السيادة الكونية. ( )
والجدير بالذكر أن آمون قبل إندماجه برع أو مين لم يكن له مظهر محدد يميزه، وأنه بارتباطه برع اكتسب هيئته البشرية العادية وإنتحل جميع الصفات الملكية وخصائص السيادة الكونية المنوطة بإله الشمس، ومن خلال إرتباطه بمين اكتسب الهيئة الإخصابيه، مدعياً بذلك مقدرته على أداء نفس دوره الحيوى فى الكون. وبعبارة أخرى نستطيع القول بأنه إذا تجرد آمون-رع من اسم وصفات إله الشمس رع ومن هيئه وخصائص وألقاب الإله مين فلن يبقى له شىء يميزه شكلاً أو موضوعاً وهو ما يوضح لنا أهمية ظاهرة الإندماج أو الإئتلاف التى بدأت فى الظهور بداية من عصر الدولة الوسطى،( ) حيث أسهمت فى خلق كيان جديد اجتمعت له كل عناصر القوة والسيادة والخلق والفاعلية وهو آمون-رع فى هيئة مين، أو آمون-رع –كاموتف. ( )
ومن ناحية أخرى، فمما يسترعى الإنتباه أن اسم آمون –رع يجمع بين متناقضين وهما الخفاء (آمون) والظهور (رع) فى كيان واحد، ويبدو أن لذلك علاقة مباشرة بدور الإله مين الذى يقوم على الانتقال بالكون من مرحلة الموت (التى ترتبط بالظلام والسرية والتى يعبر عنها آمون) إلى مرحلة الميلاد (التى ترتبط بالضوء والأرتقاء لأعلى مع إله الشمس رع). ( )
ويضيف محمد حسون أن إختيار اسم الإله الجديد جاء وفقاً لما تعبر عنه هيئته الجسدية الجنسية من دور دينى بالغ الأهمية، وكلاهما (الاسم والهيئة الجسدية) هما أساس دعوى الإله الجديد آمون-رع فى السيادة على الكون. والجدير بالذكر أيضاً فى هذا الصدد أن مصادر بداية عصر الدولة الوسطى فى طيبة والتى سجلت للمرة الأولى إسم وهيئة الإله الجديد للدولة، تحرص على إقتران الهيئة الجنسية بالإله آمون أو آمون رع دون الإشارة إلى الإله مين( ) (ويظهر ذلك واضحاً فى معبد نب حبت رع – منتو حتب الثانى – ومقصورة سنوسرت الأول فى الكرنك)، ورغم أن اسم الإله مين ظل مقترناً بهيئته فى العصر نفسه على الأثار الملكية فى مراكز عبادته التقليدية فى وادى الحمامات وقفط، إلا أن ذلك الحرص على تجنب اسم مين على الأثار الملكية التى تسجل هيئته فى العاصمة طيبة ربما يكشف عن رغبه كهنه الإله الجديد فى تأكيد نسبة الدور الكونى الحيوى الذى تعبر عنه الهيئة الجنسية للإله لاسم الإله الرسمى الجديد آمون-رع. ( )
بل أن المصادر نفسها تكشف للمرة الأولى صراحة عن اللقب الذى يعبر عن دور إله الخصوبة وهو لقب كاموتف منسوباً لأمون-رع (على مقصورة سنوسرت الأول بالكرنك) ( ) وليس للإله مين الذى لم تظهر صورته كمخصص لهذا اللقب إلا فى عهد الملكة حتشبسوت، ولعل فى هذا ما يشير مره أخرى إلى حرص كهنة آمون-رع على نسبة الدور الكونى لإله الخصوبة مين إلى إلههم. ( )
والمعنى المباشر لتعبير- كاموتف – هو فحل أمه، أما المضمون الذى يعبر عنه فهو ذو أهمية بالغة فى إطار مفاهيم الإخصاب وتجديد الحياة والولادة، ليس فقط فى الإنسان الذى يتجسد خلاله مين فى صورته، بل فى شتى عناصر الكون من حيوان ونبات، بل فيما هو أشمل مجالاً وأعمق أثراً أى فى عنصر الزمن وأدوات تعاقبه وإستمراريته، ومن الأجرام السماوية التى ينتج عن دورانها الدائم والمتواصل والثابت فى أفلاكها تعاقب الأيام (الشمس)، وتتابع الشهور (القمر)، وتوالى السنين (النجوم)، فضلاً عن تتابع الفصول تبعاً لدورة الفيضان النيلى، وهذا يعنى أن المضمون الذى يعبر عنه تعبير كاموتف هو فى الحقيقية بالغ القدم وواسع الإنتشار فى الديانة المصرية القديمة، وهذا ما دفع المصريين القدامى إلى التعامل مع هذا التعبير فى بعض الأحيان كتجسيد مستقل لإله الخصوبة. ( )
وقد تناولت دراسات عديدة تعبير –كاموتف- بالبحث من عدة زوايا، ففى رأى K.Sethe – أن لقب – كاموتف- الذى إرتبط بآمون عند ظهوره فى هيئة مين الجنسية، كان هدفه فقط التعبير عن النشأة الذاتية للإله، وقد نشأ عن هذا اللقب العديد من العلاقات الأسرية غير العادية بالنسبة لآمون ومنها (فحل أمه)، (زوج ابنته)، (ابن زوجته)، (والد أمه) وهى علاقات غريبة المنشأ عن آمون. ( ) ويضيف – Sethe – أن آمون الأقصر اتخذ خصائص مين كاموتف تحت اسم آمون إم إيبت (Imn-m-Ipt )
(آمون سيد الحرم)، وقد كان له موكبه الخاص، يتخذ خلاله الهيئة الجنسية لمين، ولكن كان جسده يختفى بالكامل (ما عدا الرأس والذراع الممسكه بالمذبه) خلف ستار يحيط بالجسد كله ولكنها تبدو فى صورة منبعجة وغير مستوية مما أثار حولها التسأولات، وكان الإله آمون إم إيبت – خلال هذا الموكب ينتقل محمولاً فوق محفة خاصة من معبد الأقصر إلى معبد آمون الصغير فى مدينة هابو (جسرست) من عصر الأسرة الثامنة عشرة وذلك فى بداية كل عشرة أيام (أعشور) حسب نصوص الدولة الحديثة والعصر المتأخر، حيث يقدم القرابين لأبيه الملقب بـ (أب الأباء خالق الثامون) وكذلك للثامون( )، وذلك فى معبد جسر ست والذى إعتبرته النصوص مقبرة للثامون ووصفته غالباً باسم ( iAt-TAm.t – ربوه الغرب المتميزة).
ومن خلال ذلك الموكب والقرابين التى كان يتم تقديمها فى مدينة هابو، عبر المصريون عن تصوراتهم حول العلاقة التى ربطت بين ثلاثة أجيال لألوهية واحده، وذلك من خلال مفهوم – كا موتف – وهو ما حاول – Sethe – أن يشرحه فى كتابه عن أمون وثامون الأشمونين، حيث يذكر أنه فى المعبد الصغير بمدينة هابو الذى أعتبر مقبرة للثامون ، تتحدث نصوص الأسرة الثامنة عشرة عن آمون الملقب بأب الأباء وجد الثامون، وإلى جانب ظهوره فى الهيئة التقليدية لآمون، فإن النصوص تتحدث عنه أيضاً باعتباره تجسيداً للروح العظيمة للحية المسماة (كم آتف- km-At.f ) "الذى أكمل لحظته أو زمنه"، كما أطلق على الثامون هناك تعبير " أحفاد آمون الجد"( )، وإلى جانب آمون الجد " الذى يمثل الجيل الأول، تتحدث النصوص عن جيل ثان لنفس الإله يتجسد فيه آمون فى صورة حية أخرى تذكرها النصوص باسم (ايرتا Ir-tA ) "خالق الأرض" وهذا الثعبان نفسه يوصف بأنه "أبو الثامون" ، وهذا يعنى أن آمون فى صورة الثعبان "خالق الأرض"، يمثل إبناً لأمون الجد، وأباً للثامون، والملاحظ أن هذا الجيل الثانى لأمون يتفق تماماً فى الصفات والخصائص مع بتاح تا تنن (الذى يظهر بدوره فى مواضع مختلفة كإبن لآمون الجد
(كم آتف) وكخالق للثامون( )، كما يتميز آمون فى جيله الثانى بأنه أتخذ عادة الهيئة الجنسية لمين، وتطلق عليه النصوص اسم آمون أم أيبت–آمون الأقصر–مع إضافة ( n iAt TAmt)( ) أى – الخاص بجيمه – ويوصف بأنه "الأله الحى، رئيس الألهة، الفحل"، ويتخذ لقب "حورس رافع الذراع" وهذا الجيل الثانى لآمون الذى يتخذ الهيئة الجنسية ويحمل اسم آمون إم إيبت هو نفسه الإله الذى من المفروض أن يتجه فى موكب إنطلاقاً من معبد الأقصر عبر النيل إلى مدينة هابو فى البر الغربى، حيث يقدم القرابين لأبيه آمون المتجسد فى الثعبان – كم أتف – وكذلك للثامون (أبنائه). ( )
وإلى جانب الجيل الأول والثانى لآمون فى مدينة هابو، تضيف التصورات الدينية جيلاً ثالثاً يمثله الثامون كأبناء، وآمون هو أحد أعضاء الثامون الذين هم أبناء آمون إم إيبت – الذى وصف بأنه أب أباء الثامون، وقد ساعده هذا الثامون فى إتمام عملية الخلق بأن خلقوا الضياء والشمس (رع)، كما يضيف – Sethe أن آمون ام إيبت نفسه قد وصف بأنه " حورس بن إيزيس" وهو هنا يعبر عن جيل ثالث كابن لآمون إم إيبت أيضاً وحفيد لآمون الجد كم أتف وقد اعتقد أن هذا التصور الأخير يضيف جيلين فى آن واحد( )، ولكن من الواضح أنه تعبير عن جيل واحد وأخير فى إطار الأجيال الثلاثة لآمون فى إطار مفهوم – كاموتف.
هذا الإرتباط بمفهوم الخصوبة هو ما هيأ للإله آمون ام إيبت – القيام بدوره فى الربط بين الأجيال الثلاثة (الأب أو الجد والزوج والأبن)( ) وبالتالى كانت زيارته لقبر أسلافه تخدم غرض الربط بين فترات الزمن [الماضى والحاضر والمستقبل] التى تجسدها هذه الأجيال الثلاثة.
أما G.A. Wainwright – فيرى أن تعبير كاموتف يجمع بين عدة ألوهيات وهى (مين وآمون وحورس) وأنه يجمع بين تلك الألوهيات الثلاث خصائص مشتركة تجعل منهم بالدرجة الأولى ألوهيات كونية سماوية، فكما أن رمز مين يعبر فى رأيه عن الصواعق ومقذوفات النيازك، فقد كان لآمون فى طيبة وحورس فى الكاب حجر مقدس من نواتج النيازك. ( )
فى حين يناقش H.Gauthier- تعبير كا موتف ومرادفاته فى الدولة الحديثة والعصرين المتأخر والبطلمى، حيث يقدم صيغاً مختلفة عن ارتباط اللقب بإله الخصوبة، وفى رأيه أنه من أهم الألقاب المعبره عن وظيفة الإله مين الجنسية كإله للأخصاب وإعادة الولادة.( )
ويرى E. Otto – أن الأخصاب التناسلى وقوة الخصوبة ارتبطت بوجه خاص بهيئه الفحل، لذلك يرى أن لقب كا موتف إنما يعبر عن التوالد الذاتى للإله. ( )
ويتفق معه فى الرأى H. Bonnet-إذ يرى أن المقصود من هذا المفهوم الدينى هو التأكيد على البداية الأزلية المتفرده للإله، حيث أنجب من نفسه وليس من إله أخر سابق عليه.( )
ويتضح لنا مما سبق أن الهدف من إرتباط امون بلقب – كاموتف – هو التأكيد على النشأة الذاتية له كما يرى Sethe – من خلال ربطه بمفهوم الخصوبة الذى يجعل منه حلقة وصل بين أجياله الثلاثة والتى تربطه بالتالي بكل من بتاح (الذى يعبر عنه مذهب منف فى الخلق)، وثامون الأشمونين (الذى يعبر عن مذهب الأشمونين)، ورع (الذى يعبر عن مذهب عين شمس) أى بمذاهب الخلق الثلاثة السابقة عليه، وهو ما أراد كهنه طيبة التأكيد عليه بإعتبار آمون خالقاً للكون، فأورثوه التعاليم الكهنوتية السابقة عن الخلق وذلك بإستيعابه للألهة السابقة فى شخصه (وهو ما مثلته أجياله الثلاثة)، بمعنى أن مذهب طيبة فى الخلق ونشأة الكون لم يقدم نظرية محدده عن الخلق أسوة بالنظريات الثلاثة السابقة، بل نادى بآمون كإله خالق، إله أعظم، على أساس أنه جمع فى شخصه الألهة الخالقة السابقه، وبذلك أصبحت كل نظريات الخلق السابقة ملكاً له، وهذا ما وضح فى نصوص تعاليم طيبة التى ترجع للعصر البطلمى والتى أوضحت الأجيال الثلاثة لآمون ودور كل منهم وعلاقة كل جيل منهم بالأخر.( )
ومن كل ما سبق، يتأكد لدينا أن علاقة التآلف والاندماج بين آمون-رع ومين لم تكن أبداً مصادفة أو ناتجه عن الجوار المكانى لمركزى عبادتيهما (قفط وطيبة) بل أن وراء تلك العلاقة دوافع دينية قوية، وكذلك دوافع سياسية، مؤداها أن إله الدولة الرسمى أراد أن يتقمص شخصية إله الخصوبة القديم (فى هيئته وخصائصه وألقابه) مدعياً بذلك مقدرته على أداء نفس دوره الحيوى فى الكون ليؤكد من خلال ذلك جدارته بأن يكون سيداً للكون وملكاً للألهة. ( )
هذا ولا تقتصر هيئات الإله آمون على تلك الهيئة الجنسية المقتبسة من الإله مين، بل ظهر أيضاً بالهيئة البشرية العادية، تمثله فى صوره رجل يفتح بين ساقيه، تتدلى إحدى ذراعيه جانبه ويمسك بيده علامة عنخ، بينما تمتد ذراعه الأخرى إلى الأمام ويمسك بيده صولجان الحكم والسلطان واس، واحتفظ بنفس زينة الرأس التى سبق الحديث عنها فى هيئته كمين، غير أن الشريط المتدلى من مؤخرة القلنسوة (أو الطاقيه) يظهر فى تلك الهيئة وقد تدلى حتى الخصر فقط، وكان الزى عبارة عن نقبه قصيرة وحزام حول الخصر يتدلى من مؤخرته ذيل الثور( )، ويرتدى قلادة واسعة حول العنق، علاوة على اللحية الألهية المعقوفة وكان واقفاً أو جالساً. ( ) ( شكل 1 – ب )
وعلى الرغم من أن تلك الهيئة للإله آمون-رع هيئة بشرية عادية، إلا أنها تعد هى الأخرى إقتباساً مباشراُ من الإله مين ودوره الدينى أيضاً، إذ إحتفظت بكامل زينة الرأس المقتبسة من الإله مين، وبالتالى تربطه أيضاً بخصائص هذا الإله كإله للخصوبة( )، كما عبرت عن تلك الصفة الإخصابية للإله آمون هيئات أخرى مثل ذكر الأوز –smn – وكذا هيئة الكبش – Sfyt – والتى لمس المصرى القديم تلك الصفة فيهما( )، كما ظهر في بعض الأحيان بالهيئة المزدوجة متمثلة بهيئة بشرية عادية ولكن برأس كبش ( شكل 1 – حـ ).
ولم يقتصر التعبير الفنى عن الصفة الإخصابية لآمون على هيئاته فقط، بل وضح ذلك أيضاً من خلال اللون الأزرق الذى تخيره الفنان لتلوين جسد الإله به( )، والذى يرى كل من A. Wiedmann( ) ، G. Wilkinson( ) - أنه يعبر عن لون السماء التى حكم فيها آمون رع كرب لها، فى حين يربطه – Sethe – بثامون الأشمونين حيث كان اللون الأزرق هو اللون المميز للعناصر الذكرية بالثامون، لذا يرى أن اللون الأزرق يشير إلى آمون كأحد أعضاء الثامون. ( )
ويرى G. Hornblower – أن تلوين هيئات آمون رع باللون الأزرق كان يرمز لإرتباطه بحجر اللازورد الذى كان يرمز لزرقة السماء، وكانت أهميتة تفوق أهمية أى مادة أخرى بخلاف الذهب، فكانت تصنع منه كما تشير النصوص أحجبه ولحى المعبودات، كما إتخذ آمون نفسه لقب (سيد اللازورد الحقيقي - nb xsbD mAa)، أو (آمون سيد اللازورد الحقيقي – Imn nb xsbD mAa) ( ).
ويرجع – G.A. Wainwright- السبب فى ذلك لكون الإله آمون-رع كان ينظر إليه بوصفه معبوداً كونياً ذا خصائص سماوية، فهو رب للظواهر الجوية كالهواء والأمطار، كذلك الظواهر المناخية العنيفة كالعواصف الرعدية والبرق والصواعق المصاحبة لها، ومن ثم فقد رأى المصرى القديم فى اللون الأزرق لوناً كونياً يعبر عن طبيعة المعبود آمون-رع باعتباره لوناً يرمز لزرقة السماء والماء. ( )
فى حين يرى – أحمد بدوى- أن تلوين هيئات آمون-رع باللون الأزرق كان يرمز لخصوبة الإله وليلائموا بينه وبين ماء النيل، أو بينه وبين زرقه الأثير الذى يصور السماء فوق الأرض( ).
ويؤيد R.Wilkenson- فكرة إرتباط اللون الأزرق بالخصوبة، ويرى أن ذلك يتفق مع طبيعته كأحد أرباب الخصوبة فى مصر، فقد كان اللون الأزرق هو لون مياه النيل، كما أن العديد من هيئات الخصوبة التى تمثل سخاء النهر كانت تلون باللون الأزرق وعلى رأسها المعبود حعبى.( )
أما M.Dolinska – فترى أن تلوين هيئات آمون-رع باللون الأزرق كان مرتبطاً بإستعادة كهنته لهيبتهم ومكانتهم الرفيعة بعد إنتهاء حقبة العمارنة، حيث استهدف الكهنة بعد إنتهاء تلك الأزمة وما إرتبط بها من ظروف دينية وسياسية تأكيد السمه الخاصة لآمون بوصفه ملك المعبودات، لذلك عملوا على تأكيد الصفات الخاصة بالمعبودات في شخصيته وهيئته، إذ استخدمت تلك الصفات لإثبات سلطانه وسيادته على العالم، فقد أشارت الأناشيد الموجهه للمعبود آمون رع والتى إنتشرت بصورة كبيره فى أعقاب فترة العمارنة إليه بوصفه سيد السماء، والأرض والهواء، والماء، وخالق كل ما هو موجود، والمتحكم فى النيل، والمعبود الخالد، وواهب الحياه، والذى جسده من اللازورد. وقد ساعدت كل هذه الصفات على ارتباط المعبود آمون باللون الأزرق بإعتباره معبوداً كونياً، واللون الأزرق هو لون السماء والماء، وبالتالى إرتبط بمفهوم الخصوبة، إضافة لكونه لون حجر اللازورد. ( )
كما تربط Dolinska – بين اللون الأزرق ومفهوم الماعت عن طريق مقارنتها بين لون العلامة والتى كانت تستخدم كعلامة صوتية فى كتابة كلمة ماعت – mAat – قبل حقبة العمارنة وبعدها، إذ لا حظت أنها كانت تلون باللون الأحمر فى نصوص معابد الأرباب فيما قبل حقبة العمارنة، بينما إتخذت اللون الأزرق فيما بعدها. بمعنى أن هذا التغير فى لون العلامة قد تزامن مع نفس توقيت تغير لون هيئات المعبود آمون رع من اللون الأحمر إلى اللون الأزرق، وعليه ترىDolinska- أن ذلك يؤكد على الإرتباط الوثيق بين مفهوم الماعت المعبر عن الأمر الإلهى والنظام الكونى المتناغم فى العالم وبين آمون رع سيد وملك المعبودات والمتحكم فى الكون. ( )
هذا التأكيد الواضح على إرتباط آمون-رع بالصفة الإخصابية من خلال كل المظاهر السابقة كان له دواعى سياسية ودينية هامة وكان نابعاً من رغبة الكهنة فى التأكيد على سيادة معبودهم الجديد للكون، وقد جاء الثالوث الطيبى الذى شارك فيه المعبود آمون-رع كل من الإلهة موت (كزوجة وأم) والإله خنسو (كإبن) تجسيداً واضحاً لهذه الفكرة، والذى جاء اختيار تلك العناصر الألوهية فيه مقصوداً فى حد ذاته لمشاركة الإله آمون فى أداء دوره الحيوى فى الكون.
آمون وثالوث طيبة:-
منذ الأسرة الثامنة عشرة كون المعبود آمون-رع مع الإلهة موت (كزوجه) والإله خونسو (كابن) ثالوثاً مقدساً لمدينة طيبة.
ويبدو من الواضح أن عناصر هذا الثالوث قد أختيرت بعناية فائقة، فالزوجة هنا تدعى موت وهذا مقصود لذاته، بما يعنى أن موت هنا لا تمثل مجرد زوجة لآمون، بل هى تلعب فى الواقع دور الزوجة، فى حين يعبر اسمها عن الأمومة. ( )
وهذا الدور المزدوج (الزوجة الأم) هو الشرط اللازم للإتمام مفهوم كاموتف حيث تلعب الإلهة الأنثى دور الزوجة/ الأم فى حين يلعب الإله الذكر دور الأب والزوج والأبن وهذا يعنى أن ظهور موت إلى جوار آمون-رع هو بمثابة تعبير مستتر عن أن آمون-رع يؤدى هنا دور كاموتف فحل أمه وبالتالى فإن ظهور آمون-رع وموت جنباً إلى جنب يعتبر بديلاً عن ظهور آمون وحده فى هيئة مين الجنسية، فكلاهما يعبر عن مفهوم – كاموتف.( )
ومن الواضح أن الإلهة موت تلعب هنا بالنسبة لآمون –رع نفس الدور الذى تؤديه عادة الإلهة إيزيس كأم وزوجة للإله مين، والواقع أن خصائص الإلهة موت تؤهلها تماماً للقيام بدور (الزوجة/ الأم) لإله الخصوبة. فمن بين الخصائص المميزة لها أنها تظهر فى صورة سيدة ترتدى رداءً حابكاً طويلاً، وعلى رأسها التاج المزدوج( )، وفى نفس الوقت فإن من بين ألقابها الأكثر شيوعاً لقب –نبت تاوي "سيدة الأرضين"، وكلاهما (التاج المزدوج ولقب سيدة الأرضين) له دلالة خاصة فيما يتعلق بدور الزوجة /الأم الذى تؤديه الإلهة موت.( )
ويتضح لنا من خلال دراسة الدور الذى يؤديه إله الخصوبة مين فى موكبه الذى يخرج فيه أثناء عيد الخروج والمنطقة التى يسير فيها، أنها تعبر (أى المنطقة) رمزياً عن أم الإله مين (وهى إيزيس) التى يقوم بإخصابها خلال موكبه، وفى نفس الوقت، فإن هذه الرحلة وما يقوم به إله الخصوبة خلالها من تحويل مرحلة الموت (من خلال الإخصاب) إلى مرحلة الميلاد، تحاكى تماماً فى مضمونها (وكذلك فى الأتجاه الجغرافى لأحداثها) الدور الذى يؤديه النيل فى فصل الفيضان من تحويل أرض مصر من مرحلة الجدب (فصل الجفاف) إلى مرحلة الميلاد (فصل الإنبات). ( )
والواقع أن المصريين قد إعتادوا الحديث عن الجنوب والشمال كتعبير عن أرض مصر التى يخترقها النيل من الجنوب إلى الشمال ، حيث إعتبروا النيل عنصر ربط بينها (سما - تاوي) ( )، ولعل ذلك مما يبرر إرتداء الإلهة موت للتاج المزدوج وإتخاذها لقب سيدة الأرضين، بإعتبارها تجسد رمزياً المكان الذى يخصبه فيضان النيل، أى أرض مصر جنوباً وشمالاً وهى فى ذلك تشبه تماماً فى خصائصها تلك، خصائص الإلهة إيزيس وذلك من منظور أن العلامة الهيروغليفية التى تعبر عن اسم ورمز الألهة إيزيس تعبر حسبما يرى أغلب الباحثين عن كرسى العرش،( ) أى ذلك الذى يجلس عليه الملك باعتباره ملكاً لمصر العليا والسفلى أى أنه يرمز للبلاد جنوباً وشمالاً، وهو بذلك يعبر عن أرض مصر من خلال نصفيها الجنوبى والشمالى اللذين يخترقهما معاً ويجمعهما ويوحدهما سوياً نهر النيل (سما-تاوي). أى أنه إذا كان الإله مين يرمز من خلال وظيفته (كاموتف) إلى نهر النيل (لا سيما في وقت الفيضان) فإن إيزيس ترمز إلي أرض مصر الذى يخترقها (ويوحدها) ذلك النيل جنوباً وشمالاً. ولعل ذلك يتفق تماماً مع تجسيد الإله مين لدور زوج إيزيس (أى أوزير)، حيث أن أوزير هو أيضاً من أكثر الألهة تجسيداً لنهر النيل لاسيما فى وقت الفيضان. ( )
كما يتفق مع تجسيد مين فى نفس الوقت للإبن حورس (الذى يجلس كملك على كرسى العرش الذى يجسد الأم إيزيس) وهذه العلاقة المتشابكة يرجع الفضل فيها إلى مفهوم كاموتف والذى يلعب من خلاله دور (الأب / الزوج/ الابن) فهو زوج لإيزيس (كأوزير) وإبن لها (كحورس) وعليه تلعب إيزيس دور (الزوجة/ الأم) ( ).
بمعنى أن اسم إيزيس ، الذى يظهر فوق رأسها غالباً كرمز لها، يعبر عن نفس المعنى الذى يعبر عنه التاج المزدوج على رأس الإلهة موت والتى كان من بين أهم ألقابها كما تقدم لقب (سيدة الأرضين) ( ).
أى أن كلاً من الإلهتين (موت وإيزيس) تعبران رمزياً (من خلال دور الأمومة) عن أرض مصر التى يخصبها فيضان النيل جنوباً وشمالاً، وفى هذا ما يؤكد أيضاً على أن آمون رع لم يكتفى بأن يقتبس لنفسه خصائص الإله مين ودوره، بل إقتبس كذلك لزوجته (وأمه) موت خصائص ودور زوجة مين وأمه إيزيس. ومن هنا يبدو أن لقب موت ورت الذى كان شائعاً للإلهة موت( ) يحاكى أساساً تعبير إيست- ورت الذى كان شائعاً للإلهة إيزيس. ( )
وعلى أية حال فقد كانت إيزيس هى الأكثر ظهوراً فى المناظر إلى جوار إله الخصوبة بهيئته الجنسية، ويظهر هذا بوضوح مع آمون-رع، فهو فى هيئته العادية، أكثر إرتباطاً بالإلهة موت، أما هيئته الجنسية، فتظهر معه فقط الإلهة إيزيس( )، كما ارتبط أيضاً بالإلهة حتحور خاصة في مناظر معبد الدير البحري، وقد حملت موت لقب سيدة أشرو وهو اسم البحيرة المقدسة الخاصة بمعبدها الصغير الذي يقع بين معبدي الكرنك والأقصر كما حملت لقب موت ورت حكاو وأحياناً موت سخمت.
أما أمونت وهي الشكل المؤنث لاسم الإله والتي كان من المفترض أن تكون رفيقته، فلم تستطع أن تأخذ مكان موت في ثالوث طيبة وإن مُثلت أحياناً معه، وربما يرجع ذلك لكونها إحدى معبودات الوجه البحري، وهو ترجيح قوي يشير إليه ارتداؤها بصفة دائمة لتاج الوجه البحري، كما أنها الشكل الأنثوي للآمون.
أما الطرف الثالث فى ثالوث طيبة وهو الإله الابن (خونسو) فقد كان إلهاً قمرياً، يدل على ذلك قرص القمر الذى كان يعلو رأسه،ويرجح أنه كان معبوداً محلياً بطيبة حيث تلقب بـ ( xnsw-m-WAst)، وبسيادة آمون لطيبة ربطه الفكر الدينى الطيبى مع آمون-رع وموت فى ثالوث يمثل فيه دور الابن، ويتخذ الإله خونسو فى هيئته الجسد البشرى ورأس الصقر يعلوها قرص القمر، أو شكل المومياء بخصله شعر جانبيه ويقبض بكلتا يديه، على صوالج (عنخ وواس وجد)، ولم ينفرد خونسو بهذه الصوالج، إذ كان لبتاح الذى يصور دائماً فى شكل مومياء صوالج مماثله، وربما كان هو الأصل الذى أخذ عنه خونسو هذه الهيئة، كما يقبض أيضاً عادة على حقا بأحد اليدين ونخخ باليد الأخرى وهو فى ذلك أيضاً غير متفرد إذ أن هذه الصوالج تزودت بها أيضاً هيئات الألهة والملوك الممثلة على هيئة المومياء، وعلى رأسهم بالطبع الإله أوزير إله الموتى.( )
ويزين الإله أيضاً فى هذا التمثيل بشكل المومياء بقلادة على الصدر تتدلى نهايتها وراء كتفه وتحرص المناظر التى تصوره بالصوره الجانبية على إظهار نهاية القلادة.
أما عن اسم (خونسو) فهو يعنى "المتجول" ( ) أو "الذى يجوب السماء" ( ) بإعتباره التجسيد الإلهى للقمر الكائن فى السماء، واسم خونسو مشتق من الفعل (xns)( ) بمعنى يعبر وهو معروف لدينا من نصوص الأهرام فى الفقرات التى تشير إلى عبور القمر للسماء، أى أن اسم خونسو يعنى (العابر)، بل يعد إشارة أيضاً فى عالم الموتى إلى عبور المتوفى للعالم الآخر، مثله فى ذلك مثل القمر، كما يعنى اسمه أيضاً "الذى يسافر" و"الذى يجرى" و"الذى يتحرك" و"الذى يمر" ( ).
ويشير إختيار خونسو كإبن لآمون رع وموت إلى الرغبة فى تأكيد المفهوم الكونى الشامل الذى يعبر عنه ثالوث طيبه، فهو يجمع بذلك بين أهم عناصر الزمن وهى: الشمس المتمثلة فى الأب آمون -رع والقمر أى الأبن خونسو وكلاهما يتجسد فى صورة الأخر وفقاً لمفهوم –كاموتف.
ولعل هذا ما يعبر عنه بوضوح النص الذي يشير إلى آمون الذى يتجدد بعد موته فى صورة ابنه خونسو: nxx irt Hwn - "الكهل منجب الفتى " أى آمون يولد من جديد فى صورة القمر الجديد (خونسو). ( )
والواقع أن هيئة خونسو نفسها يمكن أن تعبر ضمناً عن مفهوم –كاموتف، حيث تشير هيئه الجسد الأوزيرى الجامده إلى مرحلة الموت، بينما تعبر خصلة الشعر الجانبية عن مولود جديد، أى أنه يعبر عن الأب (المتوفى) والآبن (الوليد) وهما على أية حال من أهم أطوار القمر الذى يجسده خونسو.( )
ولعل التساؤل الذى يطرح نفسه هنا هو، هل تعبر صوره ثالوث طيبة فى مجموعها عن نفس ما تعبر عنه الصوره الجنسية لإله الخصوبة منفرداً؟ فمن الملاحظ أنه على حين إحتفظ آمون-رع لنفسه بزينة رأس إله الخصوبة كاملة، فإن الألهة موت إلى جانب زوجها تعتبر بديلاً عن الهيئة الجنسية لإله الخصوبة، أما الإله خونسو فكان من نصيبه الهيئة الأوزيرية الجامدة لإله الخصوبة، كما أنه بإعتباره يجسد القمر، فإنه يعتبر فى الوقت نفسه بديلاً عن ذراع إله الخصوبة اليمنى المرفوعة لأعلى بالمذبة، وهى كما تقدم ترتبط بالقمر وأطوار موته وميلاده، وربما لهذا السبب يمسك خونسو عادة بالمذبة فى يده اليمنى (إلى جانب صولجان حقا فى اليد اليسرى) ( ).
ومن هنا فربما أمكن القول بأن ما يظهر مجملاً فى هيئة إله الخصوبة الجنسية، يظهر مفصلاً فى صورة ثالوث طيبه.
ونخلص مما سبق إلي أن المعبود آمون-رع قد جمع من خلال الدور الكونى الذى نسب إليه ألوهيتين كبريين، هما ألوهية الشمس والسيادة الملكية (التى إكتسبها من إندماجه برع)، وألوهية الإخصاب والسيادة الكونية (التى إكتسبها من الإله مين) وهو ما أهله للسيادة على الكون.
وكان التعبير عن ذلك يتم فعلياً عن طريق المواكب الإحتفالية التى كان يخرج فيها المعبود آمون خلال ثلاث مناسبات هامة إرتبطت كل مناسبه منها بدور حيوى للمعبود آمون فى الكون، هذه المناسبات هى (عيد الوادى وعيد أوبت وعيد بداية كل عشرة أيام) (شكل 2).
فعيد الوادى وطقوسه جاء بمثابة تمثيل لرحلة الشمس من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق، بشكل يعبر عن الموت الظاهرى للشمس وميلادها من جديد.
أما عيد أوبت فقد أعتبر عيد زواج مقدس يتم بين آمون رع –كاموتف- والإلهة موت ليجدد خلاله الإله آمون شبابه وحيويته وخصوبته ليعم بذلك الخصب والنماء أنحاء البلاد كافه.
فى حين عبرت طقوس عيد بداية كل عشرة أيام عن دور الإله آمون أم إيبت فى الربط بين فترات الزمن المختلفة [ الماضى والحاضر والمستقبل] من خلال زيارته لمقابر أسلافه من الألهة الأزلية، وتقديم القرابين وسكب المياه لهم.
فهو خلال تلك المناسبات يربط بين جهات الكون الأربعة (الشرق والغرب فى عيد الوادى، الشمال والجنوب فى عيد أوبت) ، كما يربط فترات الزمن فى عيد بدايه كل عشرة أيام ليحقق بذلك دوره فى السيطره على الكون، وقد جاء تكرار الأحتفالات بشكل دورى ومنتظم تأكيداً لهذه السيطرة.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة