نسيج الخطاب السياسي في الوثائق المترجمه باللغتين العربيه والانجليزيه : دراسه نصيه تقابليه

صفاء احمد صالح، ،عين شمس ،الألسن ،اللغة الإنجليزية ،الماجستير 2001

تهدف هذه الدراسة إلى زيادة الوعي بظاهرة الإشارة النكرة والمعرفةIndefinite and Definite Reference  عند تفسير الوثائق السياسية وترجمتها. والإشارة تعرف هنا بأنها العلاقة بين التعبيرات والأشياء أو المواقف في العالم الذي تشير إليه هذه التعبيرات. ولتحديد الإشارة المقصودة ، اعتمدت الدراسة على مفهوم تحديد الإشارة أو عدم تحديدها. من ثم تنقسم الدراسة إلى أربعة فصول بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة. يستعرض الفصل الأول أهم التطورات التي حدثت في نظريات علم اللغويات النصي Text Linguistics ويشرح بعض التصورات الأساسية في التحليل مثل النسيج Texture، مقاييس النصيةStandards of Textuality ، النصوص المناظرةParallel Texts ، المبدأ التعاوني The Co-operative Principle ، ثم يقدم الإطار النظري المستخدم في التحليل. أما الفصل الثاني والثالث والرابع فيستعرض تحليلاً للإشارة النكرة والمعرفة في ميثاق الأمم المتحدة ، ميثاق جامعة الدول العربية، وبعض قرارات الأمم المتحدة (القرار 242 وكذلك بعض قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالأزمة العراقية). وقد توصلت الدراسة إلى نتائج لها تأثيرات خطيرة على علم اللغويات، تفسير النصوص السياسية وترجمتها، السياسة، وعلى التواصل من خلال اللغة بصورة عامة.

 

وأظهر التحليل وجود مشكلة حقيقية في تفسير الإشارة النكرة والمعرفة وترجمتها. إذ فشلت الترجمة من الإنجليزية إلى العربية والعكس، في توصيل المعني المقصود لكاتب النص وذلك في حالات كثيرة. وتنوعت المشكلات التي تم تسجيلها هنا ما بين ترجمة خاطئة، ترجمة جزئية، ترجمة إضافية، ترجمة منقوصة، وترجمة حرفية. وجاء معظم هذه المشكلات نتيجة لغموض الإشارة في النص الأصلي.

 

إن من يصيغ النصوص السياسية يستخدم الإشارة النكرة والمعرفة بدقة بالغة وذكاء ودهاء - وأخشى أن أقول خباثة أحياناً – خاصة إذا ما علمنا أن صياغة وثيقة سياسية يستغرق شهوراً وأحياناً سنين لصياغتها والتفاوض ثم التصديق عليها. من ثم يصبح الغموض بمثابة المنطقة الرمادية التي تدفن فيها تفسيرات عديدة ممكنة. فالعديد من التعبيرات الإشارية يكون له تصورات وتفسيرات مختلفة نظراً لتعقد النص وتضمنه أفكاراً متناقضة وإضافية علاوة على غموض الإشارة ذاتها.

 

يصيغ الكاتب النص بقصد معين، ويفسره المتلقي عن طريق التسجيل النصي. وينبغي حل أي سوء فهم أو إبهام أو غموض في النص حلاً سليماً كاملاً إذا ما وضعنا مقاييس النصية في الاعتبار عند تفسير أي نص سياسي. أي أنه يوجد دلائل أو تلميحات نصية في النص ذاته أو في نصوص ذات صلة أو في الموقف إلى غير ذلك من عوامل نصية، تساعده المفسر على التوصل إلى الإشارة المقصودة. ولعلنا نعلم أن من يتواصل عن طريق اللغة يتعهد بتوصيل المعلومات الصادقة ذات الصلة فقط إلى الجمهور؛ والجمهور يمكنه تفسير النص إذا كانت لديه ثقة في إدعاء الكاتب الأصلي بالاتساق الكلى مع الموضوع. قد يحبط الجمهور أو يخدع أحياناً، إلا أنه لابد أن يفترض دوماً الاتساق الكلى للموضوع وصدقه وشفافيته. وسوف يتمكن الجمهور من إضافة السياق الضروري لتفسير النص إذا توصل إلى قصد واحد مناسب وراء كل كلمات النص وتركيباته.

 

إن عدم الاتساق والتناقض في النصوص السياسية يأتي نتيجة محاولة التوفيق بين آراء متباينة وأحياناً متضاربة أثناء صياغة النص والتفاوض عليه للوصول إلى إجماع حول نص لغته غير مقبولة تماماً. والتناقض قد يؤدى إلى عواقب غير متوقعة إذا لم يحل إبهام النص لغوياً. بعبارة أخرى إذا وجد تناقض بين النصوص، إلى أي نص نشير في التفسير؟ والواقع أن الساسة وصناعي القرار ومفسري النصوص غالباً ما يختلفون في اقتباس نص ما دون الآخر لتعزيز أو تفنيد رأى يتفق مع أو يعارض الأساس القانوني لبعض القرارات أو الإجراءات – لذلك ينبغي أن يتدخل اللغويون. وهنا يوجد احتمالان: إما أن نوايا صائغ النص كانت تقصد هذا التناقض وعدم الاتساق في النص الأصلي وهذا ما أدركه وقبله المفسرون عند وضع النص (في هذه الحالة يكون وجود أكثر من ترجمة ممكناً ومقبولاً)؛ وإما أن نواياه لم تكن حسنة (هنا تصبح بعض التفسيرات غير قانونية وليست جائزة طبقاً لقواعد القانون الدولي).

 

تلعب الإشارة عبر النص Intertextuality دوراً هاماً في تفسير الوثائق السياسية. فميثاق جامعة الدول العربية مثلاً لا يمكن تفسيره بمعزل عن ميثاق الأمم المتحدة ، ونفس الشيء ينطبق على قرارات الأمم المتحدة. وتهدف الإشارة غير المتسقة إلى نصوص أخرى في معظمها إلى إضفاء صفة الشرعية إلى بعض الإجراءات. ولتحديد القصد الحقيقي لكاتب النص يجب أن يكون المترجم متخصصاً لا في علم اللغويات فحسب بل أيضاً في السياسة، علاوة على أنه لابد و|أن يكون ذكياً داهية مثل الكاتب الأصلي.

 

ويعتبر تفسير النصوص الغامضة ممكناً. ولعل أحد أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة هو تفسير قرار الأمم المتحدة رقم242 (1967)والذي أثار حوله خلافاً وجدلاً واسعاً فيما يتعلق بتفسير الإشارة النكرة في التعبير “territories” )أراضٍ(، وجاء التفسير بتحليل نسيج القرار وتطبيق مقاييس النصية عليه.

 

لقد جاءت هذه النصوص في معظمها غامضة ومتناقضة. وهذه النصوص غير التامـة– إذا جاز التعبير- نتيجة لمشاورات ومفاوضات لم تشترك فيها الدول الفقيرة أو دول العالم الثالث، وهى تعكس ميزان القوي في العلاقات الدولية في فترة معينة. لم تستخدم الإشارة النكرة أو المعرفة أبدا دون قصد. لذلك أطلقت علي هذه التعبيرات " فخاخ لغوية " يلدغ منها البعض مرارا وتكرارا حسبما يتفق ومصالح الدول الكبرى أو الدولة الواحدة المسيطرة على النظام الدولى العالمى كما هو الحال الآن، أي وفق مصالح وأهواء الدولة المهيمنة علي العالم تترجم النصوص.

 

ومؤخرا أصبح تفسير التعريف والتنكير يوفق في بعض الأحوال ليس حسب قواعد ميثاق الأمم المتحدة أو القانون الدولي وإنما حسب السياسة الخارجية للولايات المتحدة باعتبارها القوة الأولي في عالم أحادي القطبية منذ بداية التسعينات. ويعد ذلك أحد أسباب انتقاد ازدواجية أداء الأمم المتحدة في الفترة الأخيرة. إن الإبهام في النصوص يفسر بسوء نية لإعطاء تفسيرات شرعية. لقد أصبح الأمر الواقع في التفسير ملمحا من ملامح تفسير الوثائق السياسية. وهو الأمر الذي يهدد أساس التواصل اللغوي - فالمبدأ التعاوني يفترض صدق الحديث وحسن النية في إشاراته. وإذا تهدد التواصل اللغوي الدولي, سوف يتهدد السلم والأمن الدوليين لا محالة .

 

وتوصلت الدراسة إلى أن النصوص الأصلية تتطلب تعديلات وربما إلى إعادة صياغة في أحوال كثيرة فيما يتعلق بالتنكير والتعريف. و توجد نصوص كثيرة مترجمة يعوزها التصحيح فوراً. إن التحديات والقيود التي تواجه العالم العربي بالأخص والعالمي النامي والمتخلف عامة تتزايد في ظل عالم يتغير بسرعة، حيث صديق اليوم قد يصبح عدو الغد. ولا أحد يستطيع أن يتنبأ من سيفسر تلك النصوص غداً وتحت أي ظروف! فبالأمس تمت فبركة التفسير ضد العراق، اليوم ليبيا، فدور من غداً؟ ومع ذلك لا تدعي الدراسة أن تفسير الإشارة هى المفتاح السحري لمواجهة هذه التحديات؛ لعل سياسات الدول وسلوكها أهم. إلا أننا يجب أن نتذكر دائماً أن الدول ترجع إلى الوثائق السياسية الدولية لإعطاء شرعية لسياستها وتصرفاتها وتحاول إيجاد تفسيرات تخدم مصالحها وأهدافها. إجمالاً ، تعد ترجمة التنكير أو التعريف ترجمة صحيحة أمراً هاماً في عالم مليء بالتحديات والقيود. لذلك بدءاً بالمفاوض يجب أن يكون حريصا تجاه مثل هذه الفخاخ اللغوية قبل أن يوافق علي أية وثائق سياسية قانونية. ثم يأتي بعد ذلك دور المفسرين والمترجمين. وتأمل الدراسة أن تكون فاتحة لمزيد من الأبحاث في هذا المجال حيث يمكن التوغل والتبحر في كل نتيجة من نتائج الدراسة، وربما تخلق موضوعات أخرى أكثر تخصصاً لم تتمكن الدراسة من تناولها لضيق الوقت والمساحة.

 

والتطورات الناشئة في العلاقات الدولية وعلى المسرح العالمي ككل - مثل ظهور دول حديثة مستقلة وبالتالي إعادة تعريف مصطلحات عديدة ظلت باقية لفترات طويلة- قد تؤدى إلى إبهام في النص ويكون هنا غير متعمد. وهنا يطرح السؤال التالي: هل يجب تعديل النصوص من هذا النوع أو إضافة ملاحق لها بين الحين والآخر كلما ظهرت ضرورة لذلك؟ قد تكون الإجابة علىهذا التساؤل مدخلاً لمزيد من الأبحاث في المستقبل.

 

لابد من تعديل مواد كثيرة في ميثاق الأمم المتحدة؛ ويجب أن يشترك الجنوب الفقير، مقارنة بالشمال الغنى، في صياغة النصوص الجديدة. وكذلك الحال في ميثاق جامعة الدول العربية فلابد أن يحتوى الميثاق المعدل على إجراءات قانونية وسياسية لضمان تنفيذ "كل" القرارات التي تصدرها الجامعة سواء كانت اتخذت بالأغلبية أو الإجماع خاصة إذا علمنا أن 85% من قرارات الجامعة المتخذة بالإجماع لا تنفذ. مما يحول قرارات الجامعة إلى ما يشبه اتفاقية دولية غير ملزمة. وكذلك يجب إعادة النظر في العلاقة عير المتوازنة بين الأمم المتحدة والتربيات أو التنظيمات الإقليمية. وليست قرارات الأمم المتحدة بأحسن حالٍ من ذلك .

 

كذلك العلاقة بين التدخل لاعتبارات إنسانية والاختصاص الداخلي للدول تحتاج إلى إعادة النظر والتعديل لأن الاعتبارات الإنسانية أحيانا ما تكون غطاء للتدخل الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه نوع جديد من الإمبريالية والاستعمار ولكن تحت ادعاءات تبدو نبيلة مثل الاعتبارات الإنسانية.

 

وأخيراً نتساءل: هل الترجمة ممكنة؟ توصى الدراسة بمزيد من الأبحاث التي تتعرض لتعقيدات عملية الترجمة.


 


انشء في: أحد 22 فبراير 2015 14:25
Category:
مشاركة عبر