الاخلاق في الفكر المصري القديم
شاهيناز ابراهيم السيد زهران عين شمس البنات الدراســات الفلسفيـة دكتوراة 2004
"الأخلاق ضرورة إنسانية فردية واجتماعية ، فالإنسان ذلك المخلوق الذى كرمه الله ، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا ، ومنَّ عليه بنعمة العقل والإدراك ، تنازعه الشهوات ، وتستميله الطموحات ، ويمكن للأولى أن تهبط به ، ويمكن للثانية أن تصل به إلى أعلى درجات السمو والارتقاء النفسى والعقلى ، فلابد – إذن - من قواعد للتمييز بين الحق والباطل ، الخير والشر ، الصواب والخطأ ، بل لابد من تربية خلقية سديدة تمكن الإنسان من التغلب على دواعى الهبوط والانحلال التى تفتك به ، ولأجل تقوية نوازع الخير فيه .
هذا ما أدركه المصريون القدماء ، وأكد عليه ""توملين"" حينما قال : ""إن ما يهمنا فى المصريين كونهم أول أناس ، بل أول شعب يناقش تلك المسائل الأخلاقية ، مشاكل الخير والشر مطبقة على الحياة ذاتها ، ومشاكل الصواب والخطأ مطبقة على السلوك البشرى ، تلك المشاكل التى هى بعينها مثار اهتمامنا اليوم"" ( ) .
ورغم ذلك انصرف كثير من الباحثين إلى دراسة قضايا الأخلاق ، وقد اعتادوا فى أغلب الأحيان أن يتناولوها عند فلاسفة اليونان أو فلاسفة المسلمين متجاوزين أسلافهم من حكماء الشرق ، مدعين أن التأريخ للفكر الأخلاقى يجب أن يكون بعيدًا عن إلهام العقائد الأرضية ، لذا كان من أهداف الباحثة منذ إعدادها لأطروحة الماجستير إلقاء الضوء على جانب الأخلاق فى الفكر الشرقى القديم ، فكان ""الفكر الأخلاقى عند ""زرادشت"" موضوعًا لرسالة الماجستير ، ثم تتابع اهتمامنا بدراسة الأخلاق ، فكانت دراسة الأخلاق فى الفكر المصرى القديم مثار بحثنا فى هذه الأطروحة .
وتأتى أهمية هذه الدراسة للدواعى التالية :
1- فى حدود علم الباحثة ليس هناك دراسة فلسفية وقفت موضوعها لدراسة الأخلاقى فى الفكر المصرى القديم .
2- يشكل الشرق القديم المرحلة الأولى من مراحل التفكير الإنسانى والمعرفة الإنسانية التى ينبغى دراستها ، لمعرفة مدى التطور الذى بلغه العقل الإنسانى .
3- تحاول هذه الدراسة الجمع بين ما تمثله الحضارة المصرية القديمة من تعاليم أخلاقية فى مجال الأخلاق وبين الرؤية النظرية الفلسفية لتلك التعاليم ، للكشف عن المفاهيم الأخلاقية ومحاولة تحديدها تحديدًا نظريًا ، ومقارنة ذلك بالفكر الزرادشتى والكونفوشيوسى واليونانى والأخلاق المسيحية والإسلامية، لزيادة فهم الفكر المصرى القديم وبيان آصالته، وهذا كلما كانت المقارنة مناسبة فى مكانها .
4- يمثل الشرق القديم أحد روافد الفكر اليونانى .
5- إن دراسة الفكر الفلسفى فى بلدان الشرق القديم من خلال الأدوار التاريخية والمراحل المختلفة التى مر بها ، تساهم إلى حد كبير فى فهم جوهر الصراع بين الشرق والغرب خصوصًا فى تلك المرحلة المهمة التى يمكن أن نطلق عليها اسم مرحلة التغيير فى ميزان القوى والهيمنة التاريخية التى تحاول أن تطمس معالم وتراث الحضارات القديمة (*).
6- وتأتى أهمية هذه الدراسة أيضًا فى الرد على من يرى « الأخلاق فى الفكر المصرى القديم » إن هى إلا تعبير عن حكم ونصائح ومجرد نظرات متفرقة مختلطة بالعقائد الدينية والأغراض الحياتية العملية ، وليس تعبيرًا عن موقف فلسفى خاص.
من أجل ذلك كله كان علينا أن نبحث عما هو أصل فى قيمنا الثقافية ، وقد جاءت هذه الدراسة ""الأخلاق فى الفكر المصرى القديم"" بدءًا من الدولة القديمة وحتى نهاية الدولة الحديثة (2780- 1080 ق.م تقريبًا) على نحو ما اعتاد المؤرخون تقسيمهم للتاريخ المصرى القديم ، حيث تمثل تلك الفترة أهم إنتاج التراث الفكرى لمصر القديمة .
وقد جاءت هذه الدراسة فى مقدمة ، وأربعة فصول ، وخاتمة.
وعرضنا فى المقدمة لأهمية دراسة الموضوع ، والهدف منه، والصعوبات التى واجهت الباحثة ، والمنهج المستخدم ، وحدود الدراسة .
ولما كان الفكر لا ينفصل عن ظروف العصر فقد جاء الفصل الأول يوضح البنية المجتمعية والثقافية التى نشأ فيها الفكر الأخلاقى ، وذلك من منطلق ذلك التفاعل بين المجتمع والفكر الثقافى .
ولم ينفصل الفكر الدينى فى مصر القديمة عن الفكر الأخلاقى ، فجاء الفصل الثانى يوضح الأسس الدينية للسلوك الأخلاقى ، ومدى الارتباط بين الديانة والأخلاق ، كما تحدث هذا الفصل عن انعكاس فكر المصرى القديم على تصوره للإله الذى اتصف بصفات أخلاقية كانت تحكم العلاقة بينه وبين الإنسان، وقد قدم هذا الفصل جوابًا عن تساؤل يتعلق بأصل الشر وعلاقته بالإله .
ولما كانت دراسة النفس مهمة لدراسة الفكر الأخلاقى فمهدنا لدراستنا للفعل الأخلاقى الصادر من الإنسان بدراسة قوى النفس الإنسانية ومكانها من الخير والشر، أى أوضحنا قوى النفس الإنسانية من الجهة التى تربطها بالأخلاق، ثم تبع ذلك الحديث عن الفعل الأخلاقى وشروطه من حرية الإرادة والمسئولية والجزاء . وهل أدرك الفكر الأخلاقى فى مصر القديمة هذه المفاهيم الأخلاقية ؟
ثم تبينا بعد ذلك اهتمام الفكر الأخلاقى فى مصر القديمة بالسلوك العملى الأخلاقى ، فجاء الفصل الرابع يوضح الفضائل الأخلاقية التى حرص المصرى القديم على التحلى بها ، وكشفنا عن أن تلك الفضائل لم تكن تحكم سلوك الفرد فحسب ، بل اتسع مفهومها ليحكم سلوك المجتمع كله ، ثم أنهينا ذلك برؤية الفكر المصرى القديم عن الإنسان الفاضل الذى بحرية إرادته قادر على أن يكون فاضلاً أو لا يكون"
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة