التحكيم في المنازعات الإدارية ذات الطبيعة التعاقدية - دراسة مقارنة في فرنسا ومصر ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي
وليد محمد عباس يوسف عين شمس الحقوق القانون العام دكتوراه 2008
النتائج التي تم التوصل إليها
1- يمثل التحكيم قضاءً خاصاً بموجبه تسلب المنازعات من جهة القضاء الوطني ليتم الفصل فيها بواسطة أشخاص خاصة يعهد إليهم بممارسة وظيفة قضائية.
2- يعد التحكيم عقداً في أساسه، وقضاءً في وظيفته؛ أي نظام مركب من عناصر عقدية وعناصر قضائية، وتتمثل العناصر العقدية في اتفاق التحكيم الذي يعتبر مظهراً لإرادة الأطراف، ويخضع لما تخضع له العقود من أحكام من حيث إجراءاته وبطلانه، وتتمثل العناصر القضائية في الطبيعة القضائية لمهمة المحكم، وما يصدر عنه من أحكام.
3- يتميز التحكيم ببعض الخصائص التي تباعد بينه وبين غيره من الأنظمة القانونية الأخرى والتي قد تتشابه معه، مثل الصلح والتوفيق والخبرة. وهذا ما يؤكد استقلاله وخصوصيته.
4- لا يتخذ التحكيم في الواقع العملي شكلاً واحداً، وإنما ينقسم إلى أنواع وأشكال مختلفة، فهو ينقسم من حيث سلطة المحكم في تطبيق القانون إلى التحكيم الطليق والتحكيم بالقانون، ومن حيث تنظيمه وإدارته إلى تحكيم الحالات الخاصة والتحكيم المؤسسي، على أن أهم تقسيماته تلك التي تميز بين التحكيم الوطني والدولي، وبين التحكيم الاختياري والإجباري.
5- إن العقود التي تبرمها الدولة في المجال الدولي ليست عقوداً خاصة على إطلاقها، وإنما يمكن خلع الصفة الإدارية عليها حال اشتمالها على الخصائص المميزة للعقود الإدارية، على اعتبار أن الدولة تقوم بصنفين من الأنشطة؛ أنشطة مرتبطة بممارسة السيادة Jur imperii، وأخرى ذات صبغة صناعية وتجارية Jur gestionis تتمثل في إدارة مشاريع أو أعمال تجارية.
غير أن العقبة الوحيدة التي يمكن أن تشكل عائقاً أمام تطور فكرة العقود الإدارية ذات الطابع الدولي هي اختلاف الأنظمة القانونية بين الدول، وآية ذلك أن الدول التي تنتمي إلى النظام الانجلوسكسوني تجهل التفرقة بين عقود القانون الخاص وعقود القانون العام، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الدول التي تنتمي إلى النظام اللاتيني والتي تقر بهذه التفرقة قد اختلفت فيما بينها بشأن المعيار الموضوعي في تمييز العقد الإداري. وهذا ما سوف ينعكس بطبيعة الحال على تحديد المعيار المميز للعقد الإداري ذو الطابع الدولي.
وإذا كان القضاء الإداري، وبخاصة الفرنسي قد رفض في العديد من أحكامه التسليم بوجود فكرة العقد الإداري الدولي، إلا أننا نأمل أن يطور قضاؤه بشأن هذه المسألة ويقر بوجود هذه الفكرة، حتى لا يكون بمعزل عن التطورات الحاصلة على الصعيد الدولي والتي نتج عنها دخول الأشخاص المعنوية العامة في علاقات تعاقدية مع الأشخاص الأجنبية وتداخل العناصر الأجنبية في العقود الإدارية.
6- إن اختصاص القضاء الإداري بنظر المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية له قيمة تشريعية لا دستورية، وبالتالي لا توجد ثمة عقبات دستورية تحول بين تقرير خضوع هذه المنازعات للتحكيم.
وعلى هذا الأساس فإن توسيع نطاق التحكيم الداخلي يعتمد على الإرادة الصريحة للمشرع، وبدون هذه الإرادة لا يمكن للإدارة أن تتنصل من القواعد التي تحدد الاختصاص القضائي الوطني عن طريق إخضاع منازعاتها الإدارية، ومنها ذات الطبيعة التعاقدية للتحكيم، لتعلق الأمر بالنظام العام الداخلي. أما بالنسبة للتحكيم الدولي، فقد استقر القضاء العادي وقضاء التحكيم على أنه لا يجوز للإدارة أن تتذرع بمخالفة أحكام قانونها الوطني للتنصل من اتفاق تحكيم سبق وأن ارتضته.
7- لقد اختلفت مواقف الدول محل الدراسة وتباينت اتجاهاتها بشأن تطبيق أسلوب التحكيم على منازعات العقود الإدارية الوطنية، حيث تبنى جانباً منها موقفاً متحرراً يقوم على السماح المطلق بالالتجاء إلى التحكيم في كافة منازعات العقود الإدارية مع وضع بعض القيود الإجرائية في هذا الشأن تتمثل في ضرورة الحصول على موافقة جهة معينة قبل الاتفاق على التحكيم، وقد جسد هذا الاتجاه المشرع المصري والسعودي والقطري، وفي الطريق إلى ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث انتهت وزارة الاقتصاد الإماراتية من إعداد مشروع قانون اتحادي حول التحكيم وتنفيذ قرارات التحكيم، وقد نصت المادة الثانية منه على أنه : "" وبالنسبة لمنازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة التي لا تتبع وزيراً ويجوز التفويض في ذلك "" (1).
وبالمقابل، فقد أخذ الجانب الآخر وعلى رأسه النظام الفرنسي موقفاً متشدداً، حيث تبنى مبدأً عاماً قوامه حظر الالتجاء إلى التحكيم لحل المنازعات الإدارية بما فيها المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية، وذلك باستثناء الحالات التي يوجد فيها نص تشريعي صريح يجيز اللجوء إلى التحكيم لحسم بعض أصناف من منازعات العقود الإدارية.
وقد طبق القضاء، سواء الإداري أو العادي، هذا المبدأ تطبيقاً جامداً، وهذا ما لاحظناه من خلال اتجاه مجلس الدولة الفرنسي نحو إخضاع المقاطعات لهذا المبدأ بالرغم من أنها لم تكن مذكورة ضمن الأشخاص المعنوية العامة المحظور عليهم اللجوء إلى التحكيم في نص المادتين (83 ، 1004) من قانون الإجراءات المدنية القديم، فضلاً عن تقريره عدم مشروعية لجوء المؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري للتحكيم بالرغم من عدم وجودها وقت وضع قانون الإجراءات المدنية القديم، علاوة على اختلاف نظامها القانوني الذي يتسم بالطابع الخاص مع ذلك الذي تتمتع به المؤسسات العامة الإدارية.
8- بالرغم من أن القضاء العادي الفرنسي قد عمل من جانبه على الخروج عن قاعدة الحظر التي تبناها مشرعه في القانون الداخلي، وذلك عن طريق ابتداعه لقاعدة مادية في مجال القانون الدولي الخاص مفادها تقرير صحة اتفاق التحكيم في المعاملات الدولية التي تجريها الأشخاص العامة، واستقلال هذا الاتفاق عن حكم أي قانون داخلي، إلا أن إشكالية خضوع العقود الإدارية لمجال التحكيم الدولي سوف تظل قائمة، وذلك إذا ما عرض الأمر على القضاء الإداري، نظراً لرفض هذا القضاء لمبدأ التحكيم الداخلي والدولي على السواء في المنازعات التي تثيرها العقود الإدارية طالما لا يوجد نص تشريعي صريح يجيز ذلك.
9- إن النظرة العدائية التي ينظرها القانون الفرنسي للتحكيم في سبيلها للانحدار، وذلك نتيجة التطورات التي طرأت على الحياة القانونية هناك. وقد تمثلت هذه التطورات في إصدار المشرع العديد من القوانين التي أجاز بموجبها للأشخاص المعنوية العامة الخروج عن قاعدة حظر اللجوء إلى التحكيم، أهمها المرسوم رقم 2004 - 559 الصادر بتاريخ 17 من يونيو عام 2004 الخاص بعقد الشراكة، والذي تمت المصادقة عليه بواسطة المادة 78 من القانون رقم 2004 - 1343 الصادر بتاريخ 9 من ديسمبر عام 2004. ففي هذا القانون لم يعمل المشرع الفرنسي فقط على توسيع الطريق أمام التحكيم لحسم المنازعات الناشئة عن عقد الشراكة، وإنما نص على ضرورة تضمين هذا العقد شرط تحكيم. وبالتالي فإن السلطات العامة سوف تمارس ضغوطات على الأطراف الأخرى في التعاقد لإجبارهم على إدراج بند في صلب اتفاقاتهم يتعلق بحل النزاعات الناشئة عن عقد الشراكة بطريق التحكيم.
واكتملت هذه التطورات في عام 2007، وتحديداً في 27 من مارس عام 2007، حيث صدر تقرير مجموعة العمل المكلفة ببحث نصوص المشروع التمهيدي للقانون الخاص بالتحكيم في المجال الإداري ووضع التصور النهائي له. فقد انتهت مجموعة العمل إلى ضرورة إفساح مجال التحكيم أمام كافة الأشخاص المعنوية العامة وفي جميع المنازعات الناشئة عن علاقتهم التعاقدية، حتى لو كانت مثارة فيما بينهم، سواء كان ذلك عبر شرط التحكيم أو مشارطة التحكيم، وذلك باستثناء المنازعات المتعلقة بعقود إيجار الخدمات.
10- إن التحكيم في المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية يفتقد إلى التشريع المستقل الذي ينظم الجانب الإجرائي والموضوعي له، وقد ترتب على ذلك أن أضحت منازعات العقود الإدارية تسيطر عليها قواعد القانون الخاص الواردة في الشريعة العامة للتحكيم والتي وضعت في الأصل لحكم علاقات الفرد بالفرد."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة