الفكر السياسي بين الإباضية والماتريدية حتى القرن السابع الهجري
أحمد السيد سيد أحمد علي صالح, ,القاهرة ,دار العلوم, الفلسفة الإسلامية, ,دكتوراه 2009 451
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم …وبعد
لقد اعتنى الإسلام بالوحدة بين أبنائه وجعل لها عناية خاصة فقال تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: من الآية103)، وقال تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه)(الأنعام: من الآية153) وقال تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(لأنفال: من الآية46)إلى غير ذلك من الآيات .
وقد اعتنت السنة النبوية أيضا بالوحدة الإسلامية ، وحذّرت من الفرقة والاختلاف والتنازع فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يد الله مع الجماعة "(1) وقال صلى الله عليه وسلم : " فعليك بالجماعة إنما يأكل الذئب القاصية "(2) وقال صلى الله عليه وسلم : "، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد "(3)… إلى غير ذلك من الأحاديث .
ولا ريب أن الأمة الإسلامية حالها كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .." (4)فنحن نعيش حالة من التمزق والتفرق والاختلاف في الأهواء والانتماءات وتعصب في الرأي مما سهّل لأعداء الأمة أن يلتهموا بلادنا على الرغم من امتلاكنا لركائز الوحدة ، فنحن نؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، ونؤمن بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر ، ثم تجمعنا عبادات واحدة ، ثم يربطنا تاريخ واحد ، وأرض ولغة واحدة ، وقد أمرنا بالمؤاخاة فقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات: من الآية10) ، وكل هذا كفيل على أن يجمعنا على هدف واحد .
فلابد أن نتفاعل مع معطيات المرحلة آخذين من كل ما يحيط بنا العبرة لصناعة كتلة واحدة ـ كما كنا سابقا ـ لمواجهة التكتلات الحديثة ، وهذا يقتضي مراجعة كل فرقة لنفسها ، فلابد من الوقوف على ما يعكر صفو هذه الأمة ثم نحاول أولا تخفيف الحدة ، ثم النظر فيما ينتج عن هذا المعتقد من سلبيات وأضرار ثم يتم العلاج (1) .
مما لا شك فيه أن الإباضية أخف حدة من الخوارج في قضية التكفير ، فالمخالف ومرتكب الكبيرة عندهم سواء ، فهما كافران كفر نعمة غير مخرج من الملة ، ينتج عن ذلك أن لهما جميع الحقوق وعليهما جميع الواجبات ، فلا قتل ولا سبي ولا نهب ، وينكحان ويصلى خلفهما ، وُيصلّى عليهما ويدفنان في مقابر المسلمين، وهذا بعكس الخوارج الذين استباحوا دماء المخالف والسبي والنهب وتشريكه وتكفيره كفر ملة……
لا شك أن موقف الإباضية أخف كثيرا من موقف الخوارج مما يشجعنا إلى الدعوة للوحدة ، وهذا يتطلب أن تتغير النظرة إلى مرتكب الكبيرة والمخالف لا سيما وقد ظهر منهم من يرى أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، لكنه لم يجد آذانا صاغية عندهم.
ومن الجدير بالذكر أيضا أن موقف الإباضية تجاه الصحابة قد تحول تحولا ملحوظا عما كان ، فقد طلبت الإباضية من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وقف لعن الإمام علي كرم الله وجهه ، وكذلك ينفي أ: دبوز أن ينتسب قتل الإمام علي إلى الإباضية ، ويصف الفاعل بأنه ضعيف الصلة بهم ، ولم يرض الإمام جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم بن أبي كَريمة وأئمة الدولة الرستمية باغتيال الإمام علي .
ومن الملفت أيضا لعوامل الوحدة أنه ظهر منهم من يرى الإمساك عن فتنة الصحابة، ويستشهدون بقول الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : " تلك دماء طهر منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا " ، وظهر منهم أيضا من يلتمس العذر للصحابة مثل أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي ت 1321هـ ، وذكر شعرا في ذلك ، واختار القطب محمد أطفيش الوقوف ، واشترط مفتي عمان الشيخ الخليلي أن تطوى هذه الصفحة مقابل احترام أهل النهروان .. وهذا يعد تحولا ملحوظا أما اشتراط احترام أهل النهر فلا نزيد على قول الإمام علي :" إخواننا بغوا علينا .." فلا نكفر ولا نفسق …
ومن الملاحظ أن نظرة الإباضية والماتريدية للإمامة متفقة ، فالإمامة عندهما ليست من أصول الديانات بل هي من الفروع ، وهي ملحقة بالأصول لوجوبها في رأي الإباضية ، وفي رأي الماتريدية أنها من المتممات ، فهما يخالفان الشيعة حيث جعلتها من أصول الديانات ، وإن الإمام عند الفرقتين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط وحي ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة ولا يرتفع إلى منزلة خاصة ، ثم هو مطاع ما أطاع الله ، وإذا عصى فلا طاعة له ، وترى الفرقتان نصح الإمام ومناصحته وتقويمه ، وأما إذا جار فيجوز عندهما التقية ودفع شره بمال ، وتجوز الصلاة خلفه والعمل معه فيما وافق الشرع والتحاكم له فيما وافق الحق ..
ومن الملاحظ وجود علاقة وثيقة بين شروط الإمام وطرق نصبه، فنتج عن شرط العدالة عند الإباضية عدم جواز ولاية المتغلب ،ولا شك أن هذا القول فيه زجر للحاكم وإلزام له ، وفيه منافع عظيمة ، ونتج عن قول الماتريدية أن شرط العدل من شروط الكمال جواز ولاية المتغلب وتجب طاعته في المعروف ، وأما ما ينتج عنه من فساد سياسي واقتصادي فهو محرم لكن يجب الصبر وبذل الجهد في تغيير المنكر ما أمكن ذلك بكافة الطرق المشروعة .
ونتج عن القول بعدم العصمة عند الفرقتين عدم صحة الوراثة والقول بالنص والوصية ، ورأت الفرقتان أن الإمامة تثبت بالاختيار والاستخلاف ، ولكن من الملاحظ عند الفرقتين كان نادرا ما يحدث اختيار ، وأن الأساس هو الاستخلاف الذي أخذ عند الماتريدية شكل ولاية العهد ، وأخذ عند الإباضية شكل الترشيح وفي النهاية صارت شبيهة بالملك عند الفرقتين وانتهت بالصراعات مما أضعفت الدولة .
ثمت أمر يجب ذكره أن الأثر العقائدي كان واضحا عند الفرقتين في معالجة الفكر السياسي ، فقول الماتريدية بالشفاعة لأهل الكبائر وبصحة إيمان مرتكب الكبيرة وعدم العصمة للحاكم دفعها للقول أن شرط العدالة شرط كمال ، والذنب لا يفسخ العقد ، ولا يجوز الخروج على الإمام ، لكن الإباضية على خلاف ذلك فهي لا تقول بالشفاعة لأهل الكبائر وبعدم صحة إيمان صاحب الكبيرة وهو كافر نعمة، وبعدم العصمة مما دفعها للقول أن شرط العدالة شرط جواز وصحة ، والإمام يعزل بالتهمة لكن بشرط شهرة الحدث ، والذنب يفسخ العقد ، ويجوز الخروج عليه إذا اقتضى ذلك بشرط القدرة والاستطاعة .
أهداف البحث :
- تصحيح ما شاع بين العامة والخاصة من القول : " لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين " وهذا القول له أهداف ومآرب أخرى ، فأردنا أن نبرز مكانة السياسة في الفكر الإسلامي محققين خطأ صاحب هذا القول .
- محاولة تحقيق الوحدة ولمّ شمل المسلمين تحت راية واحدة ، وذلك كان يتطلب طلب الحق دون النظر إلى صاحب الفرقة ومعرفة ما لديه ، وكان يتطلب حكمة في الرد والتعليق، وكذلك تحقيق العدل مع الآخرين ولو كانوا على غير ما أعتقد تحقيقا لقوله تعالى : ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )(المائدة: من الآية8) وكان الهدف من هذه الضوابط ـ والله شهيدي ـ وحدة الأمة ، لذا فقد ابتعدت عن كيل التكفير والتفسيق ، لأنه يزيد الشقة والخلاف .
- تعميق ما قيل إن الإباضية أقرب فرق الخوارج من أهل السنة وهذه حقيقة لا خلاف عليها ، فقد وجد الباحث كثيرا من مواقف القرب من أهل السنة والأمثلة على ذلك اتفاقهم في موقفهم من البغاة والمرتدين ، وكذلك في شروط الإمامة ما عدا شرط القرشية ، وشرط العدالة واعتباره شرط جواز وصحة ، وكذلك الاتفاق في طرق نصب الإمام ما عدا طريق الغلبة والقهر.
- رفع الشُّبه عن الصحابة رضوان الله عليهم ورفع ما قيل عنهم سواء عند الإباضية والشيعة وذلك بأسلوب علمي بعيد عن السباب وبمقابلة الحجة بالحجة ، وهذا ما تعلمته من قسم الفلسة بدار العلوم ، حيث يهتم بتحليل الأفكار ثم يبدي رأيه بأسلوب علمي مدعوما بالأدلة .
- الرغبة في معرفة التطورات والتحولات عند المدرستين ، ومما يشهد له فقد لمسنا تحولا كبيرا عند الإباضية واللهجة قد خفت حدتها ـ إلا من شذ منهم ـ عما كانوا عليه ، على الرغم من تمسكهم بثوابت أصولهم ، ونأمل أن تذوب هذه الفروق ، وخاصة وقد ظهر منهم من ينادي بذلك ، وقد حاورت بعضهم وقد أظهر رغبة في قبول الرأي الآخر ، وأعلمني أن كل شيء مطروح للنقاش والأخذ والرد، ونأمل أن يكونوا جميعا هكذا.
منهج البحث :
قد تنوع المنهج فقد اُستخدم المنهج التاريخي لمعرفة مراحل وتطور الإمامة عند الفرقتين ، ومدى تلاقي النظرية مع الواقع ، ثم المنهج التحليلي لتحليل الفكرة وتوضيحها توضيحا دقيقا لاستنباط أصول كل فرقة ثم المقارنة بين الفرقتين ومع المتكلمين ثم تصحيح ما نراه صوابا ، والتعليق على ما نراه خطأ .
تسهيلات البحث :
جرت العادة أن يقال : صعوبات البحث ، فمن الأوْلى بعد تمام نعمة الله على العبد أن يذكر نعمة الله عليه بدلا من أن يعلن الشكاية ويظهر الأسى ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " (1)ولا شك أن فترة البحث محنة وابتلاء ، فمن الأولى بعد تمامها إظهار النعمة .
فمن نعم الله عليّ أن رزقني فضيلة الأستاذ الدكتور : " محمد السيد الجليند " مشرفا على البحث ، وكم له من أياد على هذا البحث يصعب حصرها لضيق المقام ، فقد شجعني فضيلته وحفّزني لهذا الموضوع ، وهو صاحب اقتراح العنوان بهذا الشكل على أن تكون المقارنة مع الماتريدية وأن تحدد بفترة زمنية ، ومما لمسته في فضيلته سرعة قراءته مع دقة نظره وكان دائما ما يقول لي : " لا تتأخر عليّ " مما زادني شعلة وحماسا فاللهم نفعنا بعلمه وزده علما ..
وحينما تم تسجيل هذا الموضوع ضاقت علي الدنيا بما رحبت بسبب قلة مصادر الإباضية واختلافها وتجاهلها وعدم معرفة الكثير من الباحثين بها ، فنصحني أحد الأخوة بالذهاب إلى سفارة عمان لعلي أجد شيئا ، وأخذت بنصيحته ، فوجدت قوما حق فيهم قول القائل :
قوم إذا جئتهم جادوا بما لديهم من لؤلؤ ومرجان
فوجدت مكتبة عامرة بذخائر كتب الإباضية جُمعت في مكان واحد مع سماحة في التعامل ، وأخذ كل ما أريده وتصوير ما أشاء خارج السفارة بغير قيود حتى صورت كل ما أحتاجه ، فكان هذا بمثابة شريان الحياة لهذا البحث ، ومن نعم الله أن رزقني صحبة بعض الأخوة العمانيين وهم في بعثات علمية في كلية دار العلوم فقد أمدوني بكتب ورسائل علمية مما كان لها بالغ الأثر في البحث والباحث .
وفي النهاية إنني أعترف بعد ذلك أن عملي منطو على هنات ، ومجانبة لما هو أصوب ، ولكن يشهد الله أنني بذلت جَهْدي واستنفذتي طاقتي رجاء أن أبلغ الحق ولكن الله يقدر ما يشاء ، والكمال ليس لأحد ، والكل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب الروضة الشريفة ، ولا يسعنى إلا أن أقدم خالص شكري لفضيلة الأستاذ الدكتور : محمد السيد الجليند على ما حظيت به في كنف رعايته العلمية ، وأساتذة قسم الفلسفة جميعا ، وأساتذة دار العلوم بدءا بالسيد عميد الكلية ، والأخوة القائمين على المكتبة بما لديهم من صبر وجلد من أجل خدمة الباحثين ، كما أتوجه بخالص شكري إلى سفير عمان الذي سمح لي بالاطلاع في مكتبة سفارة عمان ، والأخوة القائمين على مكتبة السفارة الأستاذة نهيل والأستاذ : إيهاب فتحي ، وكما أتوجه بالشكر إلى كل من قرأ معي هذا البحث الأخ الدكتور : رجب أبو السعود ، والأخ الجزائري الدكتور : مصطفى وينتن ، وكل من نصحني وأعانني ولو بكلمة في إكمال هذا البحث وكما أتوجه بالشكر إلى والدتي الكريمة وإخوتي على ما تحملوه من عناء بعد والدي ـ رحمه الله ـ ولا أنسى رفيقة الدرب وأولادي على ما خففوه عليّ من عناء البحث ، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة