شعر أبي إسحاق الصابي دراسة فنية تحليلية مع جمع وتحقيق
محمد غريب محمود عبد الباقي الإسكندرية الآداب اللغة العربية وآدابها دكتوراه 2008
الحمد لله كما ينبغي له أن يحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد. أما بعد، فقد دفعني إلى اختيار هذا الموضوع عدة أسباب يمكن تصنيفها إلى نوعين، أولاً: أسباب خاصة بشعر الصابئ، وهي كما يلي:
• إن له ديوانًا ضائعًا – سيأتي ذكره –.
• إن القدماء أكثروا من الثناء على موهبته في الشعر، كما اهتموا برواية شعره - كما سنرى - على الرغم من أن شهرته إنما كانت في مجال الرسائل.
• إن كثيرًا من الكتاب الشعراء حُققت أشعارهم، بيد أن أحدًا من الباحثين لم يهتم حتى الآن – فيما أعلم – بأن ينقب عن ديوانه الضائع ليحقّقه، أو يفرد لشعره بحثًا لجمعه وتحقيقه ودراسته، لينصفه كما أنصف غيره ممن لا يقل عنهم الصابئ شهرة ومكانة في الشعر والنثر( ).
• إن الدراسات السابقة التي تناولت الصابئ لم تغن شيئًا في مجال موضوع هذا البحث، وهذه الدراسات كما يلي مرتبة من الأقدم إلى الأحدث:
● في سنة 1834م ترجم المستشرق ""فيليب فولف PH. Wolff"" – في ألمانيا – أشعار أبي الفرج الببغاء الموجودة في كتاب يتيمة الدهر: للثعالبي، ونشرها باللغة الألمانية فقط، وترجم معها إلى الألمانية أيضًا بعض أشعار الصابئ التي راسل بها الببغاء، والتي وردت في اليتيمة كذلك( ).
على أن هذه المحاولة ركّزت على شعر الببغاء الموجود في مصدر واحد فقط، ولم تهتم بشعر الصابئ إلا عَرَضًا، كما أنها صدرت بالألمانية منذ زمن بعيد.
● في عام 1898م نشر شكيب أرسلان – في لبنان – بعض رسائل الصابئ( )، بدأها بمقدمة ترجم له فيها ترجمة سريعة نقل فيها أبياتًا قليلة له عن بعض المصادر، ولكنه لم يُشر إلى كل مصادره التي نقل عنها الترجمة والأبيات مكتفيًا بقوله – في نهاية المقدمة –: «انتهى ملخصًا عن الثعالبي وغيره بتصرف»( ).
● في سنة 1955م أعدّ الباحث/ محمد محمود الدش – في مصر – رسالة ماجستير عن رسائله( )، درس فيها موضوعـاتها الفنية، مقدمًا لذلك بدراسة عن ديانتـه( )، وبيئتـه( )، وحياتـه مشيرًا إلى أهمية شعره وبعض موضوعاته( )، بيد أنه، لم يلم بكل موضوعات شعره، ولعل سبب ذلك يتمثل في أمرين، الأول: طبيعة موضوع رسالته التي اهتمت برسائل الصابئ قبل أي شيء آخر، والثاني: أن الباحث – باعترافه – اعتمد في معظم إشاراته إلى شعره على ثلاثة مصادر فقط( ).
وإن كان يبقى لهذه الرسالة فضل الريادة في مجال دراسة رسائل الصابئ من ناحية، والسبق في الإشارة إلى أهمية شعره على الرغم من ضياع ديوانه( ) من ناحية أخرى.
● في سنة 1961م حقق د/ محمد يوسف نجم – في الكويت – الرسائل المتبادلة بين الصابئ والشريف الرضي( ) التي ضمّت بعض الرسائل الشعرية للصابئ، بيد أنها لم تمثّل إلا جزءًا يسيرًا من شعره.
● في عام 1976م أعدّ الباحث/ مهدي صالح البدري – في العراق – رسالة ماجستير بعنوان ""أبو إسحاق الصابئ، حياته وأدبه""( ). ولقد حاولت بطرق شتى الحصول على نسخة من هذه الرسالة، ولكن لم يتيسر لي ذلك؛ نظرًا للظروف التي تمر بها العراق الآن. بيد أنّي – بعد بحث طويل – عثرت على ملخص دقيق نادر لهذه الرسالة كتبه أ/ مجاهد مصطفى بهجت؛ ولهذا آثرت أن أوجز ما كتبه عنها، عسى ذلك أن يكشف عن الجديد الذي يضيفه عملي هذا.
فهي رسالة جاءت في 389 صفحة( )، بيد أنها – على حد وصف أ/ مجاهد بهجت- «لا تتضمن جمع الشعر وتحقيقه»( )، وتكونت من «مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة»( )، وكان «التمهيد في 30 ص للحالة السياسية والاجتماعية والثقافية»( ). والباب الأول لسيرته، وجعله في ثلاثة فصول: الأول في «حياته في 33ص»( )، والثاني: لعمله في الدواوين وجاء في «27ص»( )، والثالث: في «علاقته بأدباء عصره في 39ص»( ). وأما الباب الثاني، فكان لنثره، وجاء في فصلين، الأول في «أغراض نثره في 58ص»( )، والثاني في «خصائص نثره في 50ص»( )، وأما الباب الثالث، فقد خصّصه لشعره، وقسّمه إلى فصلين، الأول في «أغراض شعره في 21ص»( )، وتضمن هذا الفصل من أغراض شعره «المديح، الهجاء، الفخر، الرثاء، الوصف، الغزل، الخمريات، الإخوانيات، الشكوى، الحكم، في أسرته»( ). والفصل الثاني في «خصائص شعره في 55 ص تضمن (لغته، ثقافته، أخطاؤه، معانيه، صنعته، الموسيقى، الوزن، القافية)»( ).
ويبدو من الملخص السابق لهذه الرسالة أنها دراسة موضوعية لم تقتصر على المميزات فقط، بيد أنها لم تتضمن جمع شعر الصابئ وتحقيقه، كما أن تصنيفها لموضوعات شعره لم يكشف عن الأغراض المختلفة فيه: كالاعتذار، والعتاب، والدعاء، وطلب الحاجة، والشفاعة، والتهاني، والتهادي، والشكر، والاستزارة، والمواساة، بالإضافة إلى أنه لم يتناول كل أغراضه: كشعره الديني وشعره في الموضوعات السياسية وشعره في أخلاق مجتمعه، وشعره في الشعر. فضلاً عن أن دراستها لخصائص شعره لم تتطرق إلى دراسة القالب الشعري، والصورة، ولعل السبب في ذلك طبيعة موضوع هذه الرسالة التي لم تركز على دراسة شعره فقط، وإنما حاولت الإلمام بحياته وأدبه (شعره، ونثره)، مما أثّر على مدى إلمامها بخصائص شعره وموضوعاته.
● في عام 1977م أعدَّ الباحث/ محمد يونس عبد العال – في مصر – رسالة دكتوراه بعنوان ""المختار من رسائل أبي إسحاق الصابئ، تحقيق ودراسة""( )، جاءت في مجلدين، حقق في المجلد الثاني نفس الرسائل التي نشرها شكيب أرسلان من قبل مضيفًا إليها بعض الزيادات بحكم رجوعه إلى عدد كبير من الأصول المخطوطة، وقدّم لها في المجلد الأول بدراسة عن عصر الصابئ وحياته وموضوعات رسائله، وخصائصها الفنية. على أن هذه الرسالة لم تتطرَّق إلى شعره على الإطلاق.
● في عام 2001م أعدّت الباحثة/ نعمة حامد أبو شادي – في مصر أيضًا – رسالة دكتوراه عنوانها: ""أبو إسحاق الصابئ وآثاره النثرية، دراسة تحليلية""( )، ركّزت فيها على حياته، وموضوعات رسائله وخصائصها الفنية، ولم تشر إلى شعره بطبيعة الحال، وإنما أشارت فقط – ضمن حديثها عن ثقافته الموسوعية – إلى ثقافته الشعرية التي دفعته إلى الاستفادة من التراث الشعري العربي في رسائله( )، وهذا مما يكشف عن مدى ثقافته في الشعر.
كما ألقى عدد من الباحثين أضواءً على بعض أشعاره، وإن كانت بمثابة أقوال مقتضبة لم تغن أيضًا في هذا المجال؛ لأنها آراء سريعة متفرقة هنا وهناك، أوردها أصحابها ضمن دراسات واسعة قد تتعرّض – من بين ما تعرض له – لشعر الصابئ أو شاعريته؛ ووقع بعض أصحاب هذه الدراسات – فيما أعتقد – في أخطاء واضحة ناقشتها في مواضعها من هذا البحث. وإن كان لبعضهم فضل السبق إلى بيان مدى قيمة شعره( ).
أما النوع الثاني من أسباب إقدامي على هذا البحث، فهو أسباب عامة تتمثل في ظاهرة شعر الكتّاب نفسها، فقد ذكر ابن النديم (ت 380هـ) كثيرًا من أسماء الشعراء الكتاب( ) مما يدل على اهتمامه بهذه الظاهرة، ونبّه ابن رشيق القيرواني (ت 456هـ) إلى مدى قيمة شعرهم قائلاً: «والكتاب أرق الناس في الشعر طبعًا، وأملحهم تصنيعًا، وأحلاهم ألفاظًا، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف»( ). كما اهتم عدد من الباحثين بهذه الظاهرة، فاكتفى بعضهم بإيراد بعض أسماء الشعراء الكتاب( )، وألقى بعضهم الضوء على سمات عامة في شعرهم من الناحيتين الموضوعية والشكلية، ونبهوا إلى القيمة الفنية لشعرهم( ).
ومما لا شك فيه أن دراسة شعر الصابئ في هذا البحث ستوضح لنا إلى أي مدى تنطبق مثل هذه الآراء العامة على شعره، كما تكشف عما يخص شعره من ملامح فنية، بل تتيح فرصة الوقوف على مدى الفرق بين الصابئ الكاتب الذي كان – على حد وصف الثعالبي –: «يكتب كما يؤمر»( )، وبين الصابئ الشاعر بأحاسيسه الخاصة بعد تجرده من الأقنعة التي قد يرتديها عند كتابه رسائله إرضاءً لمن يكتب عن ألسنتهم في خضم الحياة السياسية.
بيد أن مثل هذه الدراسة تحتاج بدورها إلى دراسة أخرى تهتم بجمع الشعر وتحقيقه؛ ولهذا قسمتُ البحث إلى أقسام هي: مقدمة، وبابان، وخاتمة، وفهارس.
فأما المقدمة، فهي لبيان أسباب اختيار الموضوع، وإلقاء الضوء على المحاولات السابقة في مجاله، وتوضيح الجديد الذي يمكن أن يقدمه، وكذلك لرسم معالم الخطة التي سأسير عليها في الدراسة، وبيان المنهج الذي سأتبعه في التحقيق.
وأما البابان، فالباب الأول خصَّصته لدراسة بعض ملامح حياة أبي إسحاق الصابئ الشاعر، ثم دراسة شعره دراسة فنية تحليلية، اتبعت في ثناياها ما يفيد من المناهج النقدية الحديثة؛ ذلك أن الباحث الأدبي الحديث – على حد قول أ.د./ شوقي ضيف – لا يكفيه: «منهج واحد ... لكي ينهض بعمله»( )، كما أن عقل الباحث – على حد وصفه – «لابد أن يتحول ... إلى ما يشبه مرآة تعكس أضواء ... تلك المناهج»( )، فتتحول تلك المناهج بدورها «نصب عينيه إلى منارات ضخمة تهديه السبيل»( )؛ ولذلك لم أقتصر في دراسة شعر الصابئ على منهج بعينه. كما حلّلت شعره في الدراسة إلى العناصر الأساسية التي يدرسها النقد الحديث، وهي الموضوعات، ثم الشكل بعناصره: القالب الشعري، والألفاظ، والأساليب، والصورة، والموسيقى( ). على أن هذا الفصل بين عناصر الشعر إنما هو فصل شكلي؛ ذلك أن: «النظرة الحديثة إلى العمل الفني في جميع صوره تحتم اعتباره وحدة مترابطة لا تنفصل إلى شكل ومضمون»( )، بل إنهما يتمثلان معًا – على حد وصف أ.د./ سعيد منصور–: «كائنًا حيًّا، تراه على نحو فريد»( )؛ ولذلك فإن البحث في هذه العناصر منفصلة «ليس من قبيل الموضوعية العلمية.. وإنما الدافع إلى ذلك هو التبسيط في إلقاء الضوء على تلك العناصر التي تؤلف كُلاًّ»( ).
وقد وضعت هذا الباب تحت عنوان: أبو إسحاق الصابئ الشاعر: حياته، ومكانته، ودراسة فنية تحليلية لشعره. وقسّمته إلى ثلاثة فصول: الأول بعنوان: أبو إسحاق الصابئ الشاعر: حياته، وثقافته ومؤلفاته، ومكانته في الشعر، ومصير ديوانه. والثاني بعنوان: موضوعات شعر الصابئ. وتناولت فيه: الموضوعات التقليدية في شعره: كالمدح، والوصف، والشكوى، والغزل، والهجاء، والفخر، والحكمة، والنصائح، والرثاء، والاعتذار، وشعره في أخلاق مجتمعه، والعتاب، وشعره في الشعر، وشعره في أسرته، وشعره الديني، وشعره في بعض أمور السياسة.
ثم تطرقت في هذا الفصل أيضًا إلى الموضوعات النثرية في شعره، ودرست فيه الأغراض التي استلهمها من موضوعات الرسائل النثرية: كطلب الحاجة والشفاعة، والدعاء، والمراسلات الشعرية، والتهاني، والتهادي، والشكر والملاطفة، والاستزارة، والمواساة في المرض.
وقد تناولتُ موضوعات شعر الصابئ بنوعيها في هذا الفصل بعد ترتيبها – من الأكثر إلى الأقل – وفقًا لنسبتها المئوية مقارنة بما وصل إلينا من شعره.
وكان عنوان الفصل الثالث: الصياغة الفنية لشعر أبي إسحاق الصابئ. وأفردته لدراسة القالب الشعري عنده، وألفاظه، وأساليبه، وصوره، وموسيقاه.
وأما الباب الثاني فقد وضعته تحت عنوان: ""شعر أبي إسحاق الصابئ (ت 384هـ) جمع وتحقيق"". وقد قسمته إلى خمسة أقسام:، الأول: الشعر المنسوب إلى الصابئ (الصحيح من شعره)، وبلغ 1436 بيتًا، والثاني: الشعر الذي اشترك الصابئ في نظمه مع غيره من الشعراء، وبلغ 11 بيتًا. والثالث: الشعر المنسوب إلى الصابئ ولم تتأكد نسبته إليه (ووضعتُ فيه الشعر الذي غَمضتْ نسبته إليه أو إلى غيره)، وبلغ بيتين. والرابع: الشعر المنسوب إلى الصابئ وإلى غيره، ووصل عدد أبيات هذا القسم إلى 49 بيتًا. والخامس: الشعر المنسوب إلى الصابئ وليس من شعره (ووضعتُ فيه الشعر الذي نُسب إليه وأثبتُّ بالأدلة أنه – فيما أرى – ليس من شعره)، وبلغ الشعر في هذا القسم 12 بيتًا. ثم أنهيتُ هذا الباب بخاتمة سجلت فيها أهم نتائج البحث بأقسامه المختلفة."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة