شيراز من بعد الفتح الإسلامي وحتى العصر الإيلخاني دراسة حضارية من خلال المصادر الفارسية

عبد الله محمد عبد الله عين شمـس الآداب اللغات الشرقـية الدكتوراه 2006

ملخص الدراسة:

لاشك أن إقليم فارس من الأقاليم التي لعبت دوراً مهما في تاريخ إيران، وترجع تسميته إلى عهد الدولة البيشدادية ، إذ يقال انه أخذ اسمه من فارس بن طهومرث أحد ملوكها.

كما حظى هذا الإقليم – الذى يقع في الجنوب الغربي من إيران – بمكانة عظيمة في قلوب الإيرانيين ، حيث كان منبت أول إمبراطورية إيرانية قبل الميلاد على يد كورش الكبير.

وكانت مملكة فارسي قديما ، تمتد من نهر جيحون حتى حوض نهر دجلة والفرات، كما يذكر ذلك صاحب كتاب شيراز نامه ، ثم قصرت دلالتها على الولاية الجنوبية الغربية .

ومما يدلل على أهمية هذا الإقليم انه تم إطلاق اسمه على جميع أراضي إيران ، بحيث عرفت طوال عصورها التاريخية باسم بلاد فارس حتى عهد الدولة البهلوية ، فأصدر الشاه رضا بهلوى قراراً بإطلاق اسم إيران على بلاد فارس ، نسبة إلى الجنس الأرى الذى سكن هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وإن ظلت اللغة مقترنة باسم هذا الإقليم إلى وقتنا هذا ، حيث تسمى باللغة الفارسية.

وقد شهد هذا الإقليم العديد من الأحداث ، فمنذ عهد الإسلام الأول وأنظار المسلمين تتطلع إلى السيطرة عليه ، وكان فى عهد عمر بن الخطاب (رضى) أول دخول لجيوش الإسلام هذا الإقليم ، وفى عهد الدولة الأموية تولى حكم العراق الحجاج بن يوسف الثقفى ، ويبعث هو الآخر ابن عمه محمد بن يوسف الثقفى لحكم بلاد فارس ، والذى قام بتشييد مدينة شيراز 74 هـ = 693م .

ويأتى بعد ذلك عهد الدويلات المستقلة فى إيران ، وفى عهد الدولة الصفارية وخاصة فى عهد عمرو بن الليث الصفارى الذى حكم بلاد فارس وشيد بها مسجده الشهير – فى كل كتب التاريخ التى كتبت عن فارس – باسم الجامع العتيق .

وتنتقل شيراز بعد ذلك إلى حكم الديالمة ، وفى عهدهم ذاع صيت هذه المدينة ، وأصبحت مركزا من المراكز الحضارية والعلمية الهامة ، خاصة فى عهد عضد الدولة ثانى حكام هذا الإقليم من آل بويه ، حيث كثر فى عهده التشييد والبناء مثل سوق ( فنا خسرو) الذى بناه خارج مدينة شيراز بعدما ازدحمت بالناس الذين وفدوا إليها لما سمعوه عن رفاهية هذا الإقليم ، وما آل إليه حاله من ازدهار ورقى وكذلك كان قد شيد قصرا يقال أنه بلغ 360حجرة – كما يخبرنا عنه المقدسى فى كتابة "" أحسن التقاسم"" – وكان يقضى كل يوم فى حجرة غير الأخرى ، وكذلك مما شيده مكتبته التى بناها ، وكانت تحتوى على كتب فى شتى أنواع العلوم ، كما شيد أيضا دار الشفاء وكان يعمل بها عشرون طبيبا ماهراً ولم تكن مجرد دارا للعلاج وإنما كانت أيضا تعد جامعة لتدريس علوم الطب.

وفى عهد هذا الأمير كانت شيراز دار علوم وأدب ، فقد كان عضد الدولة نفسه من محبى مجالس العلم والعلماء ، حتى أنه كان تلميذاً للعالم أبو على الفارسى أستاذ النحو ، وقد كان بلاطة مجمع ومحفل العلماء والمحدثين ، والفقهاء والمتكلمين ، والمفسرين ، والشعراء ، وكتاب التاريخ ، والأطباء وكان يربط لهم مرتبات شهرية.

وقد كتب باسم هذا الأمير الكثير من الكتب منها كتاب (الإيضاح) فى النحو لأبى على الفارسى ، وكتاب ( كامل الصناعة الطبية المعروف بالطب الملكى) وكان باللغة العربية ، وهو من تأليف على بن العباس المجوسى الأهوازى وهو أحد تلاميذ الرازى. وأيضا مما يدل على ازدهار شيراز فى عصره أن المتنبى الشاعر العربى المشهور كان ضيفا عليه فى بلاطه ومدحه بقصائد من شعره.

وأيضا كان لبعض وزراء تلك الدولة بدورا بارزاً فى الحياة العلمية شيراز

مثل معز الدولة أبو محمد المهلبى ، الذى كان يقرض الشعر بالعربية ، والفارسية ، وكان له مجلس علم يحضره الكثير من العلماء مثل أبو الفرج الأصفهانى مؤلف كتاب الأغانى.

وأيضا ممن عاشوا فى كنف هذه الدولة أبو حيان التوحيدى ، والذى كان نديم ومستشار ابن سعدان الوزير فى عهد صمصام الدولة سنة 373 هـ .

وقد ذخر عصر هذه الدولة أيضا بالكثير من أهل التصوف ، مثل الصوفى المعروف أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازى و أبو بكر الباقلان وأبو بكر البيضاوى وغيرهم الكثير.

ثم انتاب شيراز الضعف نتيجة للخلافات التى حلت بأفراد البيت الديلمى لينتقل الأمر بعد ذلك للسلاجقة الذين سيطروا على المدينة سنة 458 هـ وأصبح يتداول حكم شيراز نواب عن السلاجفة ، وقد تعاقب على حكم شيراز ستة حكام هم فضلوية شبانكارة ، وركن الدين خمارتكين ، والأتابك جاولى، والأتابك قراچة والأتابك منكوبرس ، والأتابك بزابه ، والأتابيكايت هو نظام ابتدعه السلاجقة ، حيث كان السلطان السلجوقى يقوم بإقطاع إمارة لأحد خواصه المقربين وقد كانت هذه الأتابكيات تتقوى وتتوسع بسبب المنازعات التى كانت تدور بين سلاطين السلاجقة وقد نشأت فى إيران عدة أتابكيات منها أتابكة فارس ، وهم سلسلة من الأمراء الأتراك الأصل ، وقد عرفوا أيضا باسم الدولة السلغورية نسبة إلى سلغر بن مودود، مؤسس تلك الأسرة وقد كان أمراء تلك الدولة يتبعون السلاجقة فى بداية أمرهم ، ثم دخلوا فى طاعة الدولة الخوارزمية ، ثم بعد حملة المغول دخلوا فى تبعيتهم ، واستطاعوا بحسن التدبير أن يصونوا إقليم فارس وعاصمته شيراز من التدمير ، وقد كان عدد ملوك هذه الدولة حوالى عشرة ملوك أولهم كان سلغر بن مودود 543- 805هـ ، الذى استطاع التغلب على السلطان السلجوقى محمد بن محمود، والاستيلاء على شيراز وإعلان قيام الدولة.

قد لعبت الدولة السلغورية دروا هاما فى حياة تلك المدينة وكان عصرها من أزهى العصور التى مرت به حيث كانت الملجأ والملاذ لكثير من العلماء والأدباء خاصة فى عهد سعد بن زنكى وابنه أبو بكر ، حيث أصبحت هذه المدينة مركزا من المراكز الحضارية التى حفظت تراث إيران خلال الغزو المغولى .

وتزينت أيضا بكثير من مظاهر الحضارة فقد أنشأ سعد بن زنكى الجامع الجديد والمشهور ( بجامع نو) ويقال عنه انه لم يكن فى بلاد فارس والعراق مسجد أوسع منه ، وشيد رباط يسمى رباط شهر الله ، وأوقف عله القرى والمزارع والبساتين كما يذكر صاحب كتاب تاريخ وصاف ، وكذلك أنشأ سوراً يحيط بشيراز.

وأما من الناحية العلمية فقد كان وزيره أبو النصر أسعد ممن يحبون العلم والعلماء ، حتى أنه أنشأ مدرسة بالقرب من المسجد العتيق ، وكان سعد من المحبين لرجال الدين فكان يحضر مجلس الصوفى الشهير روزبهان المتوفى سنة 606 هـ وكان يجله ويوقره.

ثم يأتى بعد ذلك عهد ابنه أبو بكر بن سعد الذى استمر على نهج السياسة التى اتبعها والده ، من حيث مداهنة المغول والدخول فى طاعتهم ، وقد اشتهر هذا الأمير باليقظة ، والحذر ، وحسن اختيار الناس ، وقد استطاع بسط سيطرته على فارس والبحرين والجزر الموجودة بالخليج الفارسى مثل قيس ، وكيش ويقول صاحب كتاب "" حبيب السير "" أن بعض بلاد الهند كانت تذكر اسمه فى الخطبة. أما من الناحية العلمية فى عصره ، فقد كان هذا الأمير محباً لرجال الدين وبالغ فى احترامهم فقد كان مصاحبا لوالده فى مجلس العالم الصوفى روزبهان.

وقد بلغ حبه لرجال الدين إلى حد كراهية العلوم الأخرى المنطقية والفلسفية ، وقد بنى كثيراً من الأربطة مثل رباطه فى أبرقوه ، ورباطه على طريق بند أمير ورباطه على طريق بغداد ، كما بنى دار الشفاء فى شيراز.

وقد كان وزرائه من المحبين للعلم والعلماء ، مثل الوزير مقرب الدين أبو المفاخر الذى بنى المدرسة المقربة فى سوق شيراز الكبير ، ونى بالجانب منها رباط متصل بالمسجد العتيق، وبنى دار الحديث ودار الشفاء والسقاية . وأيضا الوزير فخر الدين أبو بكر الذى بنى مسجداً جامعاً كبيراً ، وفى جواره قام ببناء مدرسة ودار شفاء ودار حديث وسبيلا.

وأيضا من أهم الأدباء والشعراء الذين أنجبتهم هذه الدولة ويعد من أفضل شعراء إيران هو الشاعر سعدى الشيرازى، واسمه مصلح الدين أبو محمد عبد الله ولكن تخلصه بسعدى نسبة إلى سعد بن زنكى أحد حكام الأتابكة ، مما يدل على قربه من هذه الأسرة ، وإقامته فى كنفها ، وهو صاحب البوستان والكلستان والغزليات الجميلة.

وقد تولى بعد أبو بكر عدة ملوك كان أخرهم أبش خاتون التى تزوجت من منكوتمور ابن هلاكو خان ، ليدخل إقليم فارسى بعد ذلك تحت إمرة ولاة من قبل الدولة الايلخانية.

ومن خلال ما سبق يمكن القول ، أن إقليم فارس وعاصمته شيراز منذ الفتح الإسلامى وحتى عهد الدولة الإيلخانية قد مر بعصور مختلفة ، ولعبت شيراز دوراً بارزاً فى تاريخ الحضارة الإيرانية. حيث شهدت أرضها مولد الكثير من العلماء ورجال الأدب والتصوف الذين كان لهم اليد الطولى فى الحضارة الإيرانية ، ولكن مع هذا يمكن القول إن أهم فترات ازدهارها كانت فى عهد دولتين هما الدولة البويهية وخاصة فى عهد عضد الدولة ، والدولة السلغورية وخاصة فى عهد سعد بن زنكى وابنه أبو بكر وما قاما به من دور فى حفظ إقليم فارس من التدمير المغولى وبالتالى حفظ تراث إيران.

ونظراً للدور الذى لعبته هذه الحقبة الزمنية فى التاريخ والحضارة الإيرانية ، فقد قمت بدراسة أحوال هذه المدينة منذ الفتح الإسلامى حتى عهد أتابكة فارس من الوجهة التاريخية والحضارية.

وينقسم البحث إلى أربعة مباحث جاء ترتبها على النحو التالى

1- المبحث الأول: دراسة حول جغرافيا مدينة شيراز الطبيعة والتاريخية وقد قسمت هذا المبحث على مطلبين

أ- المطلب الأول : دراسة حول الجغرافيا الطبيعية لمدينة شيراز وفيه تناولت الجغرافيا الطبيعية لشيراز من حيث الموقع الجغرافى والموقع الفلكى والمناخ ونوع التربة والطرق وغيرها من الظواهر الطبيعية

ب- المطلب الثانى : الجغرافيا التاريخية لمدينة شيراز وفيه تناولت الشكل الذى كانت عليه مدينة شيراز خلال القرون السبعة الإسلامية الأولى ، وتتبع شكلها فى كل قرن على حده ، وما يمكن أن يكون قد حدث لها من تطورات.

2- المبحث الثانى: مدينة شيراز منذ الفتح الإسلامى حتى العصر الديلمى .

وفيه تناولت الفتح الإسلامى لإقليم فارس والأحداث التى حدثت خلال القرون الأولى ثم سيطرة الدولة الصفارية على المدينة ، ثم حكم الدولة البويهة لمدينة شيراز حتى ينتهى أمر تلك الدولة على يد فضلوية شبانكاره.

المبحث الثالث : مدينة شيراز فى عصر أتابكة فارس

وفيه تناولت أحوال مدينة شيراز منذ بداية أمر فضلوية شبانكاره ثم نواب السلاجقة ، ثم تناولت بعد ذلك الأحداث التى أدت إلى سيطرة الأسرة السلغوية على مدينة شيراز، والأحداث التى مرت بها شيراز خلال فترة حكم تلك الأسرة ، وانتهاء أمرها بسيطرة المغول على المدينة.

المبحث الرابع: النواحى الحضارية فى إقليم فارس.

وقد قسمت هذا المبحث إلى مطلبين

المطلب الأول : النواحى الفكرية

وقد تناولت فى هذا المطلب النواحى الفكرية فى مدينة شيراز ، ومظاهر الرقى والتقدم الذى حظيت به خلال تلك الفترة ، وما مرت به الحياة الفكرية منذ الفتح الإسلامى ، وحتى عهد اتابكه فارس ، ومظاهر هذا التقدم من تشييد للمدارس وما ألف بها من كتب ، كما تناولت أحوال الأدباء والعلماء ورجال التصوف.

المطلب الثانى : العمارة والفنون

وقد تناولت فى هذا المطلب ، العمارة التى تم تشييدها خلال تلك الفترة وأنواع تلك العمارة ، من مدارس ومساجد ومستشفيات ، واربطه وغيرها من العمائر كما حاولت الوقوف على الفنون التى ظهرت خلال تلك الفترة

الخاتمة :

ثم ذيلت البحث بخاتمه ، سجلت فيها أهم النتائج التى توصلت إليها.

وقد اعتمدت فى إعداد هذا البحث على أهم المصادر والمراجع التى تناولت شيراز من الناحية الجغرافية والتاريخية ، والحضارية الفارسية بالإضافة إلى ما ذخرت به المكتبة العربية من مصادر ومراجع.

وقد اعتمدت عند تناولى للبحث على المنهج الوصفى التحليلى.

وأخيراً ، أرجو أن أكون قد وفقت فى بحثى هذا فى تعريف المكتبة العربية بمدينة شيراز - تلك المدينة العريقة من جوانبها المختلفة التى سبق أن أشرت إليها من خلال مصادرها الأصلية ، وأن يكون هذا البحث نواة الدراسين من بعدى فى هذا المجال

 

والله ولى التوفيق.


انشء في: ثلاثاء 15 أغسطس 2017 06:22
Category:
مشاركة عبر