تحديث عناصر البنية الروائية العربية

فاطمة الزهراء زيراوى, , عين شمس ,الآداب اللغة العربية وآدابها, دكتوراه 2005

لا أحد يجهل ما أثاره مصطلح الحداثة المراوغ والاستفزازي من جدال لم ينته إلى تحديد معين يضع حداً لكل الأسئلة المحيطة بهذا المفهوم الإشكالي. ومع ذلك ليس في وسعنا أن نلج عالم الرواية الحداثية دون أن نسلط الضوء على مفهوم الحداثة. وهناك صعوبة أخرى واجهتنا، في تحديد الحقبة الزمنية التي يمكننا أن نعدها منطلقاً للمرحلة الحداثية بالنسبة للرواية العربية والغربية على حد سواء. ولا مفر من التعرض للرواية الغربية؛ لأن التأثر بها في أغلب الحالات وارد؛ وهى كذلك تعانى من صعوبة التمييز بين ما هو حداثى وما هو بعد حداثى. وقد حاولت قدر المستطاع تسليط الضوء على هذه الإشكاليات، برغم ما واجهني في هذا من صعوبات، من قبيل تشعب الموضوع، وصعوبة الإحاطة به: فمن الحداثة العالمية، إلى الحداثة العربية، إلى الأدب والحداثة، فالرواية التي خصصنا لها باباً كاملاً على أساس أنها المجال الوحيد – في اعتقادنا – الذي تحققت فيه الحداثة بل ما بعد الحداثة، وذلك بعد قراءتنا وتتبعنا لكثير من الأعمال الروائية العربية والدراسات النقدية لها، لحرق الكتاب لمراحل، وهو ما قاله محمد بنيس لرامبو، بأن أربعين سنة كافية ليعيش هنا قرونا. والمقصود بهذا الكلام يؤكده نجيب محفوظ في حواره مع سيزا قاسم: "كانت كل الأساليب أمامنا في وقت واحد، فعندما نشرع في الكتابة، قد نستفيد من أي من الطرق التي عرفناها، ودخلت في آلية المشي عندنا بدون وعى، فعندما أكتب قد أستفيد من الواقع التقليدي ومن الواقع الحديث، من تيار الوعي، من ... من ... لأنني قرأت كل هذا في فترة واحدة، بمعنى أن التجارب التي عاشتها أوربا في مائتي سنة وثلاثمائة سنة اطلعت عليها أنا في عشر سنوات، وبهذه الطريقة استفدت من أكثر من أسلوب روائي، ومن كل لحظة أي في اللحظة المناسبة، فقد تلاحظين مثلاً أنك تجدين في الثلاثية لحظات سريالية…" مراحل عدة قطعها المبدعون العرب ليلتحقوا بالركب، وليمارسوا تجاربهم الخاصة والمتنوعة، مستفيدين من حرية التحليق عبر فنون كثيرة، وعبر التراث العالمي والعربي، متأثرين بتجارب غيرهم، وهو ما اضطرني إلى الدخول في متاهات كثيرة كان لابد منها: كالحداثة وما بعد الحداثة الغربيتين، والرواية الغربية الحداثية على وجه الخصوص، التي لها الحضور المستمر لدينا، شئنا أم أبينا، وإن كان للكتاب العرب تجاربهم الخاصة والجريئة، ومع ذلك فمن لم يتأثر منهم بـ "فولكنر" أو "بروست" أو "كافكا" أو "فلوبير" أو "قريى" إلى آخره؟ وعلى هذا الأساس قسمنا البحث إلى بابين: الباب الأول نظري؛ وقد جاء في ثلاثة فصول: الفصل الأول خصصناه لتحديد مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة والفصل الثاني أفردناه للحداثة الغربية. وتناولنا في الفصل الثالث الحداثة والرواية العربية. أما الباب الثاني فهو تطبيقي؛ وهو ينقسم كذلك إلى ثلاثة فصول. في الفصل الأول تناولنا تحديث عناصر البنية الروائية، بعد أن مهدنا له بالحديث عن فعل التحديث. ثم دخلنا في الفصل الثاني إلى تجليات الحداثة في الفضاء الروائي، وقد اخترنا رواية "السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا، و"تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، و"فساد الأمكنة" لصبري موسى، مادة للدراسة، محاولين رصد الأمكنة في هذه الروايات التي وقع اختيارنا عليها على أساس أنها نماذج لفضاءات تحمل دلالات متكررة وحاضرة في أغلب الأعمال الروائية الحديثة، حيث أنها تجسد إلى جانب التجريب، الهروب والتنقل والارتحال (السفينة)، كما تجسد السجن المادي والمعنوي والشعور بالإحباط والضياع (تلك الرائحة)، كما وجدنا فيها رمزاً للقهر والحصار النفسي (قدر الغرف المقبضة) ورصدنا فيها المكان / الأسطورة والزمكانية (فساد الأمكنة). وفى الفصل الثالث درسنا تجليات الحداثة في الزمن الروائي وتناولنا فيه – بعد المدخل النظري – الزمان الروائي في "الجازية والدرويش" لعبد الحميد بن هدوقة، التي تمثل كثيراًَ من النماذج الروائية الحداثية التي رصدنا فيها تلك العلاقة الضمنية بين الزمان والمكان وذوبانهما في زمكانية متجسدة بوضوح، أي في عملية التحامية بين المكان والزمان في كرونوتوب روائي أو "زمكان". وتناولنا "الزيتي بركات" لجمال الغيطاني لتمثيله لأولئك الروائيين الذين استلهموا التراث بهدف تأصيل الفن الروائي – أي كما عبر عن ذلك الغيطانى نفسه-: "خلق أشياء فنية جديدة متفردة، تعبر عن واقعنا بقوة، وتمدنا بأدوات فنية لصياغة هذا الزمن المولى، ولحفظ جوهره من الفناء كما وقع اختياري على رواية "أبو جهل الدهاس" لعمر بن سالم، التي تعد نموذجاً لحداثة اللغة والراوي. ودرسنا رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر، لاستفزازيتها، مثلها مثل الكثير من الروايات الجديدة في أطرها السياسية والاجتماعية والثقافية، ولممارستها لعباً فنية كالاسترجاع (الفلاش باك) لتغطية الماضي الباهر للشخصيات، وكلعبة المونتاج السينمائي الذي يسرد عملية التخييل في علاقته بالتاريخ من خلال الترتيب والتفكيك للمشاهد والتقديم للأحداث. وقد درسنا بالنسبة للتناص: توظيف التراث لدى إبراهيم الكوني، في روايته "عشب الليل"، ولدى سلوى بكر، في روايتها "البشمورى"، ثم توظيف الكتاب لوسائل الفنون الأخرى، كالكلاج والمونتاج، وطبقنا على رواية "بيروت بيروت" لصنع الله إبراهيم، وكذلك البوليفونية لدى رشيد بوجدرة في روايته "التفكك".

في النهاية أوردنا النتائج التي هي خلاصة لبحثنا وقراءاتنا المتعددة لمصادر ومراجع أغلبها من الأهمية بمكان


 


انشء في: خميس 19 فبراير 2015 14:21
Category:
مشاركة عبر