"التاريخ والموروث الشعبي في روايات زورا نيل هرستون"

عزه عبد الحفيظ عبد العال مازن عين شمس الآداب اللغة الإنجليزية دكتوراة 2001

  "رغم كونها واحدة من أبرز الكاتبات السود الأمريكيات في فترة العشرينات والثلاثينات لم تحظ هرستون باهتمام النقاد في عصرها، فقد غابت أعمالها عن معظم الدراسات النقدية التي تناولت فترة نهضة الهارلم في أمريكا، ولم يفهمها معاصروها. ولكن مع اهتمام الكاتبات المعاصرات من السود الأمريكيات بإرساء تقاليد أدبية تقوم على فهم تراث الأجداد واستيعاب قيمه الجمالية، وبفضل بعض من النقاد المعاصرين المتميزين ظهر الاهتمام بأعمال زورا نيل هرستون، واعتبرها النقاد المعاصرون واحدة من أبرز رموز الحركة الأدبية في العشرينات والثلاثينات. يرجع تميز هرستون ككاتبة سوداء إلى قدرتها على الاحتفاظ بالموروث الشعبي للسود في أعمالها الروائية وغير الروائية. فقد استمدت معايرها الأدبية الجمالية من ثقافة السود وتراثهم الشعبي، وأساليبهم في الحكي والسرد. وبذلك ساهمت هرستون في القضاء على الرؤية الأحادية للأدب من حيث الفهم والإبداع. اعتمدت هرستون في أعمالها الروائية على جماليات الثقافة المجتمعية للسود وعلى منظومتهم الأخلاقية والعقائدية الشعبية.

ولدت هرستون في بلدة ""ايتنوفيل"" في أعماق الجنوب الأمريكي، وهي بلدة سكانها جميعاً من السود. من هنا ترسخت في أعماقها جذور الثقافة الشعبية السوداء واتحدت في نفسها مع موهبة متميزة في الحكي. جاء الاحتفاء بهذا الموروث الشعبي في جوهر أعمالها الأدبية: ""يونس وكرمة العنب"" (1934) ، ""عيونهم ترقب السماء""

(1937) ، ""موسى: رجل فوق الجبل"" (1939) ليشكل مشروعاً أدبياً ومجالاً للفخر والاعتزاز.  لم يغب أثر هذا التراث حتى عن روايتها الأخيرة ""ملاك فوق نهر سواني"" (1948) والتي اتخذت أبطالها من البيض في الجنوب.

اتجهت هرستون في نهاية العشرينات إلى دراسة الأنثروبولوجي وأثمرت رحلاتها البحثية عن كتابين متميزين في هذا المجال: ""بغال ورجال"" (1935) و ""قل لحصاني"" (1935). كرست هرستون حياتها لإثبات قيمة ثقافة السود وثراء موروثهم الشعبي، بل وتميز هذه الثقافة وتفوقها.

التحم التاريخ مع الموروث الشعبي في أعمال هرستون ليكونا معاً جانبين لاستراتيجية واحدة تسعى لمواجهة الماضي من أجل العمل لمستقبل أفضل. بوعي عميق لتاريخ السود كأحد مكونات موروثهم الشعبي استخدمت هرستون التاريخ كوسيلة لمواجهة الماضي واستشراف المستقبل. أدى هذا الوعي الخاص بالتاريخ إلى مفهوم خاص للقيم المجتمعية للسود فاعتبرت ذكرياتها الخاصة جزءاً من التاريخ المجتمعي للسود في الجنوب الأمريكي. جاءت أحداث من سيرتها الذاتية لتمثل مكوناً أساسياً في سياق أعمالها الروائية، حيث التقت مؤثرات من حياتها الخاصة بأحداث تاريخية هامة كان لها تأثير كبير على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسود في أمريكا.

كانت تجربة العبودية من أهم الأحداث التاريخية التي ألقت بظلالها على حياة السود. في كتاباتها غير الأدبية أعلنت هرستون موقفها الرافض لأولئك الكتاب الذين يتخذون من مشكلة العرقية محوراً أساسياً لأعمالهم الأدبية، ومن ثم كان رفضها لتيار أدب الاحتجاج الاجتماعي الذي ساد روايات السود في الثلاثينات والأربعينات. فلم ترض هرستون عن المفهوم السائد في ذلك الوقت الذي يحتم على الكتاب السود ضرورة تكريس فنهم لعرض مظاهر معاناة السود من اضطهاد البيض في زمن العبودية. ومع ذلك لم تهمل هرستون أثر تجربة العبودية على التكوين النفسي والفكري للسود وتأثيرها على علاقاتهم بعضهم ببعض وبالعالم الخارجي. أدركت هرستون تمام الإدراك أن تجربة العبودية جزء لا يتجزأ من الموروث الثقافي الجمعي للسود. فتناولت في أعمالها الأدبية أثر هذه التجربة على تشكيل وعي أبطال رواياتها وعلاقاتهم الاجتماعية ومدى تأثيرها في تكوين صورتهم الخاصة عن أنفسهم وعن العالم من حولهم. لم تغفل هرستون ما خلفته هذه التجربة في نفوس السود من إحساس بالدونية حال دون تحررهم النفسي وعرقل انطلاق مواهبهم الإبداعية. ولكن جاء تناولها لهذه التجربة مختلفاً عن تناول تيار الرفض السائد في الثلاثينات والأربعينات. فلم تفدم هرستون هذه التجربة في سياق الاعتراض والشكوى، وإنما لمواجهة الماضي والتحرر من سلبياته من أجل بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة. من هنا كانت رسالة هرستون أن قوة التحرر الكبرى للسود تكمن في ثقافتهم الغنية. فبوعيهم بثراء هذه الثقافة يمكنهم التحرر من عقدة الدونية التي زرعها البيض فيهم، ومواجهة مضطهديهم من منطلق ثقافة مساوية لهم بل ومتفوقة عليهم.

انطلاقاً من مفهومها لمشكلة العرقية تناولت هرستون تاريخ السود في أعمالها تناولاً خاصاً. فقد تناولت أحداثاً تاريخية هامة مؤكدة على دور الأمريكان الأفارقة في تاريخ الولايات المتحدة وبنائها الاقتصادي. من أهم هذه الأحداث الهجرة الكبرى للسود من الجنوب الأمريكي الزراعي ونزوحهم نحو الشمال الصناعي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما أسفر عنه ذلك من تغيير في البناء الاقتصادي الأمريكي.

توحد مفهوم هرستون الخاص للتاريخ مع مفهومها للموروث الشعبي للسود. فلم تر فيه كياناً جامداً من الماضي بل استمرارية حضارية تمتد بأثارها في الواقع المعاش. استعرضت هرستون في أعمالها جماليات ثقافة السود مؤكدة تأثيرها الكبير على مدى إيمان السود بقدراتهم الذاتية وتحررهم من عقدة الدونية. استخدمت هرستون أيضاً، كوسيلة للنقد السياسي والاجتماعي، الأساليب المختلفة التي لجأ إليها السود في ظل هذه الثقافة للتعبير عن آرائهم في زمن العبودية والسخرية المستترة من مضطهديهم البيض. ومن ذلك منهج الحكاية الشعبية التي يعبر السود من خلالها عن رغباتهم الدفينة وآرائهم مستخدمين في ذلك أشكال رمزية من الحيوانات. ومن ذلك أيضاً أسلوب القناع الضاحك حيث لجأ السود إلى الحكايات الضاحكة للتغلب على معاناتهم وتحقيق رغبتهم الدفينة في السخرية من الرجل الأبيض بأسلوب لا يفهمه البيض.

انطلاقاً من علاقتها المباشرة بالسياق الأصلي لموروث الثقافة الشعبية للسود ومن ثم التحامها الأصيل بمكونات هذه الثقافة، استطاعت هرستون بنجاح وبراعة أن تستمد معايير الجماليات الأدبية في أعمالها من تاريخ السود وجماليات موروثهم الشعبي. وبذلك أرست هرستون الأساس لجيل من الكاتبات السود المعاصرات يسعين لبناء تفاليد أدبية خاصة تستمد أصولها من وعي عميق بتاريخ السود وموروثهم الثقافي وجمالياته المجتمعية."


انشء في: اثنين 12 نوفمبر 2012 13:58
Category:
مشاركة عبر