"الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية في إطار منظمة التجارة العالمية"

حميد محمد علي الَّلهبي عين شمس حقوق القانون الدولي دكتوراه 2008 715

بالكلية"     "لا خلاف على أن حماية الإنتاج الفكري برمته مسألة فيها تقديس للعقل البشري وحفاظ على المصالح الناجمة عن ذلك الإنتاج وتحقيق للتنمية الاقتصادية والبشرية برمتها, وقد كانت حماية الملكية الفكرية ولا زالت من الأمور التي شغلت بال الكثيرين في الماضي وفي الوقت الحاضر وستضل كذلك في المستقبل على اعتبار أن حماية الملكية الفكرية مسالة إنسانية في المقام الأول لارتباطها بالعقل البشري قبل أن يكون لها ارتباط تجاري واقتصادي.

وبسبب كثرة وتنوع الإنتاج الفكري فقد استقر الأمر على تقسيم الملكية الفكرية إلى قسمين رئيسيين, قسم يحتوي على الأعمال والمصنفات الفكرية الأدبية والفنية( حقوق المؤلف وحقوق فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة(الحقوق المجاورة), والقسم الآخر يشتمل على الملكية الفكرية الصناعية(العلامات والأسماء التجارية والمؤشرات الجغرافية والتصميمات والنماذج الصناعية وبراءات الاختراع والتصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة والمعلومات السرية وقمع المنافسة غير المشروعة) وعقدت على هذا الأساس أول اتفاقية دولية بشأن الملكية الفكرية الصناعية هي: اتفاقية(باريس)لعام 1883م لحماية الملكية الصناعية, تلتها بعد ذلك أول اتفاقية دولية أيضا بشأن الملكية الفكرية الأدبية والفنية هي اتفاقية(برن)لحماية المصنفات الأدبية والفنية لعام 1886م, ثم تلتهما العديد من الاتفاقيات الدولية بشأن الملكية الفكرية, توجت بإنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية(ويبوWIPO)لتتولى هذه المنظمة مهمة إدارة هاتين الاتفاقيتين والاتفاقيات الأخرى المتعلقة بالملكية الفكرية والإشراف على تنفيذها؛ غير أن هاتين الاتفاقيتين وغيرهما من الاتفاقيات ذات العلاقة لم تكن- حسب تقديرات الدول المتقدمة والشركات الكبرى الدائرة في فلكها- كافية لتوفير الحماية اللازمة لحقوق الملكية الفكرية؛ حيث استمرت الانتهاكات لهذه الحقوق وتزايدت معها خسائر الشركات المنتجة للسلع والشركات التي تقدم الخدمات في مجال الملكية الفكرية خاصة في فترة الثمانينيات التي كانت تجري خلالها مفاوضات تحرير التجارية الدولية في إطار اتفاقية جات47م, وكانت الخلافات محتدمة بين الدول النامية والدول المتقدمة حول العديد من المواضيع المتعلقة بمسألة تحرير التجارة, وفي هذه الأثناء عملت الشركات الدولية الكبرى على أن يكون لها موطئ قدم في تلك المفاوضات واستطاعت أن تجعل من حقوق الملكية الفكرية موضوعا تجاريا عالميا هاما وأدخلته ضمن المفاوضات التجارية الدولية متعددة الأطراف التي كانت تجري في تلك الفترة, وكان الداعم الرئيس لتلك الشركات هي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

 

ولقد نجحت الدول المتقدمة ومعها الشركات العالمية الكبرى خلال المفاوضات التجارية عديدة الأطراف التي كانت تجري في إطار جات47م(خاصة في جولة أوروجوايUruguay Round)وحتى التوقيع على اتفاقيات جات94م في فرض رؤيتها الخاصة بتحديد ما يمكن اعتباره في عداد حقوق الملكية الفكرية وما لا يكون كذلك, وفي فرض شكل ومضمون النظام القانوني الذي يكفل حماية تلك الحقوق على المستوى الوطني والدولي وتم صياغة ذلك النظام في قانون دولي جديد خاص بالملكية الفكرية تمثل في: اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية(تريبسTRIPs )وفي إطار منظمة عالمية جديدة ومتخصصة هي منظمة التجارة العالمية(WTO) .

وباعتبار أن اتفاقية(التريبس) أصبحت تمثل القانون الدولي للملكية الفكرية قد وسعت من مفهوم حقوق الملكية الفكرية القابلة للحماية كما بينا في القسم الأول من الدراسة وذلك بإدخالها عددا من الموضوعات التي لم تكن من قبل في عداد مصنفات وأعمال الملكية الفكرية مثل: برامج الحاسب الآلي, والمعلومات السرية, والرقابة على الممارسات غير التنافسية في التراخيص التعاقدية, وكلها أمور تمثل أهمية تجارية واقتصادية كبيرة, كما وسعت أيضا نطاق ومستوى النظام القانوني الخاص بحماية حقوق الملكية الفكرية كما بيناه في القسم الثاني من الدارسة, فوضعت قواعد قانونية مشددة وملزمة على المستوى الدولي وألزمت الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بالأخذ بها ومرعاتها في تشريعاتها القانونية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية, وحددت إجراءات عامة وتفصيلية دقيقة ووسائل حماية متعددة ومتنوعة تتبعها الدول الأعضاء عند إنفاذها لنظام حماية حقوق الملكية الفكرية, كان أبرز هذه الإجراءات والوسائل هي: الحماية المدنية, والحماية القضائية, والحماية الجنائية, والحماية الحدودية التي تتخذها السلطات المختصة(الجمركية)في الدولة المعنية.

وتهدف اتفاقية(التريبس)من وراء تلك الإجراءات الحمائية الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية إلى تحقيق جانبين حمائيين هامين, الأول: وقائي, والثاني: عقابي, فأما الجانب الأول الوقائي, فتمثل في إلزام الدول الأعضاء بسن التشريعات القانونية الخاصة بحماية كافة حقوق الملكية الفكرية وبما يتوافق مع الاتفاقية, وذلك لمنع- أو على الأقل للحد من- الانتهاكات التي تتعرض لها تلك الحقوق قبل وقوعها. وأما الجانب الآخر العقابي, فيتمثل في ضرورة ملاحقة المنتهكين والمتعدين على حقوق الملكية الفكرية عن طريق توفير إجراءات تُتخذ بعد ثبوت عملية الانتهاك أو التعدي على الحق الفكري المحمي عن طريق فرض بعض العقوبات المدنية كمصادرة أو إتلاف السلع المتعدية والأدوات التي استخدمت في إنتاجها وفرض الغرامات المالية, كما تضمن هذا الجانب أيضا إجراءات جديدة أكثر صرامة, تمثلت في إمكان فرض بعض العقوبات الجنائية كعقوبة الحبس التي توقع على الشخص المتعدي على الحق الفكري, وهي سابقة لم تعهدها اتفاقيات الملكية الفكرية الدولية المبرمة قبل اتفاقية(التريبس). ثم إن اتفاقية(التريبس)وهي تعزز من حماية حقوق الملكية الفكرية قد وضعت قواعد قانونية محددة تمثل الحد الأدنى للحماية وأوجبت على الدول الأعضاء عدم إنقاص الحماية التي تقررها أو ستقررها تشريعاتها الخاصة بالملكية الفكرية عن ذلك الحد الأدنى, إلا أنها في الوقت ذاته  تحث تلك الدول وتشجعها على أن تقرر مستوى حماية أعلى من المستوى الذي نصت عليه الاتفاقية.

ومما يميز اتفاقية(التريبس)عن مثيلاتها من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات العلاقة بالملكية الفكرية, وكجزء هام من حماية الملكية الفكرية التي توفرها الاتفاقية, هو أنها اشتملت على إجراءات وقواعد قانونية لتسوية المنازعات المتعلقة بالملكية الفكرية وأحالت إلى تطبيق قواعد وأحكام اتفاق تسوية المنازعات في إطار منظمة التجارة العالمية.

وبداهة, فإن دراسة موضوع الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية في إطار منظمة التجارة العالمية يقتضي منا دراسة اتفاقية(التريبس)دراسة مستفيضة, بالإضافة إلى دراسة العديد من الاتفاقيات الدولية الأخرى ذات العلاقة التي نصت اتفاقية(التريبس)على تطبيق بعضا من أحكامها, مثل: اتفاقية(برن)لحماية المصنفات الأدبية والفنية واتفاقية(باريس)لحماية الملكية الصناعية واتفاقية(روما)لحماية فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة, بالإضافة إلى دراسة بعض الأحكام التي تناولتها بعض الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف التي تديرها منظمة التجارة العالمية والمتعلقة بموضوع الدراسة, مثل اتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية, واتفاق تسوية المنازعاتDSU.

 وعلى ذلك فقد قسمت الدراسة إلى قسمين رئيسيين, مسترشدا بأسلوب التقسيم الذي سارت عليه اتفاقية(التريبس), فخصصت القسم الأول والأكبر من الدراسة لبيان وتعداد المصنفات والأعمال الفكرية القابلة للحماية القانونية في ظل ما تضمنته اتفاقية(التريبس)من أحكام وما تضمنته الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف التابعة لمنظمة التجارة العالمية(WTO)وما تضمنته أيضا الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية الأدبية والملكية الصناعية التي أحالت إليها إتفاقية(التريبس)لتطبيق بعضا من أحكامها, مقسما هذا القسم إلى بابين اثنين, أتناول في الباب الأول المصنفات والأعمال الأدبية والفنية والعلمية.. وفي الباب الثاني الأعمال الفكرية الصناعية(الملكية الصناعية).

 

أما الجانب الموضوعي أو ما يتعلق بإنفاذ حقوق الملكية الفكرية الذي تضمنه الجزء الثالث من الاتفاقية, ومسألة الوقوف على النظام القانوني والقضائي الذي من الفترض أنه سيكفل التطبيق الفعلي للقواعد القانونية التي أرستها اتفاقية(التريبس)لحماية حقوق الملكية الفكرية بما يكفل حماية تلك الحقوق ويحقق العدالة للأطراف عند تسوية المنازعات بأقل تكلفة وأقصر مدة, فإن هذا الجانب هو ما سأفرد له القسم الثاني من الدراسة وكما فعلت اتفاقية(التريبس), مقسما هذا القسم أيضا إلى بابين اثنين, أخصص الباب الأول للحديث عن نطاق ومعايير الحماية القانونية المقررة لحقوق الملكية الفكرية ووسائل حماية هذه الحقوق, وأخصص الباب الثاني للحديث عن موضوع منع المنازعات وتسويتها.

أما الجزء الأول من الاتفاقية "" الأحكام العامة والمبادئ الأساسية"" فقد تناولت أغلب أحكامه بشكل مفصل ومختصر في مقدمة الدراسة, باعتباره المدخل الأساس لفهم اتفاقية(التريبس)والذي يحدد معالمها من حيث, أهدافها, والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها, والالتزامات على عاتق الدول الأعضاء. معتمدا في كل ذلك وبشكل أساسي على أسلوب أو منهج الدراسة التحليلية.

كما أنني لاحظت أن اتفاقية(التريبس)قد جاءت تحت مسمى جديد هو:"" اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية"" أي أن الاتفاقية تعتبر حقوق الملكية الفكرية نوعا من التجارة, وهي تسمية لها مدلولها ومفهومها؛ حيث لم تعد الملكية الفكرية مرتبطة فقط بالفكر والإبداع؛ بل أصبح لها ارتباط بالتجارة والاقتصاد المحلي والدولي!. وهو ما لفت انتباهي إلى ضرورة تخصيص جزء من هذه الدراسة لهذا الغرض, فأفردت فصلا تمهيديا بعنوان ""حماية الملكية الفكرية وعلاقتها ببعض المفاهيم المعاصرة"" وذلك لإعطاء لمحة عن هذا المفهوم التجاري الاقتصادي الجديد الذي كان وراء ظهور اتفاقية(التريبس)وإنشاء منظمة دولية لهذا الغرض هي منظمة التجارة العالمية, نتحدث في هذا الفصل عن حماية الملكية الفكرية وهل هي حماية نابعة من ضرورات إنسانية أم استجابة لمفاهيم التجارة والاقتصاد والعولمة, ونتحدث عن أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية والجهود المبذولة لتوفير تلك الحماية, كما نتحدث عن المفهوم التجاري والاقتصادي لحقوق الملكية الفكرية في بعض الاتفاقيات الدولية للملكية الفكرية, بالتحديد في اتفاقيتي(برن)و(التريبس)."


انشء في: أربعاء 2 يناير 2013 14:01
Category:
مشاركة عبر