المعالجة التشكيلية للخيال والخيال العلمي في التليفزيون

محمد كمال الدين محمد فهيم الأسكندرية الفنون الجميلة الديكور الماجستير 2007 240

  "ارتبط الخيال- بشقية الجامح والعلمي – و منذ قديم الأزل بقدرة الإنسان على تنمية قدراته الذاتية ، وتسخير الطبيعة لخدمته ، فكان الخيال المحرك والباعث للثورات العلمية على مر العصور .  وتكمن أهمية الخيال في أنه يجعل الفرد مبدعا في تفكيره ، حيث ينمي لديه القدرة على التصور لما ستكون عليه الأشياء والأحداث في المستقبل وكيفية الاستعداد لمواجهتها، وبالتالي يمكن القول بأن تنمية الخيال مدخل ضروري لتنمية الإبداع .

     ولقد أدركت الدول المتقدمة أهمية الخيال العلمي في إعداد وتنشئة جيل من العلماء والمبدعين، فقامت بإدراجه في مناهج التعليم المختلفة، وافتتاح أقسام دراسية بالجامعات في تخصص أدب الخيال العلمي، وأكدت على أن دراسة الخيال العلمي جزء لا يتجزأ من استراتيجيات المستقبل. وقد أشار إلى ذلك كاتب المستقبليات الأمريكي ألفين توفلر Alvin Toffler في كتابه ""صدمة المستقبل"" Future Shock بقوله "" قراءة الخيال العلمي أمر لازم للمستقبل"" ، كما أشار لذلك كاتب الخيال العلمي البريطاني الشهير آرثر سي كلارك Arthur C. Clark في كتابه « لقطات من المستقبل » Profiles of the Future بقوله: ""القراءة النقدية لأدب الخيال العلمي هي بمثابة تدريب أساسي لمن يتطلع إلى الأمام أكثر من عشر سنوات "".

     وقد أصبح الخيال العلمي علما يدرس في العديد من جامعات الدول المتقدمة، وتستفيد منه المؤسسات والهيئات البحثية والتعليمية ’ فعلى سبيل المثال تهتم وكالة الفضاء الأمريكية ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية إيسا ’ ووكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة داربا التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية وغيرها، بالبحث والتنقيب في أعمال الخيال العلمي والتوصل للعديد من التقنيات والأفكار العلمية ،التي تساعدها في إعداد وتنفيذ العديد من المشروعات والابتكارات العلمية

    ويمكن القول بأننا نعيش في عصر الخيال العلمي، ففي العصر الحالي توشك الحدود الفاصلة بين العلم والخيال أن تتلاشى بعد أن حققت معظم تنبؤات الخيال العلمي وتحولت لواقع ملموس، كما أن هناك اليوم سباقا هائلا بين العلماء وكتاب الخيال العلمي، حول أفكار وإنجازات المستقبل في شتى المجالات، لدرجة أن وقائع الثورة العلمية والتكنولوجية السريعة والمذهلة قد تجاوزت الكثير مما كان يعد خيالا علميا. وقد لعب الخيال العلمي وما زال دورا كبيرا في الوصول إلى الاكتشافات والاختراعات العلمية ، فلو نظرنا إلى الكثير من الإنجازات العلمية التي تحققت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحالي، بدءا من السفر للفضاء ونهاية بالعلاج الجيني والاستنساخ، لوجدنا أن كل هذه الحقائق والإنجازات العلمية سبق التنبؤ بها في كتابات الخيال العلمي منذ أواخر القرن التاسع عشر .

    وعلى الرغم من الأهمية التي يوليها الغرب للخيال العلمي، إلا أن عالمنا العربي لم يشهد اهتماما مماثلا أو حتى متناسبا مع تلك الأهمية، ولعل أخطر الثغرات التي تعاني منها نظم التعليم العربية تكمن في عدم إعطاء الخيال والإبداع حقيهما من الاهتمام، مما يؤدي إلى إغفال تنشيط قدرات النشء الإبداعية، فما زلنا ننظر بحساسية واستغراب لهذا النوع من الإبداع، وبالتالي تحجم الكثير من مؤسسات الثقافة التعامل مع تلك النوعية من الفنون لعدم إدراكها لأهميتها في تطور العلم والتكنولوجيا وفي إعداد العلماء والمبدعين. بل للأسف الشديد مازال ينظر إليه في عالمنا العربي على أنه خرافات وشطحات .

    لقد أصبح من الضروري الاهتمام بالخيال العلمي في عالمنا العربي، إذ يجب على كافة مؤسسات المجتمع التعليمية والثقافية والإعلامية أن تعطي أهمية كبرى للخيال حيث يجب التأكيد من خلال مناهج الدراسة على عمق العلاقة بين العلم والخيال العلمي، من خلال إدراج الخيال العلمي في المناهج الدراسية في المدارس والجامعات ، ولغرس حب العلم في نفوس طلابنا، حيث همزة الوصل القائمة بين الخيال العلمي ودراسات المستقبل، فكلاهما يسعى إلى التنبؤ بالمستقبل . و هنا نذكر ما قاله العالم المصري أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء في ندوة بمؤسسة الأهرام في يونيو عام 1995، يقول: "" الجميل في أمريكا وهو ما جعلها تتقدم على العالم علميا، أن الخيال لا يقتل وليست له حدود وكل المؤسسات تشجعه، والعالم الحقيقي المحب لعلمه لا بد أن يحلم، وإذا لم يتخيل العالم ويحلم، سيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئا "".

    ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذه النوعية من الفنون من خلال هذا البحث الذي نسعى فيه لتقليل الفجوة الكبيرة بين إهمال شديد لذلك الجانب محليا ، وتطور غير مسبوق خلال العقدين الأخيرين عالميا ، وقد جاءت الدراسة في أربعة أبواب ، ناقش الأول مفهوم الخيال والخيال العلمي من خلال استعراض تاريخي لمصادر الإلهام التي ألهمت فناني السينما والتلفزيون من تراث شعبي و فن تشكيلي وأدب  من خلال الفصل الأول ، وكان لأدب الخيال العلمي، باعتباره أهم مصادر الخيال نصيب وافر حيث تم إفراد الفصل الثاني لتتبع تاريخه ، ثم جاء الفصل الثالث ليستعرض تاريخ الخيال والخيال العلمي في السينما والتلفزيون .

    أما الباب الثاني فجاء بعنوان الخصائص البصرية لأعمال الخيال والخيال العلمي، وقد تناول من خلال فصليه الخصائص البصرية للصورة المتحركة، ثم عناصر التشكيل في أعمال الخيال والخيال العلمي.

     ثم جاء الباب الثالث ليبين مراحل وتقنيات الخيال والخيال العلمي على الشاشة من خلال ثلاثة فصول أولها تناول الإخراج الفني كآلية لتجسيد الخيال، أما الفصل الثاني فجاء بعنوان التصور لبيان المراحل التي تتطلبها الفكرة الخيالية وصولا لعين المشاهد، ثم جاء الفصل الثالث ليستعرض بعض التقنيات المستخدمة في أعمال الخيال والخيال العلمي.

    و الباب الرابع والأخير مكون من فصلين أولها يستعرض ويحلل بعض الأعمال العالمية في هذا المجال، والآخر نسعى فيه لاستعراض الأعمال النادرة محليا مع بيان أسباب قصور تلك النماذج وعدم تطورها."


انشء في: أربعاء 14 نوفمبر 2012 07:34
Category:
مشاركة عبر