فرضت جائحة كورونا أزمة غير مسبوقة على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ودفعتها إلى إعادة النظر في نماذج أعمالها من أجل البقاء والنمو في بيئة مضطربة سريعة التغير، ويُطرح ابتكار نموذج الأعمال بوصفه مدخلًا لتجديد كيفية خلق القيمة وتقديمها واقتناصها، غير أن آليات انتقال أثر هذا الابتكار إلى أداء المنشآت لم تكن محسومة في الأدبيات، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لفحص أثر ابتكار نموذج الأعمال في أداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة خلال الجائحة، مباشرة وعبر مسارات غير مباشرة تمر بالتوجه الريادي والميزة التنافسية، بما يقدم فهمًا أعمق لكيفية تحويل الابتكار التنظيمي إلى نتائج أداء ملموسة في زمن الأزمات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين ابتكار نموذج الأعمال وأداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة، عبر نموذج وساطة متسلسلة يضم التوجه الريادي والميزة التنافسية، واعتمدت تصميمًا بحثيًا تحليليًا بفلسفة وضعية، وجمعت بيانات مسحية منظمة من 396 مديرًا ومالكًا لمنشآت صغيرة ومتوسطة بعد الموجة الثانية من جائحة كورونا، وحللت البيانات باستخدام نمذجة المعادلات البنائية للتحقق من العلاقات المباشرة والوسيطة المتسلسلة بين متغيرات الدراسة، بما يتيح فصل الأثر المباشر لابتكار نموذج الأعمال عن أثره المار عبر عقلية ريادية تنعكس بدورها في مزايا تنافسية تعزز الأداء، وهو ما يميز الدراسة عن فحوص العلاقات الثنائية المباشرة الشائعة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت الدراسة عن ارتباط إيجابي دال بين ابتكار نموذج الأعمال وأداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأثبتت نموذج الوساطة المتسلسلة الذي يضم التوجه الريادي والميزة التنافسية، أي إن ابتكار نموذج الأعمال لا يحسن الأداء مباشرة فحسب، بل يوجه أيضًا عقلية أصحاب المنشآت ومديريها نحو التوجه الريادي ويطور مزايا تنافسية تنعكس في الأداء، وتضيف هذه النتائج قيمة نظرية بدمج الوساطة المتسلسلة في تفسير أداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعد الدراسة من الدراسات التجريبية القليلة التي فحصت نموذج وساطة متسلسلة للتنبؤ بأداء المنشآت في هذا القطاع خلال الجائحة، بما يسد فجوة بحثية قائمة ويسهم في أدبيات ابتكار نموذج الأعمال وريادة الأعمال المؤسسية
وينبع اختيار الوساطة المتسلسلة من منطق نظري مفاده أن الابتكار في نموذج الأعمال لا يتحول إلى أداء بذاته، بل عبر ما يحدثه من تحول في توجهات القائمين على المنشأة نحو المبادرة واقتناص الفرص وتحمل المخاطرة المحسوبة، ثم عبر ما يبنيه هذا التوجه من مزايا تنافسية في جودة العرض أو سرعة الاستجابة لاحتياجات السوق، وقد جاء اختيار فترة ما بعد الموجة الثانية من الجائحة لأنها لحظة تكونت فيها لدى المنشآت خبرة فعلية بالتكيف والابتكار تحت الضغط، بما يجعل قياس العلاقات بين الابتكار والتوجه والميزة والأداء أكثر واقعية من قياسها في لحظة الصدمة الأولى التي غلبت عليها ردود الفعل الاضطرارية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح الدراسة دلالات عملية تتمثل في تركيز المنشآت الصغيرة والمتوسطة على ابتكار نماذج أعمالها لتوجيه عقليات رواد الأعمال وتطوير مزايا تنافسية تحقق الأداء المنشود، وتقدم توصيات لصانعي السياسات بتطوير مساعدات داعمة للأعمال وصديقة للمنشآت تمكنها من مواجهة الأزمات واحتواء آثارها، وتفيد الباحثين في الإدارة وريادة الأعمال بإطار تفسيري يربط الابتكار التنظيمي بالأداء عبر مسارين وسيطين متسلسلين يمكن اختبارهما في سياقات وأزمات أخرى، وتبقى نتائج الدراسة مرتبطة بسياق الجائحة والبيئة التي جمعت فيها بياناتها، ما يدعو إلى بحوث لاحقة في بيئات وفترات مختلفة للتحقق من استقرار هذه العلاقات وتعميق فهم شروط فاعليتها
وتظهر دلالة خاصة لنتائج الدراسة في سياق المنشآت الصغيرة والمتوسطة محدودة الموارد، إذ يبين نموذج الوساطة أن استثمارها في ابتكار نموذج الأعمال يؤتي ثماره مضاعفًا حين يقترن بتنمية التوجه الريادي لدى ملاكها ومديريها وبتحويله إلى مزايا تنافسية ملموسة، لا حين يبقى تغييرًا شكليًا في الأنشطة أو القنوات، كما يفيد صانعي السياسات أن دعم هذه المنشآت في الأزمات يكون أجدى حين يتجاوز التمويل الطارئ إلى برامج تبني القدرات الابتكارية والريادية، بما يرفع جاهزيتها للأزمات المقبلة ويعزز مساهمتها في التشغيل والنمو الاقتصادي المحلي
وخلاصة القول إن ابتكار نموذج الأعمال محرك مؤثر في أداء المنشآت الصغيرة والمتوسطة زمن الأزمات، مباشرة وعبر التوجه الريادي والميزة التنافسية، وإن الاستثمار فيه خيار استراتيجي لتعزيز قدرة هذه المنشآت على الصمود والتكيف والنمو
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








