تتجه المنظمات المعاصرة باطراد نحو أنماط قيادة تلهم العاملين وتدفعهم إلى تجاوز المألوف في أدائهم، وفي مقدمتها القيادة التحويلية التي يعوّل عليها كثيرًا في تنمية سلوك العمل الابتكاري لدى الموظفين، غير أن العلاقة بين هذه القيادة والابتكار لا تسير في خط مباشر بسيط، بل تتخللها آليات نفسية لدى الأتباع أنفسهم قد تقويها أو تعطّلها، وتنطلق هذه الدراسة من منظور متمركز حول التابع لاستجلاء هذه الآليات، فتفحص الدور الوسيط لكل من التمكين النفسي، بما ينطوي عليه من شعور بالكفاءة والمعنى والاستقلالية والأثر، والاندماج في العمل، بما يعنيه من حيوية وإخلاص وانغماس، في العلاقة بين القيادة التحويلية وسلوك العمل الابتكاري، في سياق منظمات فيتنامية ما تزال الدراسات حولها محدودة في هذا الحقل البحثي المتنامي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف الآلية التي تؤثر بها القيادة التحويلية في سلوك العمل الابتكاري لدى الموظفين من منظور متمركز حول التابع، مع اختبار وساطة التمكين النفسي والاندماج في العمل بصورة متوازية، واعتمدت المنهج الكمي، فجمعت البيانات عبر استبانة طبقت على عينة قصدية وكروية متدحرجة بلغت ثلاثمئة وتسعين مستجيبًا متطوعًا ومجهول الهوية في فيتنام، وحللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية مع تقديرات إعادة المعاينة، لاختبار نموذج وساطة متعددة متوازية يميز بين إسهام كل وسيط في نقل أثر القيادة إلى السلوك الابتكاري، بما يتيح معرفة أي الرافعتين النفسيتين تحمل الأثر فعليًا وأيهما لا يستجيب كما تفترض النظرية الشائعة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن القيادة التحويلية تؤثر إيجابيًا في سلوك العمل الابتكاري لدى الموظفين تأثيرًا دالًا، بما يؤكد قيمتها بوصفها محركًا للابتكار في المنظمات، وكشفت النتائج كذلك أن التمكين النفسي يتوسط العلاقة بين القيادة التحويلية والسلوك الابتكاري، أي إن القادة التحويليين يزرعون الابتكار حين يمنحون أتباعهم شعورًا بالكفاءة والمعنى والاستقلالية والأثر في أعمالهم، وفي المقابل لم تتلقَّ وساطة الاندماج في العمل دعمًا من البيانات، إذ لم يثبت أن اندماج الموظفين ينقل أثر القيادة التحويلية إلى سلوكهم الابتكاري رغم حضوره في النموذج، وهو تفاوت جدير بالانتباه لأنه يميز بين رافعتين نفسيتين كثيرًا ما تعاملان بوصفهما متكافئتين في أدبيات القيادة والابتكار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه النتائج إدارة المنظمات نحو استثمار أدق في القيادة التحويلية، فبدل الاكتفاء بالحماس العام نحو الابتكار ينبغي اختيار القادة ذوي الأنماط التحويلية وتدريبهم وتطويرهم بما يعزز لدى الموظفين الكفاءة والدافعية والترابط والاستقلالية، أي مكونات التمكين النفسي التي ثبت أنها القناة العاملة فعليًا، كما تنبه النتائج الممارسين إلى أن رفع اندماج الموظفين وحده قد لا يكفي لتحويل القيادة إلى ابتكار إن لم يقترن بتمكين نفسي حقيقي، وعلى المستوى النظري تسهم الدراسة في تقييد الافتراضات المتفائلة حول الاندماج بوصفه وسيطًا شاملًا، وتدعو بحوثًا لاحقة إلى فحص شروط بديلة قد ينشط فيها الاندماج أو تضعف فيها وساطة التمكين في سياقات ثقافية وتنظيمية مختلفة
ويكتسب منظور الأتباع الذي تبنته الدراسة أهميته من كونه يقلب زاوية النظر المعتادة في أبحاث القيادة، فبدل سؤال القادة عما يفعلونه سألت الدراسة الأتباع عما يحدث داخلهم حين يمارس القائد أسلوبه التحويلي، ومن هذا الموقع يصبح السلوك الابتكاري ثمرة لحالة نفسية داخلية يصنعها القائد بقدر ما هو نتيجة تعليمات إدارية، ولهذا لم يكن غريبًا أن يتقدم التمكين النفسي بوصفه الوسيط العامل، لأنه الحلقة التي يتحول فيها إلهام القائد إلى شعور الموظف بامتلاك عمله وقدرته على التأثير فيه، أما غياب وساطة الاندماج فيدعو إلى تفكيك أدق لمكوناته، فقد يرتبط الاندماج بأداء المهام القائمة أكثر من ارتباطه بالمبادرة إلى تغييرها، بما يعني أن الحماس للعمل الحالي لا يترجم تلقائيًا إلى جرأة على اقتراح الجديد، وهذا التمييز الدقيق بين الوسائط المتجاورة هو القيمة المضافة الحقيقية للدراسة في حقل القيادة والابتكار
وخلاصة القول إن القيادة التحويلية تعزز سلوك العمل الابتكاري لدى الموظفين، وإن التمكين النفسي هو القناة الوسيطة التي يتحقق عبرها هذا التعزيز، بينما لم يثبت للاندماج في العمل دور وسيط موازٍ، وبذلك تقدم الدراسة من منظور الأتباع أنفسهم خريطة أدق لآليات الابتكار التنظيمي، وتوصي عملية بأن يكون بناء القادة التحويليين وتمكين الموظفين نفسيًا هما محور أي استراتيجية جادة لرفع الابتكار في بيئات العمل








