يحتل الملل مكانة متناقضة في الأدبيات النفسية المعاصرة، فبينما يُنظر إليه غالبًا بوصفه حالة وجدانية سلبية تعيق الأداء والدافعية، تذهب اتجاهات بحثية أخرى إلى أنه قد يكون محفزًا خفيًا للبحث عن بدائل جديدة، وما يزال الجدل قائمًا حول أثر الاستعداد للملل أو الميل إليه في الإبداع: هل يعززه أم يعيقه، وتسعى هذه الدراسة إلى حسم جانب من هذا الجدل بنقل السؤال من مستوى العلاقة المباشرة إلى مستوى الآليات النفسية التي تتوسطها والشروط التي تعدّل قوتها، فتفحص الدور الوسيط للابتعاد عن الذات، وهو قدرة الفرد على النظر إلى خبراته وأفكاره من مسافة نفسية تتيح معالجتها بتجرد أكبر، كما تفحص أثر قلق مكان العمل بوصفه متغيرًا معدِّلًا لهذه الآلية، لتقدم بذلك صورة أكثر دقة عن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الميل إلى الملل إلى مورد إبداعي داخل بيئات العمل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار نموذج وساطة معدَّلة يربط بين الميل إلى الملل والإبداع لدى الموظفين، بحيث يتوسط الابتعاد عن الذات هذه العلاقة ويعدّل قلق مكان العمل مسارها غير المباشر، واستندت في بنائها النظري إلى نظرية الابتعاد عن الذات التي تفترض أن اتخاذ مسافة نفسية من الخبرة الذاتية يحرر الموارد المعرفية ويعيد توجيه الانتباه نحو توليد بدائل وحلول مبتكرة بدل الانغماس في الانفعالات المصاحبة للملل، واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في صورته الارتباطية، وجمعت بياناتها من عينة بلغت مئتين وثلاثة وثمانين موظفًا، ثم حللت البيانات باختبار نموذج الوساطة المعدَّلة للتحقق من الأثر المباشر للميل إلى الملل في الإبداع، ومن الأثر غير المباشر المار عبر الابتعاد عن الذات، ومن مدى تغير هذا الأثر غير المباشر بتغير مستويات القلق في مكان العمل لدى أفراد العينة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر تحليل البيانات وجود علاقة إيجابية ذات دلالة إحصائية بين الميل إلى الملل والإبداع لدى الموظفين، بما يعني أن الأفراد الأكثر استعدادًا للشعور بالملل لم يكونوا أقل إبداعًا كما قد يُتوقع، بل ارتبط ميلهم بمستويات أعلى من الإبداع، كما كشفت النتائج عن علاقة إيجابية ملحوظة بين الابتعاد عن الذات والإبداع، إذ كلما ازدادت قدرة الموظف على اتخاذ مسافة نفسية من أفكاره ومشاعره ازدادت قدرته على التفكير الإبداعي، وبناء على هاتين العلاقتين أثبتت النتائج أن الابتعاد عن الذات يتوسط العلاقة بين الميل إلى الملل والإبداع، أي إن جانبًا من أثر الملل في الإبداع يمر عبر هذا المتغير الوسيط، وبيّنت النتائج كذلك أن قلق مكان العمل شدّد الأثر غير المباشر للميل إلى الملل في الإبداع عبر الابتعاد عن الذات، فكانت آلية الوساطة أقوى حضورًا في ظل مستويات القلق الأعلى في بيئة العمل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعيد هذه النتائج رسم فهم العلاقة بين الملل والإبداع، فالملل في ذاته ليس عدوًا للإبداع ولا صديقًا له بصورة مطلقة، وإنما يتوقف أثره على كيفية تعامل الفرد معه نفسيا، فحين يوظف الفرد الابتعاد عن الذات يتحول الشعور بالملل إلى مساحة للتأمل وإعادة ترتيب الخبرة بما يفتح باب التوليد الإبداعي، وتفتح الدراسة من زاوية تطبيقية بابًا أمام إدارات الموارد البشرية والممارسين في بيئات العمل لإعادة النظر في تصميم المهام والوظائف، إذ يمكن تنمية مهارات الابتعاد عن الذات لدى الموظفين عبر التدريب على التأمل وإعادة التقييم المعرفي، كما تنبه النتائج إلى أن القلق في مكان العمل ليس مجرد عبء انفعالي، بل عامل يعدّل الآليات النفسية العاملة، بما يستدعي إدارته بوعي عند تصميم أي تدخلات تستهدف تنمية الإبداع المؤسسي
وتزداد أهمية هذه الآلية في بيئات عمل معاصرة تتخللها مهام رتيبة وفترات انتظار تستثير الملل، فبدل التعامل مع هذه اللحظات بوصفها وقتًا ضائعًا، تتيح النتائج إعادة تأطيرها بوصفها نوافذ ذهنية يمكن استثمارها حين يمتلك الموظف أدوات الإدارة النفسية السليمة، ومن هنا يمكن لبرامج التطوير المهني أن تبني وحدات تدريبية في إعادة التقييم المعرفي والتأمل الواعي تستهدف الفئات التي يغلب على أعمالها الطابع الرتيب
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت أن الميل إلى الملل يرتبط إيجابيًا بالإبداع لدى الموظفين، وأن الابتعاد عن الذات يمثل الحلقة الوسيطة التي يفسر بها هذا الارتباط، وأن قلق مكان العمل يضخّم هذا الأثر غير المباشر، لتعمق بذلك الفهم النظري للاستعداد للملل والإبداع ضمن إطار الابتعاد عن الذات، وتقدم رؤى نظرية وعملية قيّمة يمكن أن تستند إليها دراسات لاحقة وممارسات إدارية تسعى إلى تحويل الحالات الوجدانية التي تبدو سلبية إلى موارد منتجة للإبداع في بيئات العمل المعاصرة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








