لكي نفهم كيف يمثل الصحفيون مصادرهم فهمًا أعمق، لا بد من دراسة استخدام الكلام المنقول في التغطيات الإخبارية دراسة منهجية منظمة، فالاقتباسات ونسب الأقوال إلى مصادرها تشكل عصب العمل الصحفي ومصدر شرعيته أمام الجمهور، وتقدم هذه الورقة طريقة لتحليل المحتوى بمساعدة النماذج اللغوية الكبيرة للتعرف التلقائي على الكلام المنقول في الصحف الهولندية وتصنيفه، مقيمة إجراء من ثلاث خطوات يوظف تعليمات قائمة على الأدوار لتوجيه النموذج بوصفه صحفيًا محترفًا، وساعية إلى الموازنة بين كفاءة الأتمتة الواسعة ومتطلبات الثبات العلمي في الترميز الصحفي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير منهجية عملية لتوظيف النماذج اللغوية الكبيرة في تحليل المحتوى الصحفي وتصنيف الكلام المنقول ومصادره على نطاق واسع، وتضمنت الخطوة الأولى بناء دليل ترميز للتعرف على بنى الاقتباس وأنواع المصادر بدعم من النموذج اللغوي ثم التحقق منه يدويًا، وتضمنت الخطوة الثانية تقييم الثبات بين المرمزين البشريين والنموذج اللغوي على عينة ممثلة من المقالات الإخبارية الهولندية بأسلوب التحقق التفاعلي الذي يبقي الإنسان داخل الحلقة، ثم وُظف النموذج المهندس بالتوجيهات في الخطوة الثالثة لترميز متن ضخم يمتد عبر سبعة عقود من عام 1950 إلى عام 2024، بما يتيح رصد تطور تمثيل المصادر عبر أجيال الصحافة الهولندية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحقق اليدوي من 16689 اقتباسًا أن النموذج حقق درجة دقة موزونة بمقياس إف واحد بلغت 0.75، وهو مستوى يتوافق مع المعايير الحديثة للنماذج عالية القدرة التي تؤدي مهام ترميز صحفي معقدة، ورغم أن الإشراف البشري يظل هو المعيار المرجعي للثبات، بسبب مشكلات مثل الاقتباسات المتكررة التي قُدمت أمثلة في التوجيهات المستخدمة، والتحيز التمثيلي في مخرجات النموذج، فإن الأنظمة القائمة على النماذج اللغوية تؤدي أداء كافيًا بدرجة جيدة للتحليلات واسعة النطاق لاستخدام المصادر في الصحافة، بما يجعل التطبيق العملي ممكنًا متى أُحكمت ضوابط الجودة البشرية المصاحبة له
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الورقة إلى أن سير العمل الهجين الذي يجمع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يوفر جسرًا عمليًا بين المناهج التقليدية القائمة على القواعد والنماذج التوليدية الجديدة، إذ يقدم طرقًا قابلة للتوسع وفعالة من حيث التكلفة لدراسة تمثيل المصادر في الصحافة عبر متون ضخمة ومدد زمنية طويلة تعجز عنها فرق الترميز البشري التقليدية، وتفيد هذه المنهجية باحثي الإعلام والاتصال في تحليل كيفية بناء الصحف لشرعيتها عبر اختيار المصادر ونسب الأقوال، كما تنبه الممارسين إلى ضرورة التعامل الواعي مع التحيزات التمثيلية التي قد تتسلل إلى مخرجات النماذج اللغوية عند توظيفها في البحث الكمي
وتتجاوز أهمية هذه المنهجية حدود الحالة الهولندية إلى سؤال أوسع يواجه بحوث الإعلام الكمية، وهو كيفية دراسة متون صحفية متراكمة عبر عقود طويلة دون التضحية بالدقة التي تتطلبها مهام دقيقة كتمييز أنواع المصادر وأنماط نسب الأقوال، فقد كان الباحث أمام خيارين كلاهما مكلف، إما ترميز بشري بطيء يقتصر على عينات صغيرة، أو قواعد آلية جامدة تعجز عن التعامل مع تعقيد اللغة الصحفية، وتقدم الدراسة طريقًا ثالثًا يوظف قدرات النماذج اللغوية الكبيرة تحت إشراف بشري منظم يبدأ من بناء دليل الترميز وينتهي بالتحقق العيني من آلاف الاقتباسات، كما أن رصدها لمشكلات مثل تكرار الاقتباسات الواردة أمثلة في التوجيهات يمثل درسًا منهجيًا عمليًا لكل من يوظف هذه النماذج في الترميز، إذ ينبغي تصميم التوجيهات بوعي بما قد تسربه من تحيزات إلى المخرجات، وبذلك تؤسس الورقة لمعايير ناشئة في توثيق استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل مناهج تحليل المحتوى الإعلامي وقياس شفافيته العلمية
كما تفتح الدراسة نقاشًا منهجيًا حول معنى الثبات في عصر النماذج التوليدية، فالنموذج اللغوي ليس مرمزًا محايدًا كالأدوات القديمة، بل نظام احتمالي تتأثر مخرجاته بصياغة التوجيهات والأمثلة المضمنة فيها، ولذلك يصبح توثيق التوجيهات وفحص انحرافاتها جزءًا أصيلًا من الإبلاغ العلمي عن النتائج، وهو تحول يقرب بحوث الاتصال من معايير الشفافية المنهجية المتصاعدة في العلوم الاجتماعية الحاسوبية عمومًا
وخلاصة القول إن النماذج اللغوية الكبيرة أصبحت قادرة على أداء ترميز صحفي معقد بمستوى يقارب المعايير المرجعية الحديثة، غير أن قيمتها العلمية القصوى تتحقق حين تُدمج في سير عمل هجين يحتفظ للباحث البشري بدور التحقق والضبط، فتتحول الأتمتة من بديل مشكوك فيه إلى أداة توسع نطاق البحث الإعلامي الكمي وتعمق أسئلته








