تتصاعد أهمية قضية الغسيل الأخضر في الأسواق المعاصرة، غير أن الدراسات السابقة لم تفسر تفسيرًا كاملًا المسارات المتنوعة والآثار المعقدة لهذه الممارسة في سلوكيات المستهلكين، فحين تدعي الشركات التزامًا بيئيًا لا يعكس واقع ممارساتها، يتشكل لدى المستهلك وعي متزايد بهذا التضليل يؤثر في ثقته ومواقفه الشرائية، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى بناء نموذج تفسيري يستند إلى نظرية الفعل المبرر، يوضح العلاقة بين وعي المستهلكين بالغسيل الأخضر ونيتهم للشراء الأخضر، والدور الوسيط الذي تمارسه الثقة الخضراء ونية الكلام الشفهي الأخضر في هذه العلاقة المتشابكة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار نموذج يربط وعي المستهلك بالغسيل الأخضر بنية الشراء الأخضر عبر وسيطين متسلسلين هما الثقة الخضراء ونية الكلام الشفهي الأخضر، واعتمدت على بيانات مسح إلكتروني شمل 306 مستجيبين جُمعت بياناتهم في الربع الثالث من عام 2023، وحُللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية باستخدام الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية في إصدارها السادس والعشرين وبرنامج أموس في إصداره الثالث والعشرين، واقتصرت عينة الدراسة على بالغين كوريين لديهم خبرة في شراء مستحضرات التجميل الصديقة للبيئة، وهو قيد أقرته الدراسة نفسها ضمن حدودها التي تستدعي دراسات لاحقة على منتجات وفئات مستهلكين متنوعة لتعزيز قابلية تعميم النتائج
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن مسار تأثير وعي المستهلك بالغسيل الأخضر في نية الشراء الأخضر عبر الثقة الخضراء ونية الكلام الشفهي الأخضر كان مسارًا دالًا إحصائيًا، فقد مارس الوعي بالغسيل الأخضر أثرًا سلبيًا في الثقة الخضراء وفي نية الكلام الشفهي الأخضر، إذ يفقد المستهلك ثقته بالادعاءات البيئية للشركات ويحجم عن التوصية بمنتجاتها حين يدرك تضليلها، وفي المقابل مارست الثقة الخضراء ونية الكلام الشفهي الأخضر أثرًا إيجابيًا في نية الشراء الأخضر، بما يجعل تآكل الثقة بفعل الغسيل الأخضر قناة رئيسة تنال من استعداد المستهلكين لدعم المنتجات الخضراء وشرائها فعليًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أنه ينبغي للشركات اعتماد شهادات من أطراف ثالثة مستقلة، وتحسين شفافية سلاسل الإمداد، والاستثمار الجاد في مبادرات الاستدامة، بدلًا من الاكتفاء بادعاءات تسويقية لا تصمد أمام وعي المستهلك المتنامي، كما تكشف الردود عن حاجة إلى تطبيق نظام موحد للوسوم البيئية وإنشاء آلية إنفاذ أكثر صرامة والاستفادة منها للحد من ممارسات الغسيل الأخضر، وتفيد هذه التوصيات الجهات التنظيمية وجمعيات حماية المستهلك في بناء بيئة سوقية تكافئ الالتزام البيئي الحقيقي وتعاقب التضليل، كما تنبه المسوقين إلى أن الثقة الخضراء أصل هش يتراكم ببطء ويتبدد سريعًا أمام أي ادعاء مضلل
وتتسع دلالة هذه النتائج لتشمل بنية السوق الخضراء ذاتها، فالكلام الشفهي الأخضر الذي يقوضه الوعي بالغسيل الأخضر ليس مجرد قناة ترويجية تفقدها الشركات، بل هو آلية اجتماعية لنشر الثقافة البيئية بين المستهلكين، وحين يحجم المستهلك الواعي عن التوصية بالمنتجات الخضراء خشية التضليل تتضرر السوق الصادقة والكاذبة معًا، وهو ما يفسر إلحاح الدراسة على نظام وسم بيئي موحد وآليات إنفاذ صارمة تحمي الشركات الملتزمة من منافسة الادعاءات الزائفة، ففي غياب معايير تحقق مستقلة يصعب على المستهلك التمييز بين الالتزام الحقيقي والتسويق المضلل فينهار منطق المكافأة السوقية للسلوك البيئي المسؤول، كذلك تلفت الدراسة إلى أن عينتها من مستهلكي مستحضرات التجميل الصديقة للبيئة تجعل نتائجها أرضية انطلاق لاختبارات أوسع على قطاعات كالأغذية والملابس والطاقة المنزلية، حيث تختلف حساسية المستهلكين للادعاءات البيئية وتتباين قدرتهم على التحقق منها، بما يفتح مجالًا مقارنًا واعدًا في بحوث التسويق الأخضر وسلوك المستهلك البيئي
ويستدعي تفسير هذه النتائج التوقف عند طبيعة المنتج الأخضر ذاته، فحين يعجز المستهلك عن التحقق المباشر من الادعاء البيئي يتحول قراره الشرائي إلى رهان على الثقة، ومن هنا كان انهيار الثقة بفعل الغسيل الأخضر مدمرًا بصورة مضاعفة، لأنه لا يعاقب الشركة المضللة وحدها بل يسمم قناعة المستهلك بالفئة المنتجية كلها، ولهذا السبب تحديدًا تراهن الدراسة على الشهادات المستقلة والشفافية القابلة للتدقيق بوصفهما البنية التحتية التي لا تقوم سوق خضراء راشدة من دونها
وخلاصة القول إن الغسيل الأخضر سلاح ذو حدين يرتد على الشركات التي تمارسه، إذ يولد وعيًا لدى المستهلك يقوض ثقته ونيته في الكلام الشفهي الإيجابي ومن ثم نيته الشرائية، فتغدو الشفافية والشهادات المستقلة والاستثمار الحقيقي في الاستدامة هي الطريق الآمن لبناء سوق خضراء موثوقة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








