يمثل الاستثمار في إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية الخضراء مفتاح تحقيق التنمية الاقتصادية عالية الجودة في الصين، إذ يجمع هذا المؤشر بين كفاءة استخدام عوامل الإنتاج ومراعاة القيود البيئية في آن واحد، وفي هذا السياق يبرز التمويل الأخضر أداة واعدة لتوجيه الموارد المالية نحو الأنشطة النظيفة، غير أن السؤال عن قدرته الفعلية على رفع هذه الإنتاجية وآليات تأثيره وحدوده ظل بحاجة إلى فحص تجريبي شامل، وهو ما تصدت له هذه الدراسة باختبار الآثار المباشرة وغير المباشرة وغير الخطية والمكانية للتمويل الأخضر في إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية الخضراء
كما أن التمويل الأخضر ذاته لم يعد هامشًا في السياسة الاقتصادية الصينية، بل صار ركيزة في استراتيجيات التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون تتنافس المقاطعات على تطوير أدواته ومؤسساته وتوجيهه نحو القطاعات الأقدر على رفع الكفاءة البيئية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على بيانات لوحية لثلاثين مقاطعة صينية امتدت من عام ٢٠١٠ إلى عام ٢٠٢٠، ووظفت حزمة من النماذج القياسية شملت نموذج الآثار الثابتة ثنائي الاتجاه لقياس الأثر المباشر، ونموذج اختبار الآليات لتتبع قنوات التأثير، ونموذج أثر العتبة للكشف عن اللاخطية، ونموذج دوربين المكاني الديناميكي لرصد الامتدادات المكانية بين المقاطعات، كما فحصت تباين الأثر بحسب مستوى التنمية الاقتصادية والتحضر ودرجة التمركز السوقي وقوة إنفاذ حماية البيئة، بما يقدم صورة متعددة الأبعاد للعلاقة بين التمويل الأخضر والإنتاجية الخضراء عبر الزمن والمكان
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أولًا أن التمويل الأخضر يعزز إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية الخضراء مباشرة، إذ إن زيادة مقدارها واحد في المئة في الانحراف المعياري للتمويل الأخضر ترفع هذه الإنتاجية بنسبة ٢٫٩٨ في المئة قياسًا إلى متوسطها، وثانيًا أن الابتكار التكنولوجي الأخضر الملموس وترقية الهيكل الصناعي وترشيده آليات مهمة يمر عبرها هذا الأثر، وثالثًا أن الأثر يتسم بخاصية لاخطية متنامية الهامش حين يستخدم مستوى التنمية الاقتصادية ومستوى التحضر متغيرين للعتبة، ورابعًا أن للتمويل الأخضر أثرًا مكانيًا متدفقًا موجبًا ودالًا يهيمن عليه الأثر المكاني قصير الأجل، وخامسًا أن تعزيز الإنتاجية الخضراء يبدو أوضح في المناطق الشرقية بمعامل بلغ ٢٫٠٥٨٠، وفي المناطق مرتفعة التمركز السوقي بمعامل ٠٫٧٨٦٦، وفي المناطق ضعيفة قوة إنفاذ حماية البيئة بمعامل ٠٫٧٦٩٩
وتتضافر هذه النتائج لترسم صورة متكاملة، فالتمويل الأخضر لا يعمل بوصفه تدفقًا ماليًا محايدًا، بل بوصفه إشارة وآلية توجيه تدفع الشركات والحكومات المحلية نحو الابتكار الأخضر وإعادة هيكلة الصناعة، وتتسع فاعليته كلما تقدمت التنمية والتحضر، ويمتد أثره عبر الحدود الإدارية للمقاطعات بفعل الترابط الاقتصادي والبيئي بين الجيران، حتى إن تحسن الأداء الأخضر في مقاطعة ما يصبح جزءًا من البيئة التنافسية والتنظيمية لجاراتها على السواء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتكشف هذه النتائج عن المنطق الداخلي لدور التمويل الأخضر في نمو الإنتاجية الخضراء، وتقدم دعمًا تجريبيًا لتوظيفه في دفع التنمية عالية الجودة، وتوجه الحكومات المحلية إلى الترويج النشط لتطوير التمويل الأخضر مع مراعاة الفروق في مرحلة التنمية الاقتصادية ومسار التحضر بين المناطق عند صياغة السياسات، فتصمم سياسات متمايزة لا موحدة، كما تنبه إلى أن الأثر المتدفق مكانيًا يجعل تنسيق السياسات بين المقاطعات المتجاورة ضرورة، وأن ضعف إنفاذ الحماية البيئية في بعض المناطق لا يلغي جدوى التمويل الأخضر بل قد يجعله رافعة تعويضية مهمة
وعلى مستوى التطبيق، تعني هذه النتائج أن على الحكومات المحلية ألا تتعامل مع التمويل الأخضر بوصفه هدفًا كميًا يتمثل في توسيع حجم الائتمان الأخضر فحسب، بل بوصفه منظومة تستلزم تطوير أدوات التمويل الموجهة للابتكار التكنولوجي الأخضر، وربط منح التمويل بمسارات ترقية الهياكل الصناعية وترشيدها، ومعايرة السياسات على عتبات التنمية والتحضر في كل منطقة، فالمناطق التي لم تبلغ العتبة بعد قد تحتاج إلى دعم تأسيسي قبل أن يؤتي التمويل الأخضر ثماره الكاملة، بينما تستطيع المناطق الأكثر تقدمًا تعميق أثره عبر أدوات سوقية أكثر تطورًا وتنسيق إقليمي أوسع
وخلاصة القول إن التمويل الأخضر محرك فعلي لإنتاجية عوامل الإنتاج الكلية الخضراء في الصين، يعمل عبر الابتكار التكنولوجي الأخضر وإعادة هيكلة الصناعة، ويتدرج أثره صعودًا مع التنمية والتحضر، ويمتد مكانيًا إلى الجوار، بما يؤسس لسياسات تمويل أخضر متمايزة إقليميًا ومنسقة مكانيًا








