تعد المعلومات الخاطئة والمضللة في وسائل التواصل الاجتماعي أثناء الأزمات المجتمعية واسعة النطاق، أو ما يسمى الأزمات الكبرى، مصدر قلق متنامٍ عبر الحقول الأكاديمية المختلفة، ورغم أن الدراسات السابقة قدمت رؤى قيّمة فإن البحوث في هذا المجال ما تزال مجزأة ومتفرقة بين التخصصات، وقد جاءت هذه المراجعة متعددة التخصصات لتجميع المعرفة الحالية وتحديد فجواتها، في سياق أظهرت فيه الأزمات الصحية والطبيعية والسياسية المتعاقبة كيف يمكن للمعلومات المضللة أن تنتشر بسرعة تفوق سرعة المعلومات الموثوقة، وأن تؤثر في سلوك الأفراد وقراراتهم ودرجة ثقتهم بالمؤسسات أثناء أكثر اللحظات حساسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المراجعة المنهجية لتحديد النطاق، متعددة التخصصات، إلى تلخيص المعرفة الحالية حول المعلومات الخاطئة والمضللة في وسائل التواصل الاجتماعي أثناء الأزمات، ورسم خريطة مشهد هذا الحقل البحثي، إذ حللت المراجعة 179 دراسة نشرت بين عامي 2014 و2024، وفحصت توزعها عبر التخصصات والمنهجيات المعتمدة فيها والمستويات التي تناولت انتشار المعلومات المضللة وآثارها، بما أتاح تقديم صورة شاملة عن كيفية دراسة هذا الموضوع عبر العلوم الاجتماعية وعلوم الحاسب والطب وغيرها، والكشف عن الأنماط المهيمنة في الأدبيات وعن الجوانب التي ما تزال مهملة رغم أهميتها النظرية والعملية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الدراسات تمتد عبر تخصصات متنوعة مثل العلوم الاجتماعية وعلوم الحاسب والطب، وأن البحوث السابقة تعتمد أساسًا على بيانات المسوحات المقطعية لاستكشاف انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة وأثرها على المستوى الفردي، مع تركيز غالب على جائحة كورونا بوصفها السياق الأزموي الأكثر دراسة، بما يعني أن المعرفة الحالية مشروطة بدرجة كبيرة بخصائص جائحة واحدة وبمنهجية واحدة وبمستوى تحليل واحد، وهو ما يحد من إمكان تعميم نتائجها على أزمات أخرى كالكوارث الطبيعية والصراعات والأزمات الاقتصادية التي تختلف في طبيعة المعلومات المتداولة وسرعة تطور الأحداث فيها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص المراجعة إلى استنتاجات أساسية منها الحاجة إلى اختبار ما إذا كانت النتائج المستخلصة من جائحة كورونا قابلة للنقل إلى أنواع أخرى من الأزمات، وتطبيق منهجيات أكثر تنوعًا مثل الدراسات الطولية المتكررة على العينة ذاتها والتجارب لإقامة العلاقات السببية، والانتقال إلى ما وراء التحليلات على المستوى الفردي لالتقاط دور العوامل الاجتماعية والبنيوية في تشكيل انتشار المعلومات المضللة وآثارها أثناء الأزمات، وتفيد هذه التوجيهات الباحثين وصناع السياسات والمنصات الرقمية في بناء أجندة بحثية وسياسات مواجهة أكثر نضجًا
وتشير فجوات الأدبيات التي رصدتها المراجعة إلى أجندة بحثية واضحة للسنوات المقبلة، فالحقل يحتاج إلى دراسات تختبر انتشار المعلومات المضللة في أزمات غير صحية كالزلازل والفيضانات والأزمات المالية والصراعات، حيث تختلف بنية المعلومات وسرعة تطور الأحداث ودرجة الاستقطاب، ويحتاج إلى تصاميم طولية وتجريبية قادرة على الفصل بين الارتباط والسببية في آثار التعرض للمعلومات المضللة، ويحتاج بصورة خاصة إلى الارتقاء بمستوى التحليل من الفرد المتعرض للمعلومة إلى الشبكات والمنصات والمؤسسات التي تنتج هذه المعلومات وتضخمها وتستفيد منها، فانتشار المعلومات المضللة ظاهرة بنيوية تتداخل فيها خوارزميات المنصات واقتصاديات الانتباه والانقسامات الاجتماعية، ومعالجتها بحثيًا وسياسيًا بمنظور فردي ضيق تفسر استمرار قصور كثير من تدخلات التصحيح والتحقق رغم الجهود المبذولة فيها
وعلى صعيد السياسات، تنبه المراجعة إلى أن مواجهة المعلومات المضللة أثناء الأزمات لا يمكن أن تبنى على أدلة مستقاة من سياق أزموي واحد ومنهجية سائدة واحدة، فصناع القرار في الأجهزة الحكومية والمنصات الرقمية يحتاجون إلى خرائط أدلة متنوعة المصادر لتقدير ما يصلح نقله من دروس جائحة كورونا إلى أزمات مستقبلية مختلفة الطبيعة، ويحتاجون كذلك إلى استثمار في بنية بحثية قادرة على إنتاج دراسات طولية وتجريبية سريعة أثناء الأزمات ذاتها لا بعد انقضائها، حتى لا تبقى الاستجابة المعلوماتية للأزمات رهينة انطباعات لحظية أو أدلة من سياقات لا تشبه السياق القائم، وتظل الحاجة قائمة إلى تنسيق دولي يتبادل خرائط الأدلة والخبرات المنهجية بين الحقول والبلدان ويحد من تشتت الجهود البحثية وتكرار أخطائها أثناء الأزمات الكبرى المتعاقبة
وخلاصة القول إن فهم المعلومات المضللة أثناء الأزمات الكبرى يتطلب تجاوز التركيز شبه الحصري على جائحة كورونا وعلى المسوحات المقطعية والمستوى الفردي، نحو بحوث متنوعة المنهجيات ومتعددة المستويات قادرة على تفسير كيفية تشكل الظاهرة اجتماعيًا وبنيويًا لا فرديًا فقط
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








