يوصف الأشخاص ذوو الإعاقة في الأدبيات بأنهم أكبر أقلية في العالم، ويفضل أفراد هذه الفئة عمومًا التسوق عبر الإنترنت بدلًا من التسوق في المتاجر بسبب الصعوبات الجسدية التي يواجهونها، غير أنه لم يطور حتى الآن نموذج شراء عبر الإنترنت خاص بهذه الفئة يراعي تحولات سلوكها الاستهلاكي قبل الإعاقة وبعدها، وقد جاءت هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة ببناء نموذج شراء عبر الإنترنت لمستهلكي ذوي الإعاقة في ضوء نظرية السلوك المخطط، في سياق يتسع فيه اعتماد هذه الفئة على التجارة الإلكترونية قناة رئيسة للحصول على السلع والخدمات باستقلالية وكرامة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الكشف عن نموذج شراء عبر الإنترنت للمستهلكين ذوي الإعاقة في ضوء نظرية السلوك المخطط، وبحثت آثار متغيرات سهولة الاستخدام المدركة والفائدة المدركة وتواصل الأقران والاهتمام بالأمن والاهتمام بالخصوصية والإعاقات الجسدية في نية الشراء لدى المستهلكين وسلوكهم الشرائي اللاحق، عبر المعايير الذاتية والاتجاه والتحكم السلوكي المدرك، وجمعت البيانات من مشاركين في مرحلتين، إذ بلغ عدد بيانات ما قبل الإعاقة 322 وبيانات ما بعد الإعاقة 546، بما أتاح المقارنة بين سلوك المستهلكين عبر الإنترنت قبل حدوث الإعاقة وبعدها ورصد ما طرأ عليه من تحولات في الدوافع والحساسيات وأنماط اتخاذ قرار الشراء
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن سلوك المستهلكين عبر الإنترنت قبل الإعاقة وبعدها يختلف اختلافًا واضحًا، وأن تواصل الأقران أحدث فرقًا دالًا في سلوك الشراء بعد الإعاقة، إذ أصبح المستهلكون أكثر حساسية تجاه قضايا الأمن والخصوصية في تسوقهم عبر الإنترنت بعد حدوث العائق، وكان للفائدة المدركة أثر دال في اتجاهات المستهلكين بعد الإعاقة، وأسفرت الدراسة عن بناء نموذج شراء عبر الإنترنت خاص بمستهلكي ذوي الإعاقة يجمع هذه المتغيرات وعلاقاتها، ويعكس خصوصية تجربة هذه الفئة التي تتفاعل فيها الاعتبارات العملية المرتبطة بسهولة الاستخدام والفائدة مع اعتبارات الثقة والأمن والتواصل الاجتماعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج منصات التجارة الإلكترونية والمتاجر الرقمية في تصميم تجارب تسوق أكثر إتاحة وملاءمة للمستهلكين ذوي الإعاقة، عبر تبسيط واجهات الاستخدام وإبراز المنافع العملية للمنتجات وتعزيز ضمانات الأمن وحماية الخصوصية وتفعيل قنوات تواصل الأقران وتبادل الخبرات بين المستهلكين، كما تفيد الباحثين في سلوك المستهلك بضرورة دراسة الفئات ذات الخصائص الخاصة بنماذج مصممة لسياقاتها بدلًا من تعميم نماذج المستهلك العام عليها دون تكييف
وتتجاوز دلالات هذه النتائج حدود التسويق إلى مسؤولية منصات التجارة الإلكترونية عن الإتاحة الرقمية، فحين يختلف نموذج شراء ذوي الإعاقة عن نموذج المستهلك العام في حساسيته للأمن والخصوصية واعتماده على تواصل الأقران ومصادر المعلومات الموثوقة، تصبح مراجعة تجربة الشراء كاملة من منظور هذه الفئة ضرورة لا تحسينًا اختياريًا، ويشمل ذلك اختبار واجهات المتاجر وتطبيقاتها بمشاركة مستخدمين من ذوي الإعاقة أنفسهم، وتبسيط خطوات الدفع وإتمام الطلب، ووضوح سياسات حماية البيانات وإرجاع المنتجات، وبناء مجتمعات مستخدمين تتيح تبادل الخبرات والتوصيات بين الأقران، كما تحمل النتائج رسالة للباحثين وصناع السياسات بأن إدماج ذوي الإعاقة في الاقتصاد الرقمي يبدأ من فهم سلوكهم الاستهلاكي الفعلي قبل الإعاقة وبعدها، لا من افتراض احتياجاتهم افتراضًا، وأن النماذج المصممة بمشاركة الفئة المعنية أقدر على كشف الحواجز الخفية التي تعيق مشاركتها الكاملة في التسوق عبر الإنترنت
وتدعو الدراسة كذلك إلى إشراك المنظمات الممثلة للأشخاص ذوي الإعاقة في تقويم منصات التسوق وخدمات ما بعد الشراء، فتجربة هذه الفئة لا تنتهي عند إتمام الطلب، بل تشمل التوصيل والتركيب والإرجاع والدعم الفني، وكل حلقة منها قد تتحول إلى حاجز يعيد إنتاج الإقصاء إن لم تصمم بإتاحة واعية، وبناء النموذج الشرائي الذي قدمته الدراسة يمنح الباحثين والممارسين خريطة متغيرات يمكن البناء عليها في دراسات لاحقة تفصل بين أنواع الإعاقات وسياقات الأسواق المختلفة ومستويات النضج الرقمي في المجتمعات، كما يعين المتاجر الرقمية على تحويل الإتاحة من مطلب امتثال قانوني إلى ميزة تنافسية تبني ولاء شريحة واسعة ومتنامية من المستهلكين
وخلاصة القول إن الإعاقة لا تغير قناة التسوق المفضلة لدى المستهلكين فحسب، بل تعيد تشكيل دوافعهم وحساسياتهم تجاه الأمن والخصوصية والفائدة، وهو ما يفرض على التجارة الإلكترونية أن تتعامل مع هذه الفئة بوصفها شريحة ذات نموذج شرائي خاص يستحق التصميم والدراسة المستقلين








