حظي مفهوم الإبداع المشترك في السياحة باهتمام أكاديمي كبير في السنوات الأخيرة نظرا لدوره المهم في تعزيز صورة الوجهات السياحية وتنميتها الاقتصادية، فقد أعادت التقنيات الناشئة تشكيل العلاقة بين السياح والوجهات تشكيلا جوهريا، إذ لم يعد السائح متلقيا سلبيا لخدمات معدة سلفا، بل شريكا يشارك في تصميم تجربته وإنتاج قيمتها، ومع تراكم الدراسات في هذا المجال عبر ما يقرب من عقدين، أصبحت الحاجة ماسة إلى تصور شامل يرسم بنية هذا البحث واتجاهاته وموضوعاته الصاعدة والخافتة، لتوجيه الباحثين والممارسين على حد سواء، وتأتي هذه الدراسة المرجعية لتقدم تلك الخريطة عبر تقنيات التصوير الببليومتري التي تكشف البنية المعرفية الكامنة وراء مئات المنشورات، بوصف السياحة صناعة تقوم في جوهرها على التجربة الإنسانية المشتركة وصناعة الذكريات والتفاعلات الحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تصور بنية بحوث الإبداع المشترك في السياحة واتجاهاتها خلال الفترة من عام ألفين وثمانية إلى عام ألفين وأربعة وعشرين، واعتمدت تقنيات الخرائط العلمية في تحليل الإنتاج المنشور خلال هذه الفترة، فرصدت التوزيع الموضوعي للبحوث ومسارات تطورها الزمنية والعلاقات بين عناقيدها المعرفية، ويتيح هذا المنهج التصويري قراءة المجال قراءة كلية تتجاوز حدود الدراسات الفردية، فتظهر الموضوعات المركزية التي حافظت على حضورها، وتلك التي برزت في مراحل لاحقة استجابة لتحولات تقنية واجتماعية كبرى، كما تظهر الروابط بين التيارات البحثية المختلفة ودرجة نضج كل منها، وقد مكنت تقنيات التصوير من تتبع تطور الكلمات المفتاحية والموضوعات عبر السنوات وربط لحظات صعودها وخفوتها بالتحولات التقنية والاجتماعية الكبرى التي عاشها قطاع السياحة العالمي خلال فترة الدراسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة مركزية البحوث المتصلة بتجارب السياحة والتقنيات الجديدة في بنية المجال خلال فترة الدراسة كاملة، وحضورا أقل لمدخل منطق هيمنة الخدمة إطارا نظريا مؤسسا لفكرة خلق القيمة المشترك، كما رصدت بروز ثلاثة موضوعات بحثية جديدة منذ عام ألفين وستة عشر، هي الولاء والرضا، والضيافة وفيروس كورونا، والاقتصاد التشاركي، بما يعكس استجابة المجال للتحولات الرقمية والجائحة العالمية ونماذج الاستهلاك الجديدة، وتسهم هذه النتائج في فهم واسع ومتنوع لمفهوم خلق القيمة المشترك في صناعة السياحة، إذ تبين أن المفهوم لم يعد مقصورا على تصميم التجربة، بل امتد إلى إدارة العلاقات طويلة الأمد مع السائح وإلى نماذج أعمال تشاركية بأكملها، وتشير خريطة التطور الزمني إلى أن صعود هذه الموضوعات تزامن مع تحولات عميقة في القطاع، فنماذج الاقتصاد التشاركي أعادت توزيع أدوار إنتاج التجربة السياحية بين الوجهات والسائحين والمنصات الوسيطة، والجائحة دفعت بحوث الضيافة نحو قضايا الثقة والسلامة والمرونة التشغيلية، واشتداد المنافسة بين الوجهات رفع من شأن الولاء والرضا بوصفهما مؤشري نجاح استراتيجيين يتجاوزان مجرد جذب الزائر لأول مرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم النتائج رؤى مهمة لمنظمات تسويق الوجهات وصناع السياسات في صياغة استراتيجيات الإدارة الرامية إلى تعزيز العلامة التجارية للوجهات وتنافسيتها، فخريطة الموضوعات تبين أين تتركز المعرفة الراسخة وأين تتفتح جبهات بحثية جديدة يمكن للوجهات الرائدة أن تستثمرها مبكرا، كما تعين الباحثين على تجنب تكرار موضوعات مشبعة والتوجه نحو الفجوات التي كشفتها الخريطة، ولا سيما عند تقاطع الإبداع المشترك مع التقنيات الناشئة ونماذج الاقتصاد التشاركي، وبذلك تؤدي الدراسة وظيفة مزدوجة، توثيقية تراكم المعرفة حول المجال، وتوجيهية تعيد ضبط أجندته البحثية والتطبيقية معا، كما تتيح الخريطة لبرامج الدراسات العليا في السياحة تحديد موضوعات رسائل تواكب الجبهات الصاعدة قبل تشبعها، وتمنح المجلات العلمية المتخصصة مؤشرات لاستقطاب أعداد وأقسام خاصة في الموضوعات الناشئة، وبذلك تتحول المراجعة من مجرد عمل توثيقي يراكم المعرفة حول المجال إلى أداة تخطيط معرفي تعيد توجيه موارده البحثية نحو الأسئلة الأكثر جدوى
وخلاصة القول إن هذه المراجعة التصويرية ترسم صورة ناضجة لمجال الإبداع المشترك في السياحة عبر سبعة عشر عاما من البحث، فتثبت مركزية تجارب السياحة والتقنيات الجديدة، وترصد صعود موضوعات الولاء والضيافة في زمن الجائحة والاقتصاد التشاركي، بما يجعلها مرجعا لا غنى عنه لكل باحث أو ممارس يسعى إلى فهم كيف تتحول مشاركة السائح إلى قيمة اقتصادية وصورية للوجهات








