يحتل انخراط الطلاب في مهام التعلم بمواقع العمل موقعا مركزيا في جودة التدريب العملي الجامعي، إذ يتحول فيه التعلم من نشاط صفي إلى خبرة مهنية حية تختبر فيها المعارف والمهارات في سياقات حقيقية، وتنبّه أدبيات نظرية تقرير المصير إلى أن إشباع الحاجات النفسية الأساسية الثلاث، وهي الاستقلالية والكفاءة والانتماء، يغذي الدافعية الداخلية التي تجعل الطالب يقبل على مهامه بجدية واستمتاع، غير أن الطريق الذي تنتقل عبره هذه الحاجات إلى الانخراط الفعلي، والدور الذي يؤديه دعم المشرفين لاستقلالية طلابهم في تقوية هذا الطريق أو إضعافه، ما زالا بحاجة إلى فحص تجريبي دقيق، وهو ما تنهض به الدراسة الحالية في سياق جامعي أفريقي واسع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تأثير حاجات الاستقلالية والكفاءة والانتماء في انخراط الطلاب أثناء مهام التعلم في مواقع العمل، وذلك بتوسيط الدافعية الداخلية للمعرفة، وباعتبار دعم الاستقلالية المدرك من المشرف متغيرا معدِّلا لهذه العلاقات، وأجريت الدراسة على ثلاثمائة وأحد عشر طالبا جامعيا موزعين على مائة وست عشرة شركة ومنظمة نيجيرية استضافت تدريبهم، واعتمد التحليل منهج اللوحات المتقاطعة زمنيا الذي يتتبع العلاقات المتبادلة بين المتغيرات عبر موجات قياس متتابعة، بما يتيح رصد اتجاه التأثير وتغيره بمرور الوقت بدلا من الاكتفاء بصورة مقطعية واحدة، وهو ما يعزز قوة الاستدلال على طبيعة العلاقات بين الحاجات النفسية والدافعية والانخراط، كما يتيح هذا التصميم فحص ما إذا كانت علاقات الحاجات النفسية بالانخراط تستقر أو تتغير بمرور فترة التدريب وتعمق اندماج الطالب في بيئة العمل الحقيقية وعلاقاته المهنية الجديدة داخل المؤسسة المستضيفة
ثانيًا: أبرز النتائج
وجدت الدراسة ارتباطات موجبة بين حاجات الاستقلالية والكفاءة والانتماء من جهة وانخراط الطلاب في مهام التعلم بمواقع العمل من جهة أخرى، وأظهرت النتائج أن الدافعية الداخلية للمعرفة توسطت العلاقات بين هذه الحاجات والانخراط، بما يعني أن الحاجات النفسية لا تعمل مباشرة فحسب، بل عبر إيقاظ رغبة داخلية أصيلة في التعلم والاستكشاف تدفع الطالب إلى الانغماس في مهامه، كما عدَّل دعم الاستقلالية المدرك من المشرف الآثار المباشرة وغير المباشرة لحاجتي الكفاءة والانتماء على الانخراط عبر الدافعية الداخلية للمعرفة عند مستويات متفاوتة، فكلما أدرك الطالب أن مشرفه يمنحه مساحة اختيار ويحترم مبادرته قويت قناة التأثير هذه، ويبرز في النتائج أن تعديل دعم الاستقلالية المدرك من المشرف تجلى تحديدا في مساري الكفاءة والانتماء، وهو ما يسلط الضوء على هاتين الحاجتين بوصفهما الأكثر حساسية لمناخ الإشراف الذي يعمل الطالب في ظله، فوجود مشرف يشجع المبادرة ويعترف بالكفاءة المنجزة يعزز أثر شعور الطالب بكفاءته وانتمائه في دافعيته الداخلية ومن ثم في انخراطه الفعلي بمهام التعلم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دلالات نظرية وتطبيقية مهمة، فعلى المستوى النظري تؤكد أن نموذج الوساطة المعدَّلة يقدم صورة أدق لتفاعل الحاجات والدافعية والدعم الاجتماعي في سياقات التعلم العملي، وعلى المستوى التطبيقي توجه الجامعات وجهات التدريب إلى تصميم تجارب عمل تراعي إشباع الحاجات النفسية الثلاث بصورة مقصودة، عبر مهام ذات معنى تمنح الطالب هامش اختيار حقيقيا، وتغذية راجعة تبني إحساسه بالكفاءة، وبيئات عمل تحتضنه اجتماعيا، كما تدعو إلى تدريب المشرفين الميدانيين على ممارسات دعم الاستقلالية، بوصفها رافعة مثبتة تجريبيا لانخراط الطلاب وجودة ما يتعلمونه في مواقع العمل، وتمتد هذه الدلالات إلى سياسات التدريب العملي الإلزامي في الجامعات، إذ يصبح تقويم جودة أماكن التدريب مرهونا بمدى إشباعها للحاجات النفسية للطلاب لا بتوافرها اللوجستي وحده، وتصبح اتفاقيات الشراكة مع المؤسسات المستضيفة مطالبة بتضمين معايير إشراف داعم للاستقلالية وآليات لمتابعة انخراط الطلاب ورصد تجربتهم خلال فترة التدريب كاملة
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلا طوليا على أن انخراط الطلاب في التعلم بمواقع العمل ثمرة منظومة متكاملة من الحاجات النفسية المشبعة والدافعية الداخلية للمعرفة ودعم المشرفين للاستقلالية، وهو ما يحول هذه العوامل من مفاهيم نظرية إلى أدوات عملية بيد مصممي برامج التدريب العملي والساعين إلى رفع جودته عبر دراسات مقارنة في بيئات ثقافية ومؤسسية مغايرة، للتحقق من ثبات النموذج المقترح وحدود قابليته للتعميم على سياقات تدريبية ومهنية أخرى








