أصبحت نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية أداة تحليلية رائجة في بحوث تقنية التعليم، لقدرتها على التعامل مع النماذج المعقدة والعينات الصغيرة والبيانات غير الطبيعية التوزيع، غير أن صورة توظيفها الفعلي عبر عقد كامل من البحوث، من حيث موضوعاتها وتوزيعها الجغرافي وبرامجها وأوجه القصور المنهجي فيها، ما زالت بحاجة إلى حصر منهجي شامل، وتقدم هذه الدراسة مراجعة منهجية لتطبيق هذه النمذجة في بحوث تقنية التعليم خلال الفترة من عام 2013 إلى عام 2023، بهدف تقييم دورها المتنامي وتحديد مجالات التحسين في الصرامة والشفافية والتنوع، بما يرشد الباحثين والممارسين إلى توظيف أمثل لهذه الأداة الإحصائية المتقدمة في دراساتهم المقبلة ويرفع جودة مخرجاتها وأثرها العلمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مراجعة تطبيق نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية في بحوث تقنية التعليم منهجيًا خلال عشر سنوات، واتبعت إرشادات بريزما للمراجعات المنهجية، فاختارت سبعًا وخمسين دراسة من قاعدتي سكوبس وشبكة العلوم بعد عملية فرز دقيقة واستخراج منظم للبيانات، وحللت الدراسات المختارة بأساليب كمية ونوعية معًا، فصنفتها موضوعيًا وجغرافيًا، ورصدت البرامج المستخدمة في التحليل وخصائص المشاركين فيها، وفحصت ممارسات تقييم نماذج القياس التكوينية والإبلاغ عن الصلة التنبؤية، وبذلك قدمت صورة إحصائية ووصفية متكاملة عن مسار توظيف هذه النمذجة في مجال تقنية التعليم، تتيح المقارنة عبر الزمن وبين المناطق والموضوعات، وتكشف التحولات في اهتمامات الباحثين وأدواتهم خلال العقد المدروس
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج بروزًا متناميًا لنمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية في بحوث تقنية التعليم، إذ وظفها الباحثون للاستفادة من مزاياها في التعامل مع النماذج المعقدة والعينات الصغيرة والبيانات غير الطبيعية، وأظهر التوزيع الجغرافي إسهامات متنوعة تصدرتها ماليزيا والصين وتايوان وباكستان وإسبانيا، وصنفت الدراسات في خمسة موضوعات بحثية هي تبني التقنية واستخدامها، ونظم التعلم عبر الإنترنت واستخدامها، وأدوات الشبكات الاجتماعية والاتصال، والأداء والرضا، والكفاءة والاتجاهات، غير أن المراجعة رصدت فجوات في تقييم نماذج القياس التكوينية والإبلاغ عن الصلة التنبؤية، وهيمنة برنامج سمارت بي إل إس على التحليلات بما يعكس توافقًا مع المألوف أكثر منه تنوعًا منهجيًا، كما تركز المشاركون في الطلاب الجامعيين والمعلمين والمهنيين، وهو ما يحد من تنوع العينات وسياقات التطبيق المدروسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد المراجعة الدور القيم لهذه النمذجة في بحوث تقنية التعليم، وتقدم في الوقت نفسه توصيات للباحثين والممارسين لتعزيز جودة الدراسات وأثرها، ومنها استكمال تقييم نماذج القياس التكوينية بصرامة، والإبلاغ المنتظم عن مؤشرات الصلة التنبؤية، وتنويع البرامج والأساليب بدل الاكتفاء بالخيار الأشهر، وتوسيع قاعدة المشاركين والسياقات التعليمية المدروسة، كما تفيد النتائج محرري المجلات ومحكميها في صياغة قوائم فحص منهجية لضمان الشفافية وقابلية التكرار، وتفيد برامج الدراسات العليا في تدريب الباحثين على التوظيف الواعي لمزايا النمذجة وحدودها، وتدعو الدراسة إلى استمرار تتبع هذا التوظيف بما يواكب تعقيد بحوث تقنية التعليم المتقدم، ودراسة أثر تطور البرامج والإرشادات المنهجية الجديدة في رفع صرامة الممارسات البحثية عبر السنوات المقبلة
وتستحق الفجوات المرصودة وقفة خاصة، فإهمال تقييم نماذج القياس التكوينية قد يمرر أخطاء في بناء المؤشرات المركبة تنعكس على جميع النتائج اللاحقة، وضعف الإبلاغ عن الصلة التنبؤية يحرم القراء من الحكم على القيمة العملية للنماذج خارج عيناتها، وهيمنة برنامج واحد على التحليلات، مهما بلغت جودته، تضيق المرونة المنهجية وتدفع الباحثين نحو التوافق مع المألوف أكثر من البحث عن الأنسب لأسئلتهم، كما أن تركز المشاركين في الطلاب الجامعيين والمعلمين والمهنيين يترك فئات وسياقات تعليمية أخرى خارج الصورة، كطلاب التعليم العام وبيئات التعلم غير الرسمية، وهو ما يحد من قابلية تعميم ما تراكم من نتائج، ولذلك أوصت المراجعة بمزيد من التحقيق المواكب لتعاظم تعقيد بحوث تقنية التعليم، حتى لا يتحول انتشار النمذجة إلى ممارسة شكلية منفصلة عن صرامة التصميم والتفسير
وخلاصة القول إن نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية رسخت حضورها في بحوث تقنية التعليم خلال العقد الماضي أداة مرنة للنماذج المعقدة، غير أن نضج توظيفها ما زال يتطلب معالجة فجوات التقييم التكويني والإبلاغ التنبؤي وتنويع الأدوات والعينات، وهي مهمة تشاركية بين الباحثين والمحررين ومؤسسات التدريب البحثي، حتى يتناسب انتشار الأداة مع صرامة استخدامها وعمق إسهامها في فهم ظواهر التعلم المدعوم بالتقنية وتطويرها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








