يقف موظفو اتصالات السلامة العامة، من مشغلي خطوط الطوارئ ومتلقي المكالمات ومرسلي الفرق، في خط المواجهة الأول مع الأزمات، إذ يتلقون نداءات الاستغاثة الطبية والأمنية ويديرون الاستجابة لها على مدار الساعة، وقد فرضت جائحة كورونا على هذه الفئة أعباء استثنائية تمثلت في تقلب أحجام العمل واشتراط الحضور الشخصي رغم إجراءات التباعد، فضلًا عن أدبيات سابقة تشير إلى انتشار مرتفع للاضطرابات النفسية بينهم، وتناولت هذه الدراسة خبراتهم المهنية خلال الجائحة في كندا بمنهج نوعي يستكشف الفروق الدقيقة في تجاربهم اليومية والضغوط التي تعرضوا لها والدروس المستفادة لدعم الاستجابات الأساسية للأزمات وصون رفاه الموظفين العاملين في هذا القطاع الحساس والمجهد بطبيعته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تفسير خبرات موظفي اتصالات السلامة العامة خلال جائحة كورونا والوقوف على آثارها فيهم وفي بيئات عملهم، واعتمدت على استبانة إلكترونية شارك فيها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون موظفًا من موظفي اتصالات السلامة العامة في كندا، وحللت الإجابات عن الأسئلة المفتوحة تحليلًا نوعيًا بالترميز الموضوعي، فصنفتها في أربعة مجالات رئيسة هي الزيادة المبلغ عنها ذاتيًا في مستوى الضغوط النفسية، والضغوط التشغيلية الخاصة التي واجهها الموظفون أثناء الجائحة، والضغوط التنظيمية المرتبطة بإدارة العمل ومؤسساته، واحتياطات كورونا المطبقة في أماكن عمل المتصلين، وأتاح هذا التصميم النوعي التقاط تفاصيل حية عن طبيعة العمل في مراكز الطوارئ أثناء الأزمة الصحية العالمية، بما في ذلك التعامل مع مكالمات طبية وأمنية طارئة في ظروف متغيرة ومتطلبات صحية متبدلة فرضت إعادة تنظيم مستمرة لسير العمل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن موظفي اتصالات السلامة العامة أبلغوا عن زيادة ملحوظة في مستويات الضغوط النفسية خلال الجائحة، إذ كانوا جهة الاتصال الأولى حين تقع حالة طارئة طبية أو أمنية في ذروة الأزمة، وواجهوا ضغوطًا تشغيلية خاصة ارتبطت بتغير أحجام العمل وطبيعة المكالمات وإلزامهم بالاستمرار في العمل والحضور الشخصي رغم القيود الصحية العامة، كما برزت ضغوط تنظيمية ناشئة عن إدارة العمل ومتطلبات التكيف المؤسسي المتسارع، ورصدت الدراسة الاحتياطات التي طبقتها أماكن عمل المتصلين للتعامل مع الجائحة، وبينت أن هذه الخبرات مجتمعة تكشف هشاشة الدعم المتاح لهذه الفئة رغم حيوية دورها، وأن تجاهل آثار الأزمات فيهم قد ينعكس على جودة الاستجابة للطوارئ ذاتها، بما يجعل فهم تجاربهم خطوة ضرورية لتطوير أنظمة دعم مؤسسية تراعي طبيعة عملهم الاستثنائية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات عملية لإدارات مراكز اتصالات الطوارئ وصناع سياسات السلامة العامة، إذ يمكن توظيف الدروس المستفادة من خبرات الموظفين في دعم الاستجابات الأساسية للأزمات على نحو أفضل مع الحفاظ على رفاه الموظفين وصحتهم النفسية، ومن ذلك التخطيط المسبق لتقلب أحجام العمل في الأزمات، وتوفير دعم نفسي مؤسسي منتظم لا يقتصر على فترات الذروة، ومراجعة الترتيبات التنظيمية التي تزيد الأعباء دون مبرر، كما تفيد النتائج الباحثين في دراسات الصحة المهنية بأن فئات الخط الأول غير الطبية، كمتلقي مكالمات الطوارئ، تستحق اهتمامًا موازيًا للعاملين في الميدان، وتفتح الباب أمام دراسات مقارنة بين الدول وأنظمة الطوارئ المختلفة، ودراسات طولية تتابع آثار الأزمات الممتدة في هذه الفئة وتختبر فاعلية برامج الدعم المقدمة إليها
وتكتسب هذه الخبرات دلالة إضافية من موقع هذه الفئة الوظيفي، فهم ليسوا مقدمي خدمة عاديين بل نقطة الاتصال التي يقصدها الجمهور حين تقع حالة طارئة طبية أو أمنية، وأي إجهاد يصيبهم ينعكس مباشرة على سرعة الاستجابة ودقتها وسلامة القرارات المتخذة في اللحظات الحرجة، كما أن اشتراط استمرارهم في العمل والحضور الشخصي خلال الجائحة، خلافًا لفئات كثيرة انتقلت إلى العمل عن بُعد، جعل تعرضهم للمخاطر والضغوط مضاعفًا، وجعل احتياطات أماكن العمل الصحية عاملًا مباشرًا في شعورهم بالأمان أو القلق، ومن هنا فإن توثيق هذه الخبرات بأصوات أصحابها يقدم لمخططي الطوارئ مادة واقعية لبناء بروتوكولات أزمات تراعي البعد الإنساني للعاملين بقدر ما تراعي الكفاءة التشغيلية، وتوازن بين استمرارية الخدمة الأساسية وحماية من يقدمونها
وخلاصة القول إن جائحة كورونا كشفت حجم الأعباء النفسية والتشغيلية والتنظيمية التي يتحملها موظفو اتصالات السلامة العامة بوصفهم حلقة الوصل الأولى مع الجمهور في الأزمات، وإن توثيق خبراتهم النوعية يقدم أساسًا عمليًا لبناء بيئات عمل أكثر دعمًا واستعدادًا للأزمات المقبلة، بما يصون رفاه هذه الفئة الأساسية ويحافظ في الوقت نفسه على جودة الاستجابة للطوارئ التي يعتمد عليها المجتمع بأسره في أحلك الظروف








