يُعد اختيار نموذج العمليات الملائم أحد العوامل الحاسمة في نجاح مشروعات تقنية المعلومات، إذ يحدد النموذج المعتمد طريقة تنظيم العمل وتوزيع الأدوار وضبط الجداول الزمنية وإدارة المخاطر والموارد، غير أن نماذج القرار المتاحة أمام مديري المشروعات ما زالت تعاني قصورًا واضحًا، فهي لا تراعي بالقدر الكافي الأساليب الهجينة التي تجمع بين المناهج التقليدية والرشيقة، كما أن تبنيها العملي في بيئات العمل الفعلية ما زال محدودًا، وتنطلق هذه الدراسة من هذه الفجوة لتطوير نموذج قرار مدعوم بالذكاء الاصطناعي يعمل داخل شبكة ذاتية التعزيز، ويساعد على اختيار نموذج العمليات الأنسب لكل مشروع وفق خصائصه وظروفه الخاصة وطبيعة فريقه وسياقه التنظيمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء أداة قرار شفافة وقابلة للتكرار تدعم اختيار نموذج العمليات في مشروعات تقنية المعلومات، واعتمدت في ذلك على مراجعة منهجية للأدبيات شملت خمسًا وثلاثين دراسة ومنشورًا علميًا حللت فيها نماذج القرار القائمة تحليلًا نقديًا، فكشفت عن خمسة أوجه قصور متكررة تتمثل في خشونة مستوى التفصيل في القرار، وقلة البدائل المتاحة أمام صانع القرار، ومحدودية المعايير المستخدمة في المفاضلة، وغياب الترجيح الصريح للمعايير، وضعف التحقق التجريبي والتطبيق العملي لهذه النماذج، وانطلقت الدراسة من نظرية الاحتمالات الظرفية التي تؤكد أن ملاءمة النموذج تتوقف على سياق المشروع وخصائصه لا على أفضلية مطلقة لنموذج بعينه، فبنت نموذجًا جديدًا يغطي سبعة عشر نموذجًا من نماذج العمليات، ويراعي اثنين وثمانين معيارًا موزعة على أربع فئات هي المعايير الخاصة بالمشروع، والمعايير الخاصة بإدارة المشروع، والمعايير المرتبطة بالفريق، والمعايير التنظيمية، مع ترجيح صريح لأوزان هذه المعايير يعكس أهميتها النسبية في كل حالة
وللتحقق من كفاءة النموذج المقترح أجرت الدراسة استبانتين إلكترونيتين شارك فيهما خبراء في إدارة المشروعات، وجرى من خلالهما توصيف عشرين مشروعًا من مشروعات تقنية المعلومات المنفذة سابقًا توصيفًا استرجاعيًا، ثم قورنت توصيات النموذج بالأساليب التي اعتمدت فعليًا في تلك المشروعات، وقوبلت نتائجه بنتائج أكثر نماذج القرار القائمة شمولًا للوقوف على مواطن القوة والقصور بصورة موضوعية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التوصية الأولى التي يقدمها النموذج المقترح تطابقت مع منهج إدارة مشروعات تقنية المعلومات الشامل المعتمد فعليًا في 81.25 في المئة من الحالات، في حين بقي مستوى الاتفاق عند مستوى نماذج العمليات المحددة أدنى من ذلك، وهو ما يشير إلى أن النموذج ينجح بدرجة أكبر في تحديد التوجه العام الملائم للمشروع منه في تحديد النموذج التفصيلي بعينه، وبينت المقارنات الشاملة أن أداء النموذج المقترح لم يقل في جميع مقاييس المقارنة عن أداء أكثر نماذج القرار القائمة شمولًا، بل تميز عنها في جانب مهم تمثل في تفعيل نماذج العمليات الرشيقة بدرجة أقوى، بما يعكس حساسية النموذج تجاه خصائص المشروعات الحديثة التي تتطلب مرونة وسرعة في التكيف مع التغيرات، كما دلت النتائج على أن توسيع نطاق البدائل والمعايير وإدخال الترجيح الصريح أسهم في رفع جودة التوصيات ودقتها مقارنة بالنماذج التقليدية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتعدد دلالات هذه الدراسة على المستويين النظري والتطبيقي، فعلى المستوى النظري تقدم إطارًا منظمًا يربط بين نظرية الاحتمالات الظرفية وقرارات اختيار نماذج العمليات، وتسد فجوة معرفية تتعلق بغياب الترجيح الصريح للمعايير في الأدبيات السابقة، وعلى المستوى التطبيقي توفر الدراسة لمديري المشروعات ومكاتب إدارة المشروعات أداة قرار شفافة وقابلة للتكرار يمكن توظيفها في المراحل المبكرة من تخطيط المشروع لتقليل الاعتماد على الخبرة الفردية والانطباعات غير المنهجية، كما تساعد المنظمات على اختيار أساليب هجينة تناسب طبيعة مشروعاتها بدل الالتزام بنموذج واحد جامد في جميع الحالات، وتفتح النتائج الباب أمام تطوير أدوات مشابهة في مجالات إدارية أخرى يتشابك فيها القرار مع عوامل ظرفية متعددة، مع بقاء الحاجة إلى مزيد من التحقق التجريبي في قطاعات ودول مختلفة وعلى مشروعات مستقبلية لا استرجاعية فحسب
وخلاصة القول إن الدراسة نجحت في تطوير نموذج قرار مدعوم بالذكاء الاصطناعي لاختيار نماذج عمليات مشروعات تقنية المعلومات، يتميز بشمول معاييره وترجيحها الصريح وقدرته على التعامل مع الأساليب الهجينة، وقد أثبتت نتائج التحقق الاسترجاعي كفاءته مقارنة بالنماذج القائمة، بما يجعله خطوة عملية نحو تضييق الفجوة بين بحوث إدارة المشروعات وممارستها الميدانية، وأداة واعدة لدعم قرارات أكثر رشادة في بيئات المشروعات سريعة التغير








