تتناول هذه الدراسة دور برامج ما بعد المدرسة في نظام التعليم الإلزامي الصيني من منظور العدالة التعليمية، وذلك في أعقاب سياسة التخفيض المزدوج التي أطلقتها الصين عام 2021 وفرضت بها ضوابط صارمة على التعليم الموازي المعروف بتعليم الظل، وألزمت بتعميم برامج ما بعد المدرسة على نطاق واسع، وفي هذا السياق تسعى الدراسة إلى فهم ما إذا كانت هذه البرامج المدرسية قادرة على أن تحل محل تعليم الظل التجاري في تضييق فجوات الفرص التعليمية بين الطلاب مختلفي الخلفيات الأسرية، مع ما يترتب على ذلك من آثار في عدالة توزيع الموارد التعليمية بين المدارس والأسر، وفي مكانة المدرسة العامة بوصفها الضامن الرئيس لفرص التعلم المتكافئة بعد انتهاء اليوم الدراسي الرسمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء إطار نظري لفهم العوامل المؤثرة في العدالة التعليمية بدمج موارد المدرسة والخلفية الأسرية، وإلى مقارنة برامج ما بعد المدرسة بتعليم الظل ورسم خريطة مفاهيمية لآليات أثر هذه البرامج في العدالة التعليمية، ولاختبار الإطار تجريبيا اعتمدت الدراسة على نمذجة المعادلات البنائية بتحليل بيانات استبانة شملت 1458 طالبا في المرحلتين الابتدائية والثانوية بمدينة شنجن الصينية، وفحصت العلاقات بين رأس المال الثقافي الأسري وموارد المدرسة والمشاركة في برامج ما بعد المدرسة ونواتج الطلاب التعليمية، وما إذا كانت البرامج تقوم بدور المتغير الوسيط في هذه العلاقات
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن برامج ما بعد المدرسة تتوسط جزئيا العلاقة بين رأس المال الثقافي للأسرة ونواتج الطلاب التعليمية، وهو ما يعني أن التفاوت الأسري ينتقل إلى النواتج بقنوات تتجاوز البرامج أيضا، وأن موارد المدرسة تؤدي دورا ملموسا في تعزيز مشاركة الطلاب في هذه البرامج، وأن نواتج الطلاب المنخرطين فيها تتأثر بالعوامل المدرسية بدرجة أقوى من غيرهم، كما تبين بمقارنتها بتعليم الظل أن برامج ما بعد المدرسة التي تنظمها المدارس وتمولها الجهات العامة أظهرت فاعلية أكبر في تعزيز العدالة الاجتماعية، لأنها تتيح فرص دعم تعليمي منظمة دون أن ترتهن بالقدرة المالية للأسر كما يفعل سوق الدروس الخصوصية الموازية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة أدلة تجريبية تدعم دور برامج ما بعد المدرسة بديلا عن تعليم الظل في تعزيز العدالة التعليمية، وتتحقق من فاعليتها ومسارات أثرها المحددة بما يثري صنع السياسات التعليمية، وتقدم توصيات عملية لصانعي السياسات والتربويين حول العالم الملتزمين بتعزيز العدالة التعليمية، من قبيل الاستثمار في موارد المدارس المنظمة للبرامج وتجويد محتواها وتنويع أنشطتها، ومراعاة أن أثر البرامج في تضييق الفجوات جزئي يستدعي سياسات مرافقة تعالج أثر رأس المال الثقافي الأسري في نواتج الطلاب بوسائل أخرى مكملة
وتضيف الدراسة بعدا مقارنا غنيا بمقارنتها المنهجية بين برامج ما بعد المدرسة وتعليم الظل على أسس العدالة، فتعليم الظل الذي يشمل الدروس الخصوصية التجارية خارج المدرسة يوزع الفرص بحسب القدرة الأسرية على الدفع، فيعزز التفاوت الطبقي تحت ستار حرية الاختيار، بينما تقدم البرامج المدرسية الممولة عموميا فرص دعم واستكشاف لجميع الطلاب داخل المؤسسة العامة ذاتها، وقد رسمت الدراسة لأجل ذلك خريطة مفاهيمية توضح مسارات تأثير البرامج في العدالة التعليمية عبر المشاركة والتوسط بين الخلفية الأسرية والنواتج، وهو إطار قابل للنقل إلى أنظمة تعليمية أخرى تفكر في تنظيم أنشطتها ما بعد الدرسية
ومن الدقائق المنهجية التي تكشفها النتائج أن التوسط الذي تقوم به البرامج جزئي لا كلي، أي إن جزءا من أثر رأس المال الثقافي الأسري في نواتج الطلاب يمر عبر مشاركتهم في البرامج وجزءا آخر يسلك طرقا مباشرة متعددة، كما أن قوة تأثر نواتج المشاركين بالعوامل المدرسية تعني أن جودة البرنامج وتنظيمه صارتا عاملا حاسما في مصير الطالب التعليمي، فتنتقل المسؤولية بذلك من كاهل الأسرة وقدرتها المادية إلى كاهل المدرسة وقيادتها، وهو تحول ذو دلالة عميقة لأنظمة التعليم الإلزامي الساعية إلى تكافؤ الفرص
وخلاصة القول إن برامج ما بعد المدرسة المدرسية الممولة عموميا أداة واعدة لإحلال العدالة محل امتيازات تعليم الظل في التعليم الإلزامي الصيني، إذ تتوسط جزئيا أثر الخلفية الأسرية في نواتج الطلاب وتعزز وزن العوامل المدرسية في تشكيلها، غير أن نجاحها يظل مشروطا بجودة موارد المدارس وبسياسات داعمة أوسع نطاقا








