يظل استمرار طلاب الجامعات في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات شاغلًا قديمًا للتعليم العالي، فهو حصيلة تفاعل معقد بين الاستعداد الأكاديمي بمهاراته ومعارفه والسلوكيات الأكاديمية المتمثلة في الانخراط في العمل الدراسي وعوامل سياقية كالتدريس وأنظمة الدعم، ويبرز سؤال خاص حول الطلاب ذوي اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة وآليات استمرارهم أو تسربهم من هذه التخصصات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف ما إذا كانت حالة اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة مرتبطة بالاستمرار في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وما إذا كان الاستعداد الأكاديمي والسلوكيات الأكاديمية يفسران هذه العلاقة، واعتمدت بيانات مسحية مطابقة على مستوى الطالب بين السنة الأولى والسنة الأخيرة لستة وعشرين ألفًا ومئة وتسعة وتسعين طالبًا جامعيًا، مستخدمة اختبارات مربع كاي للمقارنات، ونموذج معادلات بنيوية معممًا لفحص العلاقة والتوسط، مركزًة على أربعة آلاف وستمئة وأربعة وأربعين طالبًا ممن قصدوا التخصص في هذه المجالات في سنتهم الأولى وتتبع استمرارهم حتى السنة الأخيرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الطلاب ذوي الاضطراب كانوا بقدر أقرانهم رغبة في التخصص في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في السنة الأولى، لكنهم كانوا أقل استمرارًا فيها حتى السنة الأخيرة ممن قصدوها، وأن الطلاب الأكثر استعدادًا أكاديميًا وذوي السلوكيات الأكاديمية الأقل انفصالًا عن الدراسة كانوا أكثر استمرارًا، وشكل الاستعداد الأكاديمي والسلوكيات الأكاديمية معًا ما نسبته ثمانية وتسعون فاصلة ثمانية وثمانون في المئة من مجمل العلاقة بين حالة الاضطراب والاستمرار، وكان للاستعداد الأكاديمي الأثر المهيمن في هذا التفسير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن دعم استمرار الطلاب ذوي اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة في هذه التخصصات قد يتحقق عبر مسارين هما دمج التسهيلات التقليدية مع دعم موجه لمعالجة نقص الاستعداد الأكاديمي لمقررات هذه المجالات، وإقامة سمات في بيئات تعلمها كبنية المقرر وطرائق التدريس وتصميم التقييم تدعم الطلاب ذوي المستويات المتنوعة من الاستعداد، وهو ما يهم إدارات الجامعات ومراكز دعم الطلاب ومصممي المقررات العلمية
ويستحق ترتيب الوسيطين تأملًا خاصًا، فهيمنة الاستعداد الأكاديمي على التفسير تعني أن الفجوة تبدأ قبل الجامعة أو في بواكيرها، حين يلتحق الطالب ذو الاضطراب بمقررات علمية تأسيسية تتطلب رصيدًا معرفيًا وتنظيميًا لا يملكه بالقدر نفسه، فيتراكم التأخر ويتحول إلى قرار بمغادرة التخصص، أما السلوكيات الأكاديمية كالانخراط وإدارة الدراسة فتسهم بدور مكمل يفسر جزءًا أصغر لكنه قابل للتدخل المباشر داخل الفصل الجامعي
ويعيد هذا التوزيع توجيه أولويات الدعم الجامعي، فبدل الاقتصار على تسهيلات الامتحانات وإطالة الوقت وهي خدمات ما تزال لازمة، تقترح النتائج بناء جسور إعداد قبل المقررات العلمية الصعبة وبرامج متابعة أكاديمية مبكرة وتصميم تقييمات موزعة تخفف أثر نقص الاستعداد، مع تدريب أعضاء هيئة التدريس في التخصصات العلمية على سمات بيئة تعلم تستوعب تنوع الاستعداد بدل افتراض تجانسه
وتكتسب الدراسة أهميتها من حجم عينتها وطابعها الطولي، فمطابقة بيانات السنة الأولى بالسنة الأخيرة للطالب ذاته تتجاوز حدود الدراسات المقطعية التي تلتقط لحظة واحدة، وتسمح بالتمييز الدقيق بين قصد الالتحاق بالتخصص العلمي وهو قرار لحظة التقديم وبين الاستمرار الفعلي فيه عبر سنوات من التراكم المعرفي، وهو تمييز جوهري لأن كثيرًا من سياسات الاستقطاب تنجح في جذب الطلاب ذوي الاضطراب إلى العلوم ثم تخفق في الاحتفاظ بهم، فتأتي هذه الدراسة لتنقل مركز الثقل من بوابة الدخول إلى مسار البقاء
وتتقاطع هذه النتيجة مع نقاش أوسع حول الإنصاف في التعليم العلمي، فالمساواة في القبول بالتخصصات لا تعني مساواة في فرص البقاء فيها ما لم تعالج فجوات الإعداد التي يحملها الطلاب معهم من مراحل سابقة، ويصبح قياس الاستمرار بذلك مؤشرًا أصدق لعدالة المنظومة من قياس الالتحاق وحده، وهو درس يتجاوز فئة الطلاب ذوي الاضطراب إلى كل فئة تلتحق بالتخصصات العلمية بخلفيات إعداد غير متكافئة
وخلاصة القول إن الفجوة في الاستمرار الجامعي العلمي لدى الطلاب ذوي الاضطراب لا تعود إلى ضعف القصد بل إلى الاستعداد الأكاديمي في المقام الأول، ما يجعل التدخل المبكر في بناء هذا الاستعداد مفتاح الاحتفاظ بهم في التخصصات العلمية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








